إيران عند حافة أزمة اقتصادية كبرى.. ماذا قصد ترامب عندما قال إنها تنهار؟
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاثنين، إن إيران «تنهار بالكامل»، بالتزامن مع إعلان واشنطن الاستعداد لجولة جديدة من العقوبات الاقتصادية وصفها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بأنها ستكون من بين الأقسى التي فُرضت على طهران.
لكن هل وصل الاقتصاد الإيراني فعلاً إلى مرحلة الانهيار؟
الأرقام ترسم صورة أكثر تعقيداً. إيران لم تصل بعد إلى انهيار اقتصادي شامل بمعنى توقف الدولة أو المصارف أو التجارة، لكنها دخلت واحدة من أخطر مراحلها الاقتصادية منذ قيام الجمهورية الإسلامية: الريال عند أدنى مستوى تاريخي، أسعار الغذاء تضاعفت خلال عام تقريباً، الاقتصاد يتجه إلى انكماش حاد، صادرات النفط تراجعت بقوة، فيما تعاني شبكة الطاقة والمصارف من اختلالات عميقة.
الريال عند قاع تاريخي
أوضح مؤشر للأزمة يظهر في سوق العملة.
وصل سعر الدولار في السوق الحرة في 24 آب إلى نحو 2.02 مليون ريال إيراني، وهو أدنى مستوى تاريخي للعملة الإيرانية. وكانت العملة قد سجلت في نهاية نيسان مستوى قياسياً سابقاً قرب 1.8 مليون ريال للدولار، قبل أن تواصل خسائرها خلال الصيف.
ولا يمثل انهيار الريال مجرد رقماً في سوق الصرف، إذ تعتمد إيران على العملات الأجنبية لشراء معدات ومواد أولية وأدوية وقطع غيار وسلع مستوردة. وكلما احتاج المستورد إلى عدد أكبر من الريالات للحصول على الدولار، انعكس ذلك سريعاً على الأسعار داخل البلاد.
وهكذا تحولت أزمة العملة إلى واحدة من أهم المحركات للتضخم وتراجع القدرة الشرائية.
الطعام يرتفع أكثر من 128%
الأرقام الرسمية الإيرانية تكشف حجم الضغط على الأسر.
أظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم السنوي، أي متوسط ارتفاع الأسعار خلال 12 شهراً، بلغ نحو 66% في تموز 2026، بينما أصبحت الأسعار في ذلك الشهر أعلى بنحو 87.9% مقارنة بتموز 2025.
أما الغذاء والمشروبات فسجلا ارتفاعاً سنوياً بلغ نحو 128%.
وهذا يعني ببساطة أن سلة غذائية كان ثمنها 100 قبل عام أصبحت تكلف في المتوسط أكثر من 228.
ورصدت وكالة «أسوشييتد برس» ارتفاع سعر الأرز بنحو 60% منذ بداية الحرب في فبراير/شباط، بينما ارتفعت أسعار بعض أنواع اللحوم بأكثر من 150%.
لكن إيران لا تعيش حتى الآن سيناريو اختفاء شامل للسلع من الأسواق. المتاجر ما زالت تعمل والمواد الأساسية موجودة في معظمها. المشكلة الأكبر أصبحت في قدرة الإيرانيين على دفع ثمنها.
هل وصلت إيران إلى التضخم المفرط؟
رغم قسوة الأرقام، لا يزال استخدام مصطلح «التضخم المفرط» أو Hyperinflation غير دقيق بالمعنى الاقتصادي التقليدي.
التعريف الأكثر استخداماً للتضخم المفرط يفترض ارتفاع الأسعار بأكثر من 50% خلال شهر واحد، بينما بلغ التضخم الشهري الإيراني في يوليو/تموز نحو 3%.
لكن هذا لا يجعل الوضع طبيعياً. تضخم سنوي يبلغ 66%، وأسعار غذاء ترتفع أكثر من 128% خلال سنة، يعنيان تآكلاً سريعاً في المدخرات والرواتب والعقود والقوة الشرائية.
الاقتصاد يتجه إلى انكماش بأكثر من 6%
الأزمة ليست محصورة بالأسعار.
صندوق النقد الدولي توقع في تقريره الاقتصادي الصادر في أبريل/نيسان أن ينكمش الاقتصاد الإيراني الحقيقي بنحو 6.1% خلال 2026، بعد انكماش مقدر بنحو 1.5% في العام السابق.
والانكماش بنسبة تتجاوز 6% في اقتصاد كبير مثل إيران يعني تراجعاً في الإنتاج والاستثمار والدخل الحقيقي وفرص العمل.
لكن هناك تفصيل أكثر خطورة: توقع صندوق النقد بُني قبل اتضاح الحجم الكامل للأضرار الاقتصادية التي استمرت خلال الصيف. ولذلك قد لا يكون رقم 6.1% بالضرورة أسوأ سيناريو ممكن إذا استمرت الحرب والعقوبات وتعطل التجارة.
النفط.. الشريان الذي يتعرض للاختناق
تبقى صادرات النفط العامل الأكثر حساسية بالنسبة إلى قدرة الدولة الإيرانية على الصمود.
كانت الصين خلال السنوات الماضية أكبر مشترٍ للنفط الإيراني بفارق كبير، وكانت تستحوذ على أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون بحراً.
لكن الإجراءات الأميركية والحصار على صادرات إيران أديا إلى تراجع حاد في الكميات المتجهة إلى الصين.
زبلغت الشحنات الإيرانية إلى الصين نحو 1.58 مليون برميل يومياً في ذروة هذا العام، ثم انخفضت إلى نحو 823 ألف برميل يومياً في يوليو/تموز، قبل أن تهبط إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب.
أي أن الصادرات تراجعت بنحو الثلثين تقريباً مقارنة بذروة العام.
وهذه ربما أخطر نقطة في الأزمة كلها.
فهبوط العملة والتضخم يؤذيان المواطن، لكن استمرار تراجع النفط يضرب قدرة الدولة نفسها على الحصول على العملة الصعبة وتمويل الواردات والإنفاق العام.
ومع ذلك، لا تزال إيران تبيع أكثر من نصف مليون برميل يومياً، ولا تزال الصين تشتري النفط الإيراني عبر شبكة معقدة من المصافي المستقلة والوسطاء والشحنات التي يعاد تسجيل منشئها وتسويات مالية تتم باليوان.
ضربة أخرى داخل قطاع الطاقة
لم تتضرر إيران فقط في قدرتها على بيع النفط، بل تعرض إنتاج الطاقة داخل البلاد نفسه لضربة كبيرة.
وقال مسؤول إيراني في يوليو/تموز إن الهجمات على منشآت الطاقة منذ بداية الحرب خفضت إنتاج الغاز الإيراني بنحو 230 مليون متر مكعب يومياً، من مستوى سابق يقارب 650 مليون متر مكعب يومياً، أي أن البلاد فقدت مؤقتاً قدرة إنتاجية تعادل أكثر من ثلث إنتاجها السابق.
وتفاقمت نتيجة ذلك أزمة الكهرباء في الصيف، مع انقطاعات دورية أثرت في المنازل والمصانع، فيما تحاول الحكومة إعادة نحو 100 مليون متر مكعب يومياً من القدرة المفقودة خلال الأشهر المقبلة.
وهذه نقطة مهمة لأن الاقتصاد لا يتضرر فقط من العقوبات الخارجية، بل من تراجع قدرته الداخلية على إنتاج الطاقة التي تحتاجها المصانع والبتروكيماويات والخدمات.
المصارف.. أزمة عميقة
القطاع المصرفي الإيراني يمثل نقطة ضعف أخرى.
بيانات البنك المركزي أظهرت أن متوسط نسبة كفاية رأس المال في القطاع المصرفي بلغ نحو 3.92%، بينما يبلغ الحد التنظيمي المطلوب 8%.
ومن بين 18 مصرفاً شملتهم البيانات، تجاوزت ثمانية مصارف الحد المطلوب، بينما بقيت ستة تحته وسجلت أربعة مصارف نسباً سلبية.
وهذه أرقام تكشف ضعفاً حقيقياً، لكنها لا تعني أن كل النظام المصرفي ينهار في اللحظة نفسها.
فمصارف مثل «ملت» لا تبدو على وشك الإفلاس، بل سجلت كفاية رأس مال تقارب 13% وحققت أرباحاً اسمية مرتفعة، في حين تبقى مصارف أخرى مثل «سرماية» و«دي» و«إيران زمين» في أوضاع أكثر هشاشة.
أما بنك «آينده»، الذي يجري تداول قصته مجدداً على مواقع التواصل، فقد تمت تصفيته وإعادة هيكلته بالفعل في 2025، وليس في الشهر الحالي.
لذلك يمكن القول إن النظام المصرفي يحمل نقاط ضعف هيكلية خطيرة قد تصبح أكثر كلفة في ظل التضخم والحرب وتراجع الريال.
إذا كانت الأزمة بهذا الحجم.. لماذا لم تنهَر إيران بعد؟
هناك عدة أسباب:
أولها أن إيران ما زالت تبيع النفط وتحصل على إيرادات خارجية، ولو بكميات أقل.
ثانيها أن الصين لم تنضم إلى العقوبات الأميركية، بل ترفض العقوبات الأحادية وتبقي قنوات تجارية ونفطية مفتوحة مع طهران.
ثالثها أن الاقتصاد الإيراني راكم خلال عقود العقوبات شبكة واسعة للالتفاف عليها، تشمل شركات وسيطة وسفناً ومكاتب صرافة وتسويات باليوان ومقايضة وشبكات مالية غير تقليدية.
رابعها لا تزال مؤسسات الدولة تعمل: الرواتب تُدفع، المصارف مفتوحة، المتاجر تعمل، السلع موجودة، والدولة ما زالت تدير منظومة الدعم والطاقة والاستيراد.
هذه ليست علامات اقتصاد سليم، لكنها أيضاً ليست علامات دولة توقفت مالياً عن العمل.
ماذا تريد واشنطن الآن؟
الخطر الأكبر على إيران قد لا يكون ما حدث حتى الآن، بل المرحلة المقبلة.
أعلنت إدارة ترامب أنها تستعد لتوسيع العقوبات الثانوية على الدول والمصارف والشركات التي تواصل التعامل مع طهران، فيما وصف وزير الخزانة الأميركي الإجراءات المقبلة بأنها ستكون من «أقسى العقوبات في التاريخ».
المعادلة التي تريد واشنطن فرضها بسيطة:
إما التعامل مع إيران، أو الاحتفاظ بالوصول إلى النظام المالي والأسواق الأميركية.
لكن نجاح الخطة سيتوقف بصورة أساسية على الصين.
فمعاقبة مصرف أو شركة صغيرة تتعامل مع إيران أمر، والدخول في مواجهة اقتصادية مفتوحة مع مؤسسات صينية كبرى أمر آخر.ولهذا تبقى بكين حتى الآن أكبر حاجز أمام نجاح استراتيجية «الخنق الكامل» التي تريدها واشنطن.
إذاً.. هل إيران تنهار؟
الإجابة تعتمد على معنى كلمة «انهيار».
إذا كان المقصود انهيار العملة والقدرة الشرائية، فإيران تعيش بالفعل أزمة شديدة جداً
إذا كان المقصود فقدان الاستقرار السعري، فالتضخم الحالي يمثل حالة استثنائية وخطرة
إذا كان المقصود تقلص قدرة الدولة على تحصيل العملة الصعبة، فإن الهبوط الكبير في صادرات النفط يمثل إنذاراً شديد الخطورة.
الأدق اقتصادياً أن إيران انتقلت من اقتصاد يعاني العقوبات المزمنة إلى أزمة متعددة الجبهات: حرب، عملة، تضخم، نفط، طاقة ومصارف في وقت واحد.
والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الاقتصاد الإيراني في أزمة، فهذا بات واضحاً بالأرقام.
السؤال هو: كم يستطيع النظام الاستمرار إذا انخفضت صادرات النفط أكثر، وأُغلقت قنوات الوصول إلى العملة الصعبة، واستمرت أسعار الغذاء في الارتفاع بهذه السرعة؟
إذا نجحت الصين وشبكات التجارة الموازية في إبقاء جزء كبير من الإيرادات مفتوحاً، قد تستمر إيران في الصمود تحت ضغط اقتصادي هائل.
أما إذا تمكنت واشنطن من خفض صادرات النفط الإيرانية بصورة أكبر وضرب شبكات الدفع والوسطاء في الوقت نفسه، فقد تنتقل الأزمة من مرحلة «الضغط الشديد» إلى أزمة مالية ونقدية أوسع، وعندها تصبح كلمة «الانهيار» أقرب إلى توصيف اقتصادي فعلي منها إلى شعار سياسي.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|