"بعبدا" المتأنية والشجاعة.. كيف يقرأ العماد جوزيف عون ملف العفو العام؟
عودة الفارين إلى إسرائيل في "العفو العام"
أثار قانون العفو العام الذي أقرّه مجلس النواب الأسبوع الفائت نقاشاً واسعاً، ولا سيما في الشق المتعلق بالفارين إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب اللبناني في العام 2000.
ولذا، نبهت دراسة أعدّها مركز «الاتحاد للأبحاث والتطوير» إلى ضرورة التمييز بين العفو العام والبراءة والحصانة. فالعفو العام عمل تشريعي يحدد مجلس النواب نطاقه والفئات التي يشملها، ولا يعني أن المستفيد منه بريء. أما البراءة، فهي نتيجة قضائية تقوم على انتفاء المسؤولية أو عدم كفاية الأدلة.
وتؤكد الدراسة أن القانون الصادر لا يمنح حصانة شاملة عن الأفعال المرتكبة خلال مدة الاحتلال الإسرائيلي، إذ استثنى جرائم خطيرة، بينها القتل العمد بحق المدنيين أو العسكريين والخيانة والتجسس. وعليه، لا يعكس ادعاء أن القانون «عفا عن جميع العملاء» حقيقة الأمر.
المسؤولية الجنائية فردية
تؤكد الدراسة أن المسؤولية الجنائية فردية. ولذا، يجب التحقيق مع المغادرين إلى إسرائيل في العام 2000 على الصعيد الفردي: هل كان العائد إلى لبنان مدنياً خلال مدة الاحتلال الإسرائيلي؟ هل انخرط في «جيش لبنان الجنوبي» أو الأجهزة الأمنية؟ هل حمل السلاح أو شارك في اعتقالات أو تعذيب أو قتل أو نقل معلومات؟
فالإقامة في إسرائيل أو الفرار إليها لا تكفي للإدانة، إذ يجب إثبات الجُرم على المتهم. ولذا، ترفض الدراسة اعتبار جميع المغادرين مسؤولين عن الجرائم نفسها، وتدعو إلى التعامل مع كل حال بحالها.
وتشدد الدراسة على عدم الخلط بين قانون العفو والنظام الخاص باللبنانيين في إسرائيل، الذي وضعه القانون الرقم 194/2011، علماً أن العفو أحال هؤلاء إلى أحكام الأخير.
وعليه، تميز الدراسة بين ثلاث فئات: من غادر ولم يثبت انخراطه العسكري أو الأمني، ومن انخرط في «جيش لبنان الجنوبي» أو الأجهزة الأمنية، ومن جمع بين هذا الانخراط وارتكاب قتل أو تعذيب أو انتهاكات أخرى. وهذا التمييز ضروري لفهم «فتح باب العودة»، لأن السماح بالعودة لا يعني إسقاط المسؤولية عن أفعال أخرى.
العودة لا تُسقِط الملاحقة
تؤكد الدراسة أن العودة من إسرائيل لا تمنح حصانة تلقائية، ولا سيما إذا كان الشخص مطلوباً بمذكرة توقيف، أو صدر بحقه حكم، أو كانت هناك دعوى ضده. وفي المقابل، لا يجوز التوقيف أو الإدانة لمجرد إدراج الاسم في قوائم سياسية أو إعلامية، لأن الاشتباه بشخص لا يعني إدانته. كما أن العفو عن فعل معين لا يعني العفو عن جميع أفعال الشخص. فإذا شمل العفو جريمة محددة، ثم تبين أنه ارتكب جريمة أخرى مستثناة، فلا يمتد العفو إليها.
وتدعو الدراسة إلى الانتقال من سؤال «هل كان الشخص عميلاً؟» إلى «ما الجريمة التي ارتكبها تحديداً؟». فقد يكون عسكرياً أو أمنياً أو مسؤولاً عن معتقل أو مشاركاً في التحقيق أو مخبراً أو ناقلاً للمعلومات أو مشاركاً في التعذيب. ويترتب على كل دور مسؤولية تحتاج إلى نص قانوني وأدلة لتحميلها للشخص المعني.
مثلاً، يضع الانضمام إلى تشكيل عسكري يعمل لمصلحة إسرائيل الشخص أمام أحكام تتعلق بأمن الدولة الخارجي والخيانة أو التجند في جيش معادٍ. لكن ذلك لا يلغي جرائم أخرى قد تكون ارتكبت في أثناء الخدمة، كالقتل أو التعذيب.
القتل والتعذيب والجرائم
إذا شارك شخص في تعذيب معتقل أو ضربه أو إساءة معاملته أو حرمانه من العلاج أو التسبب في وفاته، فلا ينبغي حصر مسؤوليته بعنوان «التعامل مع العدو»، بل يجب التحقيق في الجريمة الأصلية. ولا تقتصر المسؤولية على المنفذ المباشر. ففي الوفاة الناتجة عن التعذيب، يجب البحث عمن أصدر الأمر ونفذه وأسهم فيه، ومن منع العلاج أو أخفى آثار الجريمة، وما إذا كانت الواقعة جزءاً من ممارسة متكررة أو منهجية.
وتنبه الدراسة إلى ضرورة التزام الدقة في استخدام أوصاف القانون الدولي. فليس كل تعذيب جريمة ضد الإنسانية تلقائياً، ولا كل قتل في أثناء نزاع مسلح جريمة حرب.
فجرائم الحرب ترتبط بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في أثناء نزاع مسلح، بينما تستلزم الجريمة ضد الإنسانية أن يكون الفعل جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد سكان مدنيين مع توافر العناصر القانونية الأخرى. لذا، يجب إثبات العناصر والسياق الذي حصلت فيه الجريمة.
حقوق الضحايا
لا تقتصر آثار العفو على الدولة والمتهم، بل تشمل الضحية. فالذين تعرضوا للتعذيب أو فقدوا أقاربهم نتيجة القتل أو الوفاة في المعتقلات يتمتعون بحقوق لا ينبغي أن تزول بصدور العفو.
وتبرز حقوق معرفة الحقيقة والتحقيق والوصول إلى العدالة والتعويض وجبر الضرر، إلى جانب مكافحة الإفلات من العقاب عن الجرائم الدولية الخطيرة. لذا، ينبغي أن يراعي تطبيق العفو حقوق الضحايا.
وتقترح الدراسة إعادة فحص الملفات فردياً، عبر تحديد الشخص وصفته والفعل والضحية والأدلة والنص الجزائي وأثر العفو والتقادم والتكييف الدولي والاختصاص القضائي. كما تقترح إنشاء قاعدة بيانات لضحايا معتقل الخيام وغيره من المراكز المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، تشمل معلومات الاعتقال والتعذيب والشهود والوثائق الطبية والمسؤولين والتسلسل القيادي.
في المحصلة، تميز الدراسة بين «المصالحة الوطنية» و«الإفلات من العقاب». فمن الممكن السماح بعودة من تنطبق عليهم الشروط، من دون إغلاق ملفات مرتكبي الجرائم الخطيرة، ومع إبقاء المحاسبة مفتوحة أمامهم، بما ينسجم مع العدالة الانتقالية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|