الصحافة

السويداء تهزّ دروز لبنان... ولكن إلى أين؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد أزمة السويداء شأناً سورياً بالنسبة إلى الدروز في لبنان. فالمجازر التي شهدتها المنطقة، والتوتر بين الشيخ حكمت الهجري والدولة السورية، ثم دخول إسرائيل على خط الأزمة، كلها عوامل بدأت تترك أثراً في البيئة الدرزية اللبنانية، وتحديداً في واحدة من أكثر المسلمات رسوخاً: قدرة وليد جنبلاط على الإمساك بالقرار السياسي الدرزي.

تاريخياً، لم تستطع الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين فصل الدروز عن بعضهم. فقد توزعت الجماعة بين هذه المناطق وحافظت على روابط دينية واجتماعية وعائلية وسياسية عابرة للحدود. لذا فإن ما يصيب دروز سوريا أو فلسطين يجد صداه في لبنان، سواء عبