محليات

الرئيس الروحي للموحّدين الدروز الشيخ أمين الصايغ يكشف "الحقائق المرّة"

Please Try Again

ads




مما عهدناه من الرؤساء والمرجعيات الروحيّة العليا لطائفة الدروز أنّهم نادراً ما يقرّرون الحديث عن شؤون الطائفة الدرزيّة في الإعلام، بل يعالجون القضايا والأزمات بصمت وأناة في المجالس المغلقة. غير أنّ تواتر الانقسامات الدينيّة وظهورها إلى العلن في الآونة الأخيرة، دفع الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدّروز الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ لتوضيح الحقائق المستورة عن هذه الانقسامات والأزمات وجذورها المنسيّة في مقابلة نادرة وحصريّة لـ»نداء الوطن» تحدث فيها عن شؤون الطائفة بمرجعياتها الروحية والسياسية.

 

 

 

حضرة الشيخ، لم يعد خافياً على أحد أنّ هناك أزمة داخليّة معقّدة في طائفة الدّروز. ظهرت الأزمة تلك لأوّل مرّة مع تعيين الدكتور سامي أبي المنى شيخ عقل في أيلول من العام 2021. ما سببها الحقيقي وهل هي أزمة مستجدّة أم قديمة؟

- نعم، هناك أزمة، ولم نكن نرغب إطلاقاً أن تظهر إلى العلن؛ إنّما دُفعنا إلى ذلك بحكم الضرورة. الأزمة قديمة، بدأت بوفاة الشيخ محمّد أبو شقرا في العام 1991، حين حالت التدخّلات السياسيّة آنذاك دون السماح لكبار المشايخ الأعيان، الشيخ أبو حسن عارف حلاوي (توفي 2003) والشيخ أبو محمّد جواد وليّ الدين (توفي 2012) والشيخ أبو ريدان يوسف شهيب (توفي 1997) والشيخ أبو محمّد صالح العنداري (1992) (*1)، بإيصال شخص يتوافقون عليه إلى منصب شيخ العقل. كان القاضي الشيخ نعيم حسن وقتذاك الخيار الأكثر ترجيحاً لدى المشايخ الأعيان، إذ كانوا يتوسّمون فيه الخير كونه حفيد سيدنا الشيخ أبو سعيد حمود حسن (*2). أبلغَ المشايخُ الأعيان الأربعة المذكورون وليد بك جنبلاط منذ اليوم الأوّل رفضهم السماح لبهجت غيث بمباشرة شؤون مشيخة العقل بصفة قائمقام، وأخطروا وليد بك عبر وسطاء بأنّهم يربطون حضورهم مأتم الشيخ محمد أبو شقرا بتعهّده لهم بعدم السماح بحدوث أمر كهذا، فرفض وأجاب الوسطاء بطريقة غير لائقة. للأسف، لم يبلغ الوسطاء المشايخ الأربعة جوابه هذا إلّا بعد انتهاء المأتم، فحضروه جميعاً. ولكن، عاد المشايخ فأبلغوا وليد بك بعدها رفضهم الشديد تثبيت غيث رسميّاً بمنصب شيخ عقل.

ومع ذلك، استطاع أن يباشر أمور مشيخة العقل بغطاء سياسيّ من وليد بك جنبلاط. وتسبّب دخول الزّعامة السياسيّة طرفاً مقرّراً بتسمية شيخ العقل بأزمة داخلية امتدت خمسة عشر عاماً؛ أرهقت الهيئة الدينيّة والطائفة وطالت شظاياها الزعماء السياسيّين أنفسهم. تأمّلنا خيراً في العام 2006؛ إذ طمأن وليد بك المرحوم سيدنا الشيخ أبو محمّد جواد وليّ الدين بأنّ المشايخ هم من سيختارون اسم شيخ العقل حتى لو لم يذكر ذلك في القانون؛ كما كتب لي أحد موفديه تعهّداً خطيّاً يعد فيه بالأمر نفسه. فلمّا أُقِرَّ القانون، لم يتحقّق إيّ من تلك الوعود، وقرّر وليد بك تعيين القاضي نعيم حسن شيح عقل. عندها، جرى الاتفاق مع سيدنا الشيخ أبو محمّد جواد على عدم الموافقة على تفرّد السياسيّين بتعيين شيخ العقل، وأن لا تتّم المباركة للشيح نعيم حسن أو أي شيخ آخر يأتي في المستقبل تعييناً من قبل السياسيّين؛ وهذا ما حصل.

الأمير عادل أرسلان

 

تعيين الشيخ نعيم حسن


ذكرت حضرتك أن الشيخ نعيم حسن كان خيار المشايخ الأكثر ترجيحاً في العام1991؛ وكنت قد سمعت الأمر نفسه من الراحل الشيخ أبو محمّد جواد وليّ الدين في مقابلات سابقة معه، ما المشكلة إذاً في تعيينه شيخ العقل في العام 2006؟

- المشكلة ليست بالأشخاص، الإعتراض كان وما زال على حرمان المشايخ من حقّهم المقدّس باختيار ممثّلهم، شيخ العقل، كما جرت العادة منذ القِدم وحتى العام 1991. أتمنى عليك قراءة بيان كمال بك جنبلاط وتصريح الأمير عادل أرسلان يوم انتخاب الشيخ محمّد أبو شقرا شيخ العقل في العام 1949. فقد أعلن الزعيمان الكبيران للملأ أنّ اختيار شيخ العقل يعود للمشايخ وحدهم، وتمنّيا عليهم اختيار الأصلح والأنسب. وأدعو أهلي الدروز بمحبة وحرص أخويّ إلى أن ينصفوا أنفسهم ويتأملوا نتائج تدخّل السياسة بمشيخة العقل – ماذا استفادت الطائفة منها؟ عدنا إلى الانقسام والتشنّجات والعداوات. أين الصالح بكل ذلك – أليس بالاتحاد قوّة؟ كما أنّ انقسام مشيخة العقل على أسس سياسيّة أفرغ هذا المنصب من مضمونه، فما الفرق بين أيّ منصب حزبيّ لدى الحزبَيْن (الإشتراكي والديمقراطي) وغيرهما وبين مشيخة العقل الآن!

لفتني قولك إنّ شيخ العقل هو ممثّل المشايخ. فقد صرّح وليد بك جنبلاط في أكثر من مناسبة أنّ شيخ العقل منصب سياسيّ؛ ولهذا يعتبر أن أمر تعيينه يعود إلى السياسيّين. من الواضح، أنّ ثمّة اختلافاً بتعريف مشيخة العقل ووظائفها بين حضرتكم والمرجعيّات الروحيّة السابقة من جهة، وبين وليد بك والأمير طلال أرسلان وزعماء الطائفة الآخرين وبعض فاعليّات الدّروز الإجتماعيّة من جهة أخرى. ولا استغرب أمراً كهذا، فقد نزعت القوانين المتعاقبة منذ ستينات القرن الماضي (وهي جميعاً من إعداد السياسيّين الدروز) من شيخي العقل سابقاً، وشيخ العقل أخيراً، الوظائف التقليديّة التي كانت منوطة بالمنصب قديماً، ولم يصَغ تعريف جديد لمنصب شيخ العقل تتّفق عليه قيادات الطائفة الروحيّة والزمنيّة. فهل لك أن تتفضّل بتوضيح نظرة المشايخ إلى منصب شيخ العقل؟

- أعتقد أنّه من البديهي اليوم تعريف شيخ العقل بأنّه ممثّل الهيئة الدينيّة ومرجعيّاتها العليا في مجتمع الدّروز أوّلاً ولدى السلطات الرسميّة وشركائنا في الوطن ولدى الخارج ثانياً. ولشيخ العقل في وقتنا وظائف عديدة، ولعلّ من المفيد أن تكتُبَ مقالاً عنها لكونك ملّماً بتاريخ المنصب تستند فيه إلى تراث السلف من المشايخ الثقات وهو ما شدّد عليه كمال بك جنبلاط في مقدّمة كتاب سامي مكارم «أضواء على مسلك التوحيد» (ص 18)، حيث قال إنّ «كل إصلاح حقيقي في هذا الباب، يكون في العودة إلى نظام السلف الصالح والمشايخ السابقين، «ولا إكراه في الدين» (البقرة: 2/256)، والتنظيم الطقسي إلزام لا مبرّر له بحدّ ذاته».

اليوم، يتطلّع المشايخ الى أن يتولّى شيخ عقل، وذلك بالوكالة عن المرجعيّات الروحيّة العليا وتحت وصايتهم وإشرافهم، رعاية شؤون الطائفة الروحيّة ومصالحها الدينيّة والاجتماعيّة في مختلف مناطق الجمهوريّة اللبنانيّة وفي بلاد الاغتراب. كما نرغب بشيخ عقل يقف ثابتاً في تراث السلف الصالح من مشايخنا الثّقات مُدركاً حقائقه مُتّحداً بطيب أنفاسهم وجميل مسالكهم، ينطلق من واحة الخير هذه ليلبي حاجة مجتمع الدروز إلى توضيح معالم هويّتهم الدينيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والفكريّة الأصيلة؛ وهي هويّة شريفة ثابتة كانت مركز قوتهم وصمودهم عبر العصور، وإرشادهم إلى سبل الحفاظ عليها في عالمنا المعاصر المتدحرج بسرعة وإصرار وحزم بعيداً عن جوهر الإنسانيّة وفكرها السامي وأخلاقها الراقية. نريد شيخ عقل قادراً أن يساعد المرجعيّات الروحيّة العليا في إحياء المؤسسات الدينيّة الإرشاديّة وضبطها على نظام الخير والعدل وتفعيل دورها التنويري في مجتمعنا المعروفيّ؛ فيتحقّق مراد الباري تعالى في قوله: «وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (آل عمران: 3/104).

بالطبع، لشيخ العقل دور سياسي أيضاً؛ لكنّ دوراً كهذا يجب أن يكون امتداداً لدور المرجعيّات الدينيّة العليا، أي الحفاظ على وحدة الطائفة والإلفة والتعاضد بين أبنائها والذّود عن كرامتهم جميعاً؛ وليس التعاطي بالشؤون السياسيّة اليوميّة التي هي من اختصاص الزعماء السياسيّين. فعندما يُصبح المنصب الدينيّ منصباً سياسيّاً، ويتحوّل أداةً لتحقيق أغراض السياسات الزمنيّة التي تخدم أشخاص أصحابها، أو مطيّةً لاكتساب سلطة تسخّر الناس لمصالح فئوية، يفقد مبرّر وجوده، أي الخدمة العامة، ويصبح خطراً على المجتمعات التي وجد هذا المنصب في الأصل لخدمتها؛ وهذا ما لا نرضى به. لذلك كلّه، يجب توحيد مشيخة العقل وإبعادها عن التدخّلات السياسيّة، وأن يبقى اختيار اسم شيخ العقل بيد المشايخ، كي يكون شخص شيخ العقل بالفعل عنصر جمع لا تقسيم، وجناح إلفة لا يد تفريق. والحديث في هذا الباب يطول.

الشيخ أبو حسن عارف حلاوي

توحيد مشيخة العقل

هل كان لحضرتك أي مبادرة لتوحيد مشيخة العقل بعد انقسامها مجدّداً في العام 2006؟


- نعم، ولم نشأ الحديث عنها قبل اليوم. كنت قد أرسلت في العام 2007، أي بعد مرور سنة على عودة الإنقسام، إلى الشيخ نصر الدين الغريب (*3) أطلب منه التخلّي عن لقبه حرصاً عليه أولاً وعلى وحدة الطائفة وإعزازاً للدين وأهله ثانياً. طلبت منه ذلك بمحبة واحترام من دون الشيخ نعيم حسن كون الشيخ نعيم عيّن بموجب قانون، ويحظى باعتراف رسمي وقانوني من الجمهورية اللبنانيّة. كذلك، سبق أن اختارت المرجعيّات الدينيّة العليا الشيخ نعيم ليكون شيخ العقل، وهو ما لم يحدث معه. وكان أملي به أن يستجيب، ولكنّ للأسف لم يفعل. وأكرّر دعوتي له اليوم، حبذا لو يتّرفع عن هذا اللّقب فيكسب ما هو أسمى منه وأبقى.

معظم هذه الأحداث بقيت طيّ الكتمان لسنوات؛ ماذا حدث في العام 2021 كي تظهر أزمة مشيخة العقل إلى العلن، خصوصاً بتصريحكم الشهير بعد أيام من تعيين الدكتور سامي أبي المنى شيخ عقل والذي ختمته بعبارة صادمة، قائلاً: «لا يحلّ لكم ما انتهكتموه تحت قانون المنتصر المتغلّب! لا يحلّ لكم! لا يحلّ لكم! لا بدّ من عودة الحقّ المقدّس إلى أهله»؟

- لم نخبر أهلنا وإخواننا في الطائفة بها وبغيرها لعظيم رجائنا بما عهدنا سابقاً وسمعنا من قيادات الطائفة الروحيّة والسياسيّة والاجتماعيّة من حرص ورغبة بصون وحدة الطائفة وسلامة مجتمعها ومصالحها. فتأملنا أنّ ذلك سيحرّكهم سريعاً (محرّكات أهل الفضل) لإيجاد حلول مُنصفة تحفظ الحقوق والكرامات، وتعيد وحدة الطائفة، فتطمئنّ القلوب وتهدأ النفوس وتعمّ الإلفة. كان لدينا أمل شديد بعدما سمعنا وعوداً متجدّدة من زعماء الطائفة عن تصحيح الأخطاء الماضية، والعمل على توحيد مشيخة العقل في العام 2021 بانتخاب شيخ عقل جامع تسمّيه المرجعيّات الدينيّة العليّا ويلقى استحساناً لدى زعمائها السياسيّين.

وقد بعثت في أيار من العام 2021، أي قبل شهور من موعد انتخاب شيخ عقل جديد، برسالة مكتوبة إلى وليد بك جنبلاط أطلب منه العمل على إنهاء الانقسام الحاصل في مشيخة العقل لما ألحقه من ضرر شديد بالطائفة وأبنائها. وقتذاك، وعدنا خيراً منه، فاستتبعت رسالتي هذه بخطوات عمليّة، وأرسلت وفداً للتشاور مع الأمير طلال أرسلان في الموضوع نفسه وكان لقاءً إيجابياً. ثمّ أرسلت إلى وليد بك جنبلاط لائحة أولى بأسماء أربعة من رجال الدين نعهد فيهم الصلاح ونأمل فيهم الخير تمّ الاتفاق عليهم بالتشاور مع الشيخ أبو صالح محمّد العنداري وموافقته، كما راعينا فيها هواجس الأمير طلال حسب طلبه، فتمّ رفضها من وليد بك لأسباب غير مقنعة.

ثمّ أوفد وليد بك رسولاً لهذا الغرض، فقلت له إذا كان لديكم اسمٌ تُريحوننا، وتكرّر السؤال ثلاث مرّات؛ وجاء جواب رسول دائم: «لا»؛ فأرسلت معه لائحة أخرى تحتوي اسمين آخرَيْن من رجال دين، فتمّ إهمالها أيضاً لأسباب مجهولة. عندها، أعدت التواصل والإستفسار عن مسار الأمور فلم ألقَ جواباً. ثمّ جاء الجواب بزيارة من الشيخ سامي أبي المنى بعد تقديم طلب ترشيحه بثلاثة أيام، أبلغني فيها بأنّ وليد بك جنبلاط اختاره ليصبح شيخ عقل وطلب منه تقديم طلب ترشيحه. أبْلَغت الدكتور أبو المنى بأنّي باق على عهد سيدنا الشيخ أبو محمّد جواد وليّ الدين بعدم الموافقة على تعيين شيخ العقل من قبل السياسيّين، وأنّي لن أرضى به أو بغيره شيخ عقل بهذه الوسيلة ولن أبارك له.

كان الأمل أن يتصرّف الدكتور أبي المنى بما يمليه عليه واجبه الدينيّ بالوقوف عند خاطر الشيخ الجليل الشيخ أبو محمّد جواد وتثبيت كلمته وأنّ لا يقبل ما عُرض عليه؛ لكنّه قدّم ترشيحه رسميًّا واستمر به ليصار تزكيته شيخ عقل لاحقًا، ما ثبَّتَ الانقسام وعمّقه. نقول ثانيةً، الاعتراض ليس على الأشخاص، بل على طريقة تعيينهم والاصرار على ازدواجية المشيخة. لذلك، قُلت ما قُلت وقتها شهادة صدق أمام الباري تعالى أنّ ما أُخذ من رجال الدين ظلماً وتعدّياً، وهو حقّهم باختيار ممثلّهم، لا يحلّ على من أخذه منهم بغير حقّ ولا على من قبله منه بغير حقّ؛ ومن يقبل بالحرام فقد تعدّى حدود الله، «وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (الطلاق: 65/1).

هل صحيح أنّ حضرتك لم تستقبل بَعْد شيخ العقل سامي أبى المنى منذ تعيينه في العام 2021؟

- نعم.

الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ



التضحية بمشيخة العقل؟

في مقابلة تعود إلى العام 2004 كنت قد أجريتها أثناء إعدادي لرسالة الماجستير عن مشيخة العقل مع أحد رجال الدين البارزين وقتذاك؛ قال لي إنّه سمع الشيخ أبو حسن عارف حلاوي يقول: «يمكن الإستغناء عن مشيخة العقل إذا كانت مصدراً للفرقة والانقسام في الطائفة»! حضرتك رافقت الشيخ حلاوي مدّة طويلة، ما رأيك بقول كهذا؟


- نعم، سمعت وآخرون غيري بالقول المذكور. ونعم، يمكن التضحيّة بمشيخة العقل وبغيرها فدية لوحدة الطائفة، على أن تكون وحدة قائمة على الاجتماع على الحقّ. ولكن، أسألك، وأسأل أهلي وإخواني الموحّدين، لماذا نقبل أن يُفرض علينا أن نختار إمّا أن لا يكون هناك شيخ عقل، أو أن تكون مشيخة عقل مقسّمة سياسيّاً تفرّق الدروز ولا توحدهم؟ وهل المشايخ هم من يفرّقون أبناء الطائفة بحرصهم على إبعاد مشيخة العقل عن الغرضية الحزبيّة ليتمكّن القائم بها من جمع شملهم؟ أقولها بكلّ أسى وألم، بلاؤنا ومصائبنا كانت ولم تزل من «العمائم المسخّرة».

نهار الجمعة الواقع فيه الثاني من كانون الأول من العام الماضي، أُلْبس الشيخ أبو فايز أمين مكارم من بلدة راس المتن عمامة مدوّرة. وأُرسل خبرٌ عبر تطبيق «الواتس آب» لكثير من الناس يبلّغهم أنّ ذلك تمّ «بخاطر الشيخ أبو صالح محمّد العنداري وحضوره» (*4). ثمّ ورد خبرٌ آخر في اليوم التالي يفيد بأنّ حضرتك استبدلت لبس العمامة المدوّرة الخاصة بك بالعمامة العاديّة التي يلبسها رجال الدّين الدّروز عامةً؛ ولم تعد إلى ارتدائها إلّا بعد مضيّ أسبوع كامل. وقد شرحت في بيانك وقتها أنّك اتخذت هذه الخطوة «على أثر المس بروحيّة هذا التاج. وأي شيء يصلح للحياة بعد نزع روحه»؟! بات كثير من الناس اليوم بحيرة من أمرهم تجاه ما حدث، فهم يرغبون بمعرفة الحقيقة، ولكنّهم يجدون صعوبة شديدة بذلك لكثرة ما سمعوا من أحاديث وتفسيرات متضاربة؛ فماذا حدث بالفعل؟

- أتفهّم حيرة الناس وكذلك رغبتهم بمعرفة الحقيقة. ويمكن شرح تفاصيل ما حدث، ولكن لا أظن أنّ الأمر يحتاج إلى مثل ذلك؛ فثمّة وقائع أساسيّة كفيلة ببيان الحقيقة لمن يرغب بسماعها. بدايةً، ليست المرّة الأولى التي يتمّ فيها خلال العقدين الماضيين إلباس شيخ عمامة مدوّرة بخلاف الأعراف الدينيّة الشريفة. فقد أُلبس المرحوم الشيخ أبو سليمان حسيب الصايغ في أواخر العام 2006، وقيل وقتها أنّ ذلك حصل بتكليف من المرحوم سيدنا الشيخ أبو محمّد جواد وليّ الدين. فلّما تحققّنا الأمر من حضرته، جزم لنا ولمن سأله أنّه لم يفوّض أحداً بمثل هذا الأمر.

الشيخ أبو سليمان حسيب الصايغ صاحب فضل، ولكن للعمائم المدوّرة أصول يجب أن تُراعى، أهمّها أنّه لا يحقّ لمن لا يلبس العمامة إلباسها لغيره. تمّ احتواء الأمر على مضض احتراماً للشيخ أبو سليمان حسيب ومكانته الدينيّة من جهة، ومنعاً لزرع بذور الشقاق من جهة أخرى؛ فلم نطلب منه التوقف عن لبسها، بل اقتصر الأمر على عدم المباركة له بها كي لا تُشرَّع. ومع ذلك، قام الشيخ أبو سليمان حسيب الصايغ في مطلع العام 2015 بإلباس الشيخ أبو سليمان حسيب الحلبي العمامة المدوّرة من دون علمي وموافقتي. فاتخذت وقتذاك موقفاً حازماً على أمل وقف هذا المسار الضارّ بالعمامة المدوّرة وتراثها الشريف.

فبادر عدد من مشايخ المناطق لاحتواء الأمر وكان على رأسهم الشيخ أبو صالح محمّد العنداري؛ فجرى التعهّد، وبحضور شهود، بعدم تكرار هكذا أمر بالمستقبل وبعدم إلباس أي شيخ عمامة مدوّرة إلّا بموافقتي. وما حدث في مطلع الشهر الماضي لم يكن بموافقتي، إذ تمّ تكليف رسولٍ من رجال الدين بإبلاغي قرار نُسب إلى الشيخ أبو صالح محمّد العنداري بإلباس الشيخ مكارم عمامة مدوّرة وسؤالهم لي إذا كنت أوافق على خطوة كهذه أم لا.

فلّما بلّغنا الرسول جوابنا تمنّعوا عن ردّ عليه لسماع إجابتنا، وقاموا بأمر يخالف إرادتنا؛ وبالتالي يخالف تعهّد المشايخ في العام 2015. وبعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على ذلك (*5)، قام الشيخ أبو علي سليمان أبو ذياب بمبادرة من ذاته مشكوراً بزيارتي برفقة الشيخ أبو صالح محمّد العنداري في محاولة للوصول إلى حلّ؛ فسألت الشيخ أبو صالح محمّد ثلاث مرّات إذا قام هو بإلباس الشيخ مكارم العمامة فلم يُجب؛ بل اقتصر على طلب «براءة الذّمة» قبيل مغادرتهم؛ ولم تثمر الزيارة حلّاً. ولكن، هل هكذا تُلبّس العمائم المدوّرة؟ بالتأكيد لا. هل هكذا يُحترم تاج الدروز؟ كرامة العمامة المدوّرة من كرامة التوحيد التي تمثّل؛ أين فريضة الوفاء بالعهود – ألم نُأمر بها: «وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً» ( الإسراء: 17/34)، أين فريضة الصدق، ألم نؤمر بها: «وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (الزّمر: 39/33). فأي كرامة لشيء يخرج عن دائرة التوحيد؟ نحن لا نريد لهم إلّا الكرامة، كرامة التوحيد.

حضرة الشيخ، هل الشيخ أبو صالح محمّد العنداري من لابسي العمامة المدوّرة، ويحقّ له تالياً إلباسها لغيره؟

- لا.

هل طلبتم من الشيخ مكارم التّخلي عن لبس العمامة المدوّرة؟

- لا، لم نطلب ذلك. كان يجب عليه بدايةً أن لا يقبل بها؛ وخيرٌ له الآن أن يعود إلى الحقّ فيتوقّف من ذاته عن لبسها؛ نحن لن نبارك له بها.

الشيخ محمّد أبو شقرا وكمال بك جنبلاط



حلقة جديدة من حلقات الأزمات

أعذرني حضرة الشيخ على سؤالي هذا، ولكن، كيف تحوّل الحدث المذكور إلى حلقة جديدة من حلقات أزمة مشيخة العقل؟


- سؤال منطقي، ويؤلمني جدّاً الحديث عن هذه الأمور، ولكن باتت نتائج الصمت أكثر إيلاماً لما نراه من حيرة الناس وضياع الحقوق وتجرّؤ البعض على البهتان. الجواب هو زيارة شيخ العقل سامي أبي المنى لتهنئة الشيخ مكارم بالعمامة وما تبعه من حشد له ذكّر الناس بما حدث بعد تعيينه هو شيخ عقل في العام 2021. كيف يدعون إلى الوحدة، ويدخلون الأغراض السياسيّة في كلّ شيء؟ أقول لإخواني الموحدين: العاقل لا يكتفي بسماع الأقوال الجميلة بل يمحّص الأفعال؛ رجائي بكم أن تمحّصوا الأفعال. من جهة أخرى، ليس لشيخ عقل أن يتدخّل بأمر المرجعيّات الدينيّة عامةً، ولا بأمر العمائم المدوّرة خاصةً؛ وقد حَسَمَ السلف الصالح من مشايخنا الأعيان الأمر في العام 1988 عندما اعترض شيح العقل وقتذاك، الشيخ محمّد أبو شقرا، على عدم إعلام سيدنا الشيخ أبو حسن عارف حلاوي له بقرار إلباس المشايخ الثلاثة عمائم مدوّرة واستشارته بها؛ فكان ردّهم جامعاً وحازماً أنّ لا شأن له بأمر كهذا، وطولب دينيّاً بسبب اعتراضه. ثمّ هل باتت أعداد المهنئين اليوم معياراً للحقّ؟ لا، ولن تكون؛ الحقّ يبقى حقّاً ولو لم يقف معه أحد، والباطل يبقى باطلاً ولو وقفت معه الناس كافةً.

