محليات

السفير الأميركي يفتح خرائط النفوذ في لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في العرف الدبلوماسي، يزور السفراء المقار السياسية أو الدينية، يبتسمون أمام العدسات، ثم ينسحبون تاركين المضمون للبيانات المقتضبة. هذا ليس نهج السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى. فالرجل، خلال يومين متتاليين، لم يكتفِ بلقاء مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى، ثم شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز سامي أبي المنى، بل تحوّل من ضيف إلى متحدث يوزّع الرسائل يمينا ويسارا، من حارة حريك إلى المختارة، مرورا بكل النقاط الحساسة بينهما.

القراءة الأولى لهذا السلوك تكشف عن خيار واعٍ: اختيار منصتين "دينيتين" بالتحديد، لا سياسيتين، لتمرير خطاب سياسي بامتياز. فحين يتحدث عيسى عن سيادة لبنان واستقلاله أمام المفتي، وعن "العيش المشترك" بوصفه القاسم المشترك بين واشنطن ودار الفتوى، فهو يبعث رسالة طمأنة إلى بيئة كاملة قلقة من موقعها في أي تسوية مقبلة. وحين ينتقل بعدها إلى الشيخ أبي المنى، يفتح بابا آخر نحو البيئة الدرزية، في توقيت يسبق لقاءه مع وليد جنبلاط، وكأنه يمهّد الأرض قبل أن يطرق الباب السياسي مباشرة.


لكن اللافت أكثر هو ما قاله، لا فقط أين قاله. ففي ملف علي الطاهر، اختار عيسى الغموض المتعمّد: لا يعرف ماذا سيحصل، وينتظر مثل الجميع ما ستؤول إليه الأمور، مكتفيًا برفض تعبير "أيلول الأسود" من دون أن ينفي احتمالاته. هذه ليست إجابة دبلوماسية عابرة، بل تقنية "الهروب إلى الأمام" التي تُبقي الملف مفتوحا كأداة ضغط محتملة، من دون أن يتحمّل السفير مسؤولية التصريح بما قد يحصل فعلا. الأسلوب تكرر في حديثه عن المفاوضات: "مستمرة"، و"المناطق النموذجية تتقدّم"، عبارات فضفاضة تكفي لإيحاء بوجود حراك، من دون أي التزام بجدول زمني أو نتيجة ملموسة.

أما في ملف السلاح، فقد بدا السقف الأميركي أعلى من المعتاد حين قلب عيسى السؤال على مُحاوريه: لماذا يُطالَب الإسرائيلي بالانسحاب، ولا يُطالَب "حزب الله" بتسليم سلاحه؟ هذا التوازي، وإن بدا منطقيا شكليا، يحمل مضمونا سياسيا واضحا: تحميل الحزب لا إسرائيل مسؤولية تعطيل المسار التفاوضي، وربط استمرار "التعقيدات" بامتناعه عن اتخاذ خطوة لم يُقدم عليها بعد.

غير أن هذا الاندفاع لم يمر مرور الكرام على "المختارة". فالنائب السابق وليد جنبلاط، الذي بدا عيسى حريصا على التمهيد للقائه عبر البوابة الدرزية، سارع إلى رفض ما يسمى "الإطار الثلاثي" علنا، مقترحا العودة إلى اتفاقية الهدنة المستندة إلى الطائف والقرار 1701، في إشارة لاذعة إلى أن السفير، رغم "نشاطاته الثقافية والسياسية المتنوعة"، لم يقرأ جيدا الملاحظات التي سبق أن أبداها جنبلاط على تلك الورقة. هذا الرد يكشف أن الرسائل الأميركية، مهما تعددت منصاتها، لا تجد بالضرورة آذانًا مصغية موحّدة، وأن بعض المخاطَبين يفضّلون الرد العلني على الالتفاف الدبلوماسي.

من هذه الجولة، يمكن استخلاص أهداف عدة تحكم حراك عيسى: أولًا، كسر نمط الحياد الدبلوماسي الصامت لصالح حضور إعلامي دائم يبقي واشنطن حاضرة في التفاصيل اليومية للبنانيين. ثانيا، اختبار نبض المرجعيات الدينية بيئة بيئة، تمهيدا لأي تفاهمات سياسية لاحقة. ثالثًا، الإبقاء على أوراق ضغط مفتوحة، كملف علي الطاهر، من دون الالتزام بموقف نهائي يقيّد الحركة الأميركية لاحقا. ورابعا، تحويل عبء "الحل" تدريجيًا من الطرف الإسرائيلي إلى "حزب الله"، عبر خطاب يبدو متوازنا في الشكل، لكنه يخدم في مضمونه رواية واحدة تحديدا.

يبقى السؤال: هل هذا الحضور المكثف فعلا مؤشر تقدّم في المسار التفاوضي، أم مجرد إدارة انطباعات موزّعة على بيئات متعددة، تنتظر جميعها ما لم يقله السفير بعد؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا