مُدَّخرات النازحين شارفت على النهاية...هل لدى الحكومة خطّة
بدأت الأسر النازحة تستنفد مُدَّخراتها لتمويل كلفة البقاء على قيد الحياة. رغم ذلك، ثمّة عدد كبير يعجز عن العودة إلى مكان إقامته الأصلي، ولا يملك جواباً واضحاً عن مصيره. في 75% من الإجابات في المناطق التي شملها التقييم السريع للاحتياجات الطارئة للنازحين خارج مراكز الإيواء (ERNA)، ظهر الاعتماد على المُدّخرات كوسيلة أساسية لتغطية الحاجات اليومية، بينما كان يعتمد 31% على الاقتراض ولجأ 23% إلى تقليص الإنفاق الأساسي. يعني أن الأسر تموّل كلفة النزوح من مُدّخراتها ومن أصولها بشكل أساسي، ثم من المساعدات المؤقّتة. يثير الأمر سؤالاً مركزياً بشأن قدرة هؤلاء على الاستمرار: ما الخطّة إذا طال النزوح أكثر؟ أين سيعيش هؤلاء؟ كيف سيؤمّنون دخلاً عندما تنفد المُدّخرات؟
أهمية التقرير الذي أُعدّ ضمن مجموعة العمل للتقييم والتحليل (AAWG) لدعم الاستجابة التي تقودها الحكومة اللبنانية، أنه يستند إلى عينة من 1,694 مقابلة في 389 منطقة في كل المحافظات اللبنانية، وقد جُمعت الأجوبة بين 24 نيسان و18 أيار 2026 من النازحين أنفسهم. وبحسب النتائج المُستخلصة من الاستبيان، فإن نحو 600125 نازحاً موجودون خارج مراكز الإيواء، وهؤلاء لديهم الوصول إلى السوق والخدمات الأساسية، إلا أنهم يخسرون هذا الوصول سريعاً. وتتركّز أزمة النازحين خارج مراكز الإيواء، في قدراتهم الشرائية الضعيفة، وفي انعدام أي رؤية للمستقبل، وفي الاستدامة في المجالات الآتية: كلفة الإيجار، كلفة الغذاء، كلفة الدواء، كلفة النقل.
يجري تمويل هذه الحاجات من خلال المُدّخرات الخاصة. فالإيجار يُدفع كل شهر، والطعام والدواء والنقل مصاريف لا يمكن تأجيلها. وإلى جانب المُدّخرات، ظهرت المساعدات الغذائية والعينية كوسيلة لتغطية الحاجات في 76% من الإجابات، والمساعدات النقدية في 64%، ودعم الأقارب والأصدقاء في 56%. وحيث بقيت الأسواق تعمل، ظهرت مشكلة القدرة على الشراء. فالغذاء كان متوافراً في المتاجر لكن كلفته شكّلت تحدّياً رئيسياً بحسب 85% من الإجابات، كما أبلغ 82% من المشاركين في الاستبيان عن عدم كفاية كميات الغذاء بسبب القيود المالية.
أرقام هذا الاستبيان تعود إلى نيسان وأيار، ما يعني أن الباقين في حالة النزوح هم بغالبيتهم أولئك الذين خسروا أماكن إقامتهم الأساسية، وهم مضطرون أن يواصلوا رحلة النزوح بما يترافق معها من صعوبات متعلّقة بتأمين الأكلاف المُشار إليها المتعلقة بالإيجار والغذاء والنقل والدواء. وبحسب آخر تحديث لمفوّضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 18 آب، فإن مجمل عدد النازحين يبلغ 360 ألفاً (يُقدّر أن 22 ألفاً فقط يعيشون داخل مراكز الإيواء ويعيش الباقون في شقق مُستأجرة أو لدى أقاربهم) لأن عودتهم غير مُتاحة حالياً. فهل لدى هؤلاء، القدرة على مواصلة البقاء على قيد الحياة رغم استنفاد مُدّخراتهم وأصولهم؟
هنا يبدأ السؤال عن الدولة. فهل ستكتفي الدولة بالتعامل مع النازحين من باب المساعدات الطارئة والإعانات الغذائية، أم أنها ستضع خطّة أوضح للمستقبل توضح آليات التعامل مع النازحين في مجالات السكن والتعليم والصحة والعمل؟ العبء السكني ظاهر للعيان، إذ إن استبيان «التقييم السريع» خلص إلى أن 91% من الإجابات تضمّنت استئجار شقق. وأبلغ 54% من الذين أجابوا بأن عليهم مترتّبات إيجارات شهرية غير مُيسّرة، وقال 68% إن هناك اكتظاظاً في مكان الإقامة.
لا يجب أن نغفل بأن الإيجار يستحق شهرياً، وبالنسبة إلى الأسر التي لا تستطيع العودة، فإن الشهر الإضافي يعني استحقاقاً إضافياً، ما يضيّق هامش المُدّخرات المُستنزفة أصلاً. فإذا كانت العودة متعذّرة، فمن يؤمّن بديلاً قابلاً للاستمرار؟ وإذا كانت الدولة تعرف أن الإيجار هو الحاجة الأولى، وأن مدّخرات الأسر تتآكل، فهل هناك تصوّر لما بعد المساعدات الطارئة؟
المشكلة أن النازحين ليست لديهم أعمال مستقرّة، أو أصبحوا عاطلين من العمل. غياب العمل اليومي أو المأجور ظهر كعائق في 86% من الإجابات التي ظهرت في الاستبيان، كما أبلغ 61% عن إقفال أعمال أو تراجع النشاط الاقتصادي أو تضرّر أماكن العمل، و58% عن عدم توفّر المال لإعادة تشغيل الأنشطة، و22% عن ديون أو التزامات غير مدفوعة. لهذا جاءت المساعدة النقدية المؤقتة في 96% من الإجابات كأكثر أشكال دعم سبل العيش طلباً، تليها فرص العمل القصيرة الأجل أو «النقد مقابل العمل» في 73%.
لكنّ النقد المؤقّت ليس كافياً لاستعادة سبل العيش، فالتقرير نفسه يوصي بربطه بمسارات لاستعادة الدخل. وهنا أيضاً لا يمكن أن يكون الجواب «مساعدة نقدية» إلى أجل غير محدّد. فالمساعدة تغطي فجوة الدخل لفترة، لكنها لا تعوّض وظيفة فُقدت أو مشروعاً توقّف.
ومع اقتراب العام الدراسي، يصبح النازحون في مشكلة أكبر، إذ ما زال أكثر من 22 ألف نازح في مراكز إيواء جماعية بعضها يُستخدم مدارس رسمية، علماً أن تقييماً أجرته وزارة التربية بدعم تقني من اليونيسف، أظهر تضرّر أو تدمير 340 مدرسة، بينها 17 دُمّرت بالكامل، مع تحذير من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل قد لا يجدون صفوفاً مع بداية العام الدراسي إذا لم تُنجز الإصلاحات المطلوبة.
إذاً، ماذا سيحلّ بالنازحين الموجودين في مراكز الإيواء المُقامة في المدارس عندما يجب أن تعود هذه المدارس لاستقبال التلامذة؟
كل شهر إضافي بلا سكن مُستدام وبلا مصدر دخل يعني استنزافاً أكبر للأسر وكلفة أعلى على الاقتصاد الذي سيدفع لاحقاً ثمن استنزاف ما تبقّى لدى هذه العائلات من قدرة على الصمود.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|