تحدّثت في بيانك الذي شرحت فيه حيثيّات قرارك بالعودة إلى لبس العمامة العاديّة لأسبوع عن غياب الشفافيّة في إدارة الأوقاف. يسمع الناس كثيراً عن الأوقاف ومشاكلها، ويُدفعون إلى أخذ مواقف مع طرف دون آخر، غالباً عن غير معرفة بحقيقة الأمر. في الواقع، يرغب كثير منهم بسماع قولكم بالأوقاف وإدارتها، ولماذا تعتبرونها شأناً دينيّاً.

- غالب الأوقاف القديمة هي أوقاف دينيّة أنشئت لرعاية مجالس الذكر وخلوات المشايخ؛ وينص شرط مُنشئيها على أن تكون تحت وصاية أعيانهم، «وشرط الواقف كنص الشارع» يجب تطبيقه كما هو. وتشكّل الأوقاف الدينيّة قسماً كبيراً من أوقاف الدّروز؛ لذلك، للمشايخ حقّ دينيّ وقانوني بالإشراف عليها، وهو ما لم يُحترم بموجب القانون الجديد، ولا بالإجراءات والممارسات العمليّة المنبثقة منه. ينطبق على الأوقاف الدينيّة ما ينطبق على مشيخة العقل، ليس من يطالب بعودة الحقوق لأصحابها وحفظها لهم هو من يفتعل الخلاف ويدفع إلى الانقسام؛ لم يكن احقاق العدل يوماً سبباً لأي من ذلك؛ بل منع الحقوق هو السبب. وفي أزمة اقتصاديّة شديدة كالتي نمرّ فيها، ندعو لنجدة الناس والتعاضد، ولموارد الأوقاف دور أساسي بذلك. لذلك، يجب إعادة النظر بمقدّرات الطائفة من الأوقاف الدرزيّة التي بين أيديهم.

ولكن، هل يمكن حضرة الشيخ فصل قضيّة الأوقاف عن مسألة القضاء المذهبي؟ تاريخيّاً، هناك تلازم بين المسألتين. كذلك، أيّ باحث مطّلع على تاريخ تنظيم الدروز الديني يرى بتعيين قاضي مذهب من غير رجال الدين مفارقة غريبة. كما يرى أيضاً التركيز على شهادة الحقوق شرطاً أساسيّاً لأهليّة المرشح للمنصب اختزالاً لمعنى القضاء المذهبي ووظائفه. هل ترى حضرتك أنّ القضاء المذهبي يحتاج أيضاً إلى إعادة ترتيب بحيث يعود إلى دوره الأساسيّ وهو الحكم في قضايا الأحوال الشخصيّة وفق تقاليد الدروز المذهبيّة وأعرافهم؛ وأنّ أمراً كهذا يتطلّب أن يُعيّن قضاة يشهد لهم أعيان المشايخ بالنزاهة والإستقامة والمعرفة الصحيحة بالتقاليد والأعراف المذهبيّة؟ باختصار، هل ترى أن تعيين قضاة مذهب هو أيضاً من ضمن الحقوق التي يجب أن تُعاد لأصحابها من أعيان مشايخ الدين الدّروز؟

- بالتأكيد. مشيخة العقل والقضاء المذهبي مسألتان متلازمتان ويجب إبقاء الاثنين بعيداً عن تأثير السياسيّين لحفظ وظائفهما الإجتماعيّة والدينيّة سليمةً، وذلك لصالح الدروز كافةً. يسمح ذلك للقضاة بإحقاق العدل بين أبناء الطائفة في أمور الزواج والطلاق والميراث وغيرها؛ وكلها أمور شديدة الأهميّة. وقد سعى السلف أسيادنا المشايخ الأعيان جاهدين لتحقيق ذلك، وسنكمل سعيهم بإذن الله. ولكن لا يجب أن نُطالب وحدنا بهذا، بل أدعو جميع أبناء الطائفة الحريصين على حفظ الحقوق وعلى أصالة الهويّة والإنتماء إلى تراثهم المعروفيّ الشريف مؤازرتنا بذلك، فهذه قضيتهم أيضاً.

العلاقة مع جنبلاط

حضرة الشيخ، لن أطيل عليكم أكثر؛ بل سأختم مقابلتي بأسئلة قصيرة يهمّ الدّروز وربما بقيّة اللبنانيّين سماع أجابتكم عليها. بدايةً، كيف تصف علاقتك بالزعيم وليد بك جنبلاط اليوم؟


- كنا ولم نزل نحفظ جانب الأدب مع زعماء الطائفة عموماً، ونُضمر لهم ولأبناء الطائفة نوايا الخير ونخاطبهم بطيب الأنفاس وحسن الألفاظ. لم نخطئ يوماً بحقّ أحد منهم لا بقول ولا بفعل، نحن والسلف لا نظلم ولا نفتري ولا نخون. والدار مفتوحة كما الفكر والقلب للإلتقاء معه ومع زعماء الطائفة وفاعليّاتها على حفظ كرامتها وكرامة أبنائها وتمكين وحدتهم. نريدهم أن يطمئنّوا، المرجعيّات الدينيّة شديدو الحرص دائماً على حفظ حقوقهم وكراماتهم؛ ولن نُعطي أيًّا كان يداً لأذيّة أحد منهم، إذ ليس ذلك من شيمنا. تاريخ الدّروز يشهد أنّ قوتهم نابعة من وحدتهم وتعاضدهم، وزعماء الطائفة يزدادون قوةً ومِنعةً بقوة الطائفة ووحدتها لا بتقسيمها وزرع بذور الفرقة والبغضاء بين أبنائها، لذلك أدعوهم الى أن «اعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ» (آل عمران: 3/103).

هل ترى حلًّا قريباً لهذه الأزمات؟

- «إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» (هود: 11/88)؛ علينا السعي بإخلاص ورويّة، أمّا التوفيق فمن عنده جلّ وعز. لا أرى بهذه الأزمات ما هو عصيّ على الحلّ متى صفت النوايا وارتضينا الحقّ والعدل حَكَمًا. لذلك، وبالرغم من كلّ ما حصل، سأسعى جاهدًا لإصلاح ذات البين ما استطعت، ومستعدّ للقاء وتوضيح الحقائق والواجبات، ولكن أشدّد ثانيةً، على أن لا توفيق ولا وحدة حقيقية إلّا بإعادة الحقوق لأصحابها؛ وفي المثل السائر: «من جهل شيء عاداه، ولكن بلغ ما عليك، فإنْ لم يقبلوا، فما عليك».

أخيراً، هل من رسالة ترغب بتوجيهها إلى اللبنانيّين؟

- أصابنا قول الشاعر التونسي منور صمادح: «شيئان في بلدي قد خيّبا أملي / الصدق في القول والإخلاص في العمل». المحن اختبار الإنسان؛ أدعوهم أن لا يتخلّوا عن وطنهم ولا عن دولتهم؛ بل يعملوا باستقامة وإخلاص، كلّ من مكانه وبقدر طاقته؛ وأن لا يستصغروا خيراً قليلاً فيزهدوا بفعله، فقطرة المطر الصغيرة لا تروي أرضاً، ولكن تواتر القطرات وكثرتها تروي؛ وهكذا الخير مهما صغر وقلّ، تواتره وكثرته تُنجد. والدروز منفتحون على التعايش مع الطوائف كافة على قاعدة احترام الخصوصيّات وحفظ الحقوق، وهم يحفظون الدّار والجار.

الهوامش

(1*)- كان جميع المشايخ الأربعة المذكورين متوّجين بالعمامة المدوّرة.

(2*)- من بلدة البنيه، وكان من تلاميذ المرجع الديني الكبير الشيخ أبو حسين محمود فرج (توفي 1953). توّجه الشيخ أبو محمّد جواد وليّ الدين بالعمامة المدوّرة في مأتمه في العام 2004 تحقيقاً لاتفاق سابق جرى بينه وبين الشيخ أبو حسن عارف حلاوي.

(3*)- من كفرمتى. في 24 أيلول من العام 2006، أعلنه مشايخ دروز رافضين للقانون الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني في العام نفسه برعاية من وليد جنبلاط شيخ عقل. وقد ألبس عباءة المشيخة في دار الأمير طلال أرسلان في خلدة وبحضور سياسيّين دروز معارضين لوليد بك جنبلاط وللقانون المذكور.

(4*)- من العباديّة، وهو ابن الشيخ أبو محمّد صالح العنداري، ويقطن في بعلشميه.

(5*)- حدثت الزيارة الإثنين في 26 كانون الأوّل من العام الماضي.

 

 

  ads




Please Try Again