يوم في "ميفدون": حقائب موضّبة وحياة معلّقة على خطّ النار
لم يعد كثير من أبناء ميفدون إلى بلدتهم بعد. موقعها الجغرافي، وقربها من زوطر الشرقية، وإطلالتها على مرتفع علي الطاهر وكفرتبنيت وقلعة الشقيف، جعلت منها خط تماس خطراً، وأبقاها في دائرة التصعيد المستمر.
في جولة الحرب الأخيرة، نالت ميفدون نصيباً كبيراً من الغارات والاستهدافات التي طالت منازلها ومحالها التجارية، من مدخل البلدة وصولاً إلى آخر منزل مشرف على زوطر الشرقية. وحتى خلال وقف إطلاق النار، استهدفت غارة جوية إحدى محطات المحروقات فيها.
تبدو ميفدون أسيرة هذا التصعيد. أهلها يتريثون في العودة، فيما لا تزال مقومات الحياة الأساسية مفقودة. وفي الحي المواجه لزوطر الشرقية، رفعت قوات الاحتلال ساتراً ترابياً، فيما تبقي سيطرتها بالنار على مشاع ميفدون المواجه لزوطر الغربية. ومع ذلك، يرفض بعض أبناء البلدة المغادرة.
في الحي الأكثر خطراً، أو "حي خط التماس" كما يسميه أهالي البلدة، شرّع أبو علي عياش دكانه للحياة. الحركة شبه معدومة، والناس قليلون، لكنه باقٍ. يقول في حديثه لـِ "المدن": "ما في حدا هون، لا يوجد سوى أربع عائلات، وبعض العمال الذين يمرون من هنا". ينام ويستفيق على القصف المدفعي المحاذي للحي، وأحياناً تسقط الشظايا قربه، فيما يسمع هدير الدبابات وهي تقترب. "ومع ذلك باقون، والمسلم الله".
يحاول عياش أن يرمّم حياته داخل دكانه، رغم أن الحركة التجارية شبه معدومة، والظروف الاقتصادية لا تسمح له بالبحث عن مكان أكثر أمناً. "نعيش في الخطر، نتعايش معه، لا نريد أن نغادر، ولا قدرة لنا على استئجار منزل بألف أو سبعمئة دولار. لم نعد نملك القدرة على هذا الأمر". بالكاد يبيع، لكنه يصر على مواصلة الحياة. فميفدون بالنسبة إليه "روحه وحياته" ويختصر علاقته بالأرض بجملة واحدة: "هيدي الأرض إلنا".
بلدة تواجه الحرب
الصمود يحتاج إلى مقومات. وهذا ما تحاول بلدية ميفدون، برئاسة المحامي علي جابر، تأمينه ضمن إمكاناتها المحدودة، وبمساعدة بعض الخيرين وأبناء البلدة. في حديثه لـِ "المدن" يقول جابر إن البلدة "تسعى لتوفير بعض المقومات، غير أن الكل تخلّى عن مسؤولياته". ويضيف: "السلطات كافة لا تسأل عن حال ميفدون. هذه البلدة تتعرض كل يوم للقصف والاستهدافات، والعدو يصل إلى حدود مدخلها. لم نسمع أي إدانة أو استنكار، أو حتى خطاب دعم لعودة أهلها".
الدمار كبير. نحو 400 إلى 500 وحدة سكنية تضررت أو دُمّرت، فيما طالت الأضرار مدرستي البلدة، المتوسطة والثانوية. ومع اقتراب العام الدراسي، تقول البلدية إن وزارة التربية لم تسأل عن واقع المدرستين وكيف ستواجهان العام الجديد. في المقابل، عملت البلدية على تنظيف المدارس وترتيبها وفتح الطرقات وإزالة آثار الحرب، بالتعاون مع الفرق الإسعافية وأبناء البلدة.
يكمل جابر حديثه: "نحن نقوم بما يمكننا القيام به ضمن الإمكانات المتوفرة، ولكن أين الوزارات؟ لا أحد يسأل عنا. الاعتداءات مستمرة، والبيوت الجاهزة مطلوبة، ولا أحد يتواصل معنا أو يسألنا ماذا نحتاج؟".
لا مؤونة تكفي
ليس الدمار وحده ما تركته الحرب. فقدت ميفدون جزءاً كبيراً من قوتها الاقتصادية والحياتية، حتى من التفاصيل الصغيرة التي كانت تشكل سنداً للعائلات، كصناعة المونة البيتية. الحاجة فاطمة نجدة، 77 عاماً، عايشت أيام الاحتلال الإسرائيلي، لكنها ترى أن المرحلة الحالية أكثر خطراً. تسكن في حي خط التماس، وتعيش مع أحفادها على وقع القصف وإطلاق النار. في مداخلتها لـِ "المدن": كل يوم يتم القصف أو إطلاق الرصاص نحو الحي"، تقول، مضيفة: "أحفادي يعيشون حالاً من الرعب والخوف".
في مثل هذه الأيام، كانت نجدة تبدأ إعداد المونة، ومنها الكشك. لكن هذا العام لم تستطع. لم نستطع فعل شيء. عدنا متأخرين، والوضع الاقتصادي لم يسعفنا. عادة كانت المونة تزيّن خزانة المطبخ، هذه المرة سنكتفي بشرائها بالكيلو من الجاروشة.
الحرب هنا لا تُقاس بالركام. حتى الملابس باتت جزءاً من حسابات النزوح. الحقائب موضبة، والمنازل لم تخضع للترميم، لأن أحداً لا يعرف متى قد تضطر العائلات إلى المغادرة. هكذا من شرفة منزلها المطل على زوطر والمحاط بالدمار، تقول نجدة: "لم نجرِ أي تصليحات في المنزل، لا نعرف كيف تتجه الأمور. في أي لحظة قد نغادر".
حياة معطَّلة
في ميفدون، شرّعت بعض المحال أبوابها، وفي ساحة البلدة يجتمع بعض الأهالي حول مقهى صغير، في محاولة لاستعادة شيء من الحياة وسط الهدوء الحذر. لكن الساحة تحولت أيضاً إلى نقطة لمراقبة حركة الداخلين إلى البلدة، خصوصاً تجار الخردة الذين يحاولون استغلال غياب أصحاب المنازل. يقول شرطي البلدية في لقائه مع "المدن": "ممنوع على أي سائق بيك آب الدخول من دون إذن مسبق أو وجود الأهالي. هؤلاء يريدون سرقة أملاك الناس، ونحن نمنعهم".
تنشط تجارة الخردة في ظل الدمار، بحثاً عن الحديد والألمنيوم وغيرها من المواد، فيما يحاول أبناء البلدة حماية ما تبقى من ممتلكاتهم. زينب تركية تتفقد منزلها بشكل دوري، رغم صعوبة الوصول إليه بسبب موقعه القريب من المشاع، في منطقة تصفها بالخطرة. "بتطلّع عليه من بعيد. الحياة بعدها معدومة هون، لا مي ولا كهربا، ناهيك عن القصف المستمر".
تحتسي قهوتها وتتأمل ساحة البلدة قبل أن تقول: "نعيش بأيام اللا حرب القاسية، وسط وضع اقتصادي صعب، غلاء، حرب، تهجير، ولكننا لن نتخلى عن أرضنا، لأنها تاريخنا". وبرغم الركام، تبدو شوارع ميفدون نظيفة. عملت البلدية، بالتعاون مع الفرق الإسعافية وأبناء البلدة، على شطفها وإزالة آثار الحرب، في محاولة لإعادة شيء من الحياة إلى البلدة. يكمل جابر: "نحن نقوم بمبادرات فردية، ضمن الإمكانات المتواضعة للبلدية، لخدمة أهلنا. وهذا أقل واجب تجاه الناس".
يكمل جابر كلامه ويطرح السؤال الذي يتجاوز التنظيف وفتح الطرقات: "إذا لم نؤمّن مقومات الصمود، فكيف سيبقى الناس في أرضهم؟ إذا لم تتأمن الكهرباء، والمازوت، والإنارة، وسائر الاحتياجات الأساسية، فكيف يمكن للجنوبي أن يستمر في أرضه؟".
في ميفدون، لا تبدو الحياة متوقفة تماماً، لكنها معلّقة بين عودة مؤجلة وتصعيد قد يتجدد في أي لحظة. محال فتحت أبوابها، وشوارع نُظفت، وأهالٍ عادوا إلى منازلهم، لكن حقائب كثيرة لا تزال موضبة قرب الأبواب. "تعبنا من النزوح" عبارة تختصر يوميات أبناء ميفدون والقرى المحيطة. ورغم كل شيء، يتمسكون بأرضهم، لأن ميفدون بالنسبة إليهم تاريخ وسيرة حياة وانتماء.
رنا جوني- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|