الصحافة

مرفأ بيروت على طاولة "منظومة" واحدة بأقنعة كثيرة فهل يأتي الحلّ بإقالة المُدرِّب؟

Please Try Again

ads




لا صعب على سلطة تغتال لبنان يومياً، من شماله الى جنوبه، ومن بقاعه الى بيروته، مروراً بجبله، بانفلات مالي، واقتصادي، وأمني، وإداري، وتربوي، وثقافي، وبفساد شديد... أن تحوّل ضحيّة الى جلاد يستحقّ أقسى العقوبات، وذلك بإسم القانون، والقضاء، والعدالة بنسخاتها اللبنانية الشاذّة.

طاولة واحدة

فمن يشرب من نبع سرقة الناس اليومية، وزيادة فقرهم، وتحويلهم الى "شحّادين" بحكم الأمر الواقع، لن "يغصّ بساقية" التلاعب بملف الحقيقة والعدالة في ملف انفجار مرفأ بيروت، أو بتوقيف أفراد من عائلات الضحايا، ولا بتحويلهم الى "مارقين"، ينالون من هيبة دولة، ما عادت موجودة أصلاً.

ولكن بتقليص لبعض مساحات الغضب والحماسة في الحديث عن السلطة اللبنانية الفاسدة، وعن منظوماتها ومنظومات منظوماتها، نجد أن تلك المنظومة مقسومة الى قسمَيْن. قسم يحكم بوقاحة كاملة، وآخر يضع أقنعة الضمير، وانتقاد السلطة، والمطالبة بمحاسبتها. وهو القناع نفسه الذي يجلس مع الوقحين على طاولة واحدة، تنظّم حياة الناس بحسب الانهيار المًتَّفَق على استمراره وتمديده، من قِبَل الطرفَيْن.

العدالة؟

فأي عدالة يطلبها أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت؟ وأي حقيقة وعدالة يُطالب بها اللبنانيون، من أولئك الذين يجلسون قبل يوم مع وزراء ونواب... فريق يتّهمونه هم بعرقلة البلد علناً، لأن هذا الجلوس يلبّي مصالحهم جميعاً، فيما ينزلون الى الشارع في اليوم التالي لينتقدوا هذا الفريق، وسياساته وأعماله.

"مرطبان ضغط"

أشار مصدر سياسي الى أن "حالة الإنكار التي وصلنا إليها كبيرة، وهي من مستوى رفض الاعتراف بأن لبنان تحطّم بالكامل، وبأنه بات مرتعاً لمحاولات مستمرّة تقوم على تحوير انتباه شعبه عن حقيقة الأمور وعن الواقع، مرّة بوعود تتعلّق بـ "صندوق النّقد الدولي"، ومرّة بتغذية كهربائية محدّدة بساعات معيّنة، وذلك حتى لا نشعر بصعوبة الوضع، وبأن الخروج من الأزمة ليس قريباً. ويقع التعاطي مع ملف انفجار مرفأ بيروت ضمن هذا المربّع نفسه".

ولفت في حديث لوكالة "أخبار اليوم" الى أن "لا طرف سياسياً يمتلك خريطة طريق واضحة حول ما يُظهرون أنهم يعملون عليه، ومن أجله. فالتغييريون يفتقرون الى خطة، ومثلهم أحزاب المعارضة. فبعض نواب تلك الأحزاب يمارسون العمل السياسي تماماً كما لو كانوا محبوسين في "مرطبان ضغط"، أي انهم يُغدقون الوعود الكثيرة، ويتحدّثون عن النظريات الكبرى بصوت مرتفع، ولكن من دون الإنتاجيّة المُتناسِبَة مع هذا الصّراخ".

دور

وشدّد المصدر على أن "الطريقة الرسميّة المُعتَمَدَة لمعالجة تداعيات انفجار مرفأ بيروت ليست صحيحة، وهي تتسبّب بأخذ أهالي الضحايا هذا الملف على عاتقهم. فما كان ذلك ليحصل لو أن لدينا دولة حقيقية. فنحن نعيش في كنف سلطة تتحرّك بسبب تهديدات أطلقها شقيق ضحيّة مثلاً، وهي تعبّر عن "فَوْرَة غضب"، بينما تتجاهل أنها لا تعالج هذا الملف بالجديّة اللازمة. ونقول ذلك بمعزل عن رفضنا لمنطق التهديدات. ولكن المسألة أعمق من توقيف فلان أو فلان، ومن إخلاء سبيل هذا أو ذاك، إذ إننا أمام انفجار كبير كان بإمكانه التسبُّب بمقتل ما لا يقلّ عن ستّة آلاف شخص".

وأكد أن "مصير مرفأ بيروت مربوط بالاتّفاق على مرحلة ما بعد الحقيقة، وإعادة الإعمار، وإيجاد دور جديد لبيروت، وللبنان. فإعادة إعمار ألمانيا واليابان مثلاً، وغيرهما من الدول بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ بالاتّفاق على دور لها منذ ما قبل بَدْء عمليات إعادة الإعمار. فماذا عن دور مرفأ بيروت، والعاصمة، والبلد عموماً، في المستقبل؟".

ارتطام كبير

وأصرّ المصدر على "ضرورة الكشف عن مصير الأموال التي صُرِفَت في بيروت، في مرحلة ما بعد الانفجار، خصوصاً أن المبالغ التي أُنفِقَت كثيرة، وهي قادرة على تلبية حاجات إعادة الإعمار، بينما جولة بسيطة في العاصمة تُظهر آثار الكثير من الدمار حتى الساعة، ورغم كل ما أُنفِق".

وأضاف:"كان الدّور المُتَّفَق عليه للبنان في الماضي قائماً بشكل أساسي على مرفأ بيروت، وعلى أن يكون (لبنان) مصرف ومستشفى وجامعة الشرق. هذه كلّها انتهت، فماذا عن الدور الجديد؟ ومن يحدّثنا عنه، بعدما انقسم اللبنانيون بين من يدعمون أهالي ضحايا انفجار 4 آب 2020، وبين أولئك الذين يُساندون موقف أهالي الموقوفين والقوى السياسية التي تقف خلفهم، وبين من يطالبون بمزيد من التوقيفات لبعض المسؤولين، وذلك بدلاً من أن يكون الانقسام حول أي دور نريده لبيروت مستقبلاً؟ وماذا سنفعل بعد الانتهاء من إعادة الإعمار؟ فلو كنّا في دولة من الدول المُحترمة، لوجدنا أن خسارة الفريق الوطني لكرة القدم في مباراة مصيرية، تنتهي بمناقشة ما حصل، وأسبابه، وبوضع الخطط للمستقبل، والتي قد تكون إقالة المدرّب مثلاً، أو تمديد عقده لمدّة زمنية معيّنة وفق شروط محدّدة، وغيرها من الأمور. بينما يتمّ التعاطي مع دمار عاصمة البلد في لبنان وكأن شيئاً لم يحصل، ومن دون أي نقاش حول المستقبل".

وختم:"ماذا نريد للبنان؟ ومتى؟ هل نريده دولة أو لا؟ هل نكتفي به ساحة لصيرفة، وللأرباح التي تدرّها على البعض، وللانهيار المالي والاقتصادي؟ أو هل نصحو على غد أفضل، ونعمل من أجله؟ أسئلة كثيرة نحتاج الى معرفة أجوبة أكثر منها، في بلد لا قعر للارتطام الكبير الذي هو في قلبه، حتى الساعة".

أنطون الفتى - وكالة "أخبار اليوم"

  ads




Please Try Again