الصحافة

ماذا سيقول بري في ذكرى الإمام الصدر؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

مرة كل عام، وفي موعدٍ لا يتبدّل مهما تبدّلت خرائط الحرب والسلم في هذا الشرق المضطرب، يخرج الرئيس نبيه بري ليحيط الملفات اللبنانية من جميع الزوايا.. يختار الرئيس بري ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر ليكون المنبر الذي يطلق من خلاله ثوابته وتموضعه في السنوات السياسية المقبلة. فالرجل الذي "يمشي بخطى ثابتة يبطئها حيانًا ويسرّعها أحيانًا" بين أروقة عين التينة، كما وصفه أحد الذين رافقوه عن قرب، يعرف أن هذه المناسبة محطة سياسية توازي في وزنها بيانا وزاريا أو خطاب قسم. فمن هذا المنبر وحده، مرة في السنة، يُقرأ موقف بري كاملا، لا مجتزأً من تصريح صحافي أو تسريب مصادر.

هذا العام، تحديدا، لا يشبه أي عام مضى. فالكلمة التي يستعد بري لإلقائها في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام ورفيقيه، الشيخ محمد يعقوب والإعلامي عباس بدر الدين، تأتي على وقع جنوب يُجرَف يوميا تحت وطأة غارات لا تكاد تتوقف، ومفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل تراوح مكانها فيما تنتظر جولتها الثامنة موعدا لم يُحسم بعد، وثنائية شيعية باتت تتحدث لغتين مختلفتين حيال المخرج من الحرب. في خضم هذا كله، تتحول إطلالة بري من عادة سنوية إلى ما يشبه قراءة في مصير المرحلة كلها.

لم يعد بري يخفي قلقا يتجاوز الخطاب الدبلوماسي المعتاد. فما وصفه أمام أحد الوفود الأميركية الزائرة بأنه عدوان قد يفوق في قسوته ما تشهده غزة، كان تعبيراً عن إحساس إبن الجنوب بأن تلك المنطقة تُستهدف بمنطق التجريف لا القصف العابر. مجزرتا بلدتَي أنصار ودير الزهراني، اللتان محتا عائلات بكاملها، رسّختا لدى رئيس المجلس قناعة بأن إسرائيل لا تُقيم وزنا لأي اتفاق أو التزام دولي، حتى في ظل تفاهم "الإطار" الذي رعته واشنطن.

على الطاولة التفاوضية، يقف بري عند خطوط لا يبدو أنه مستعد للتنازل عنها: لا مفاوضات مباشرة، بل عبر وسطاء يحملون الشروط اللبنانية بدل أن يقف اللبنانيون عراة أمام إملاءات الطرف الإسرائيلي. ولا نجاح لأي مسار قبل وقف فعلي لإطلاق النار، وانسحاب كامل، وإعادة إعمار، وعودة الأهالي. وهو، في المقابل، لا يتردد في التحذير من فخ "المناطق التجريبية" التي يراها مدخلا لصراع داخلي مصطنع أكثر منها آلية تحقق فعلية، مقترحا بدلا منها اعتماد الأقضية كوحدة للتفاوض. ورغم كل هذا التحفظ، يبقى بري الوحيد بين قادة الفريق الآخر للحرب الذي يمنح الإدارة الأميركية، وتحديدا الرئيس دونالد ترامب، دورا وازنا يمكن أن يُلزم إسرائيل بالانسحاب، معتبرا أن واشنطن هي الجهة الوحيدة القادرة فعليا على كسر المعادلة الميدانية القائمة.

الأكثر إلحاحا في المشهد الراهن هو ذلك الخيط الرفيع الذي بات يفصل بين موقعَي "أمل" و"حزب الله" من إدارة المرحلة، من دون أن يتحول إلى قطيعة معلنة. فمنذ محطتي الخامس والسابع من آب الماضي، حين اصطدم ملف حصر السلاح بالجدار الشيعي وانسحب وزراء الثنائي من جلسة حكومية، اختارت "أمل" أن تبقى داخل المؤسسة بينما ارتفع سقف اعتراض "حزب الله". وتكرر المشهد في جلسة مجلس الوزراء التي حظرت الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، ثم في خطة نزع سلاح بيروت، وصولا إلى إقرار قانون العفو العام مطلع آب الجاري، حين انحصر الانسحاب النيابي الشيعي بنواب "حزب الله" وحدهم، فيما لم يسجَّل أي اعتراض من نواب الحركة.

هذا التمايز لا يعني، بأي حال، أن التحالف الممتد عقودًا بين الطرفين يتجه إلى انفصال سياسي، فبري لا يزال الجهة الماسكة بخيوط التواصل بين الحزب والداخل والخارج، ولا يزال يرفض منح أي غطاء لخيارات التصعيد الداخلي أو إسقاط الحكومة. لكن ما بات صعبا إخفاؤه هو أن الطرفين لم يعودا يتحدثان اللغة نفسها حول دور واشنطن، وحول موقع الدولة في أي تسوية مقبلة. فبري يحصر التزامه، حتى الساعة، بترتيبات جنوب الليطاني، بينما يذهب المطلب الأميركي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، أي سلاح الحزب في كل لبنان، وهنا يكمن جوهر الخلاف الذي لم يُحسم بعد.

في قلب هذا التجاذب الإقليمي والداخلي، يبدو الرئيس بري أشبه بمن يمشي فوق حبل مشدود بين ثوابت لا يريد التخلي عنها وواقعية سياسية لا يملك ترف تجاهلها. فهو، من جهة، لا يزال يستحضر إرث الإمام الصدر بوصفه صاحب مشروع دولة جامعة لا طائفة منغلقة، ويستثمر هذه الذكرى لتوجيه رسائل وحدة وطنية تتجاوز الاصطفافات التي تعصف بالبلاد. ومن جهة أخرى، هو رجل دولة يعرف أن أي خروج علني عن "حزب الله" قد يهدد التوازن الداخلي الذي حافظ عليه طوال عقود، فيما أي تماه كامل مع خيارات الحزب قد يُفقده موقعه كمخاطَب أساسي لدى واشنطن والعواصم العربية التي يعوّل عليها لبناء ما يسميه "مظلة إقليمية" تحت رعاية أميركية، وربما بتفاهم سعودي-إيراني، يرى فيه المخرج الوحيد من دوامة الانهيار.

وانطلاقا من هذه الوقائع تصبح كلمة الأحد المقبل أكثر من تحية سنوية لغائب لم يُعرف مصيره بعد ثمانية وأربعين عامًا. إنها اختبار لقدرة بري على أن يبقى الصوت القادر على الجمع من دون أن يُتّهم بالتفريط، وعلى أن يواصل المراهنة على مسار تفاوضي من دون أن يبدو متخليا عن جمهور الجنوب الذي يدفع الثمن يوميا.

علاء الخوري - ليبانون فايلز

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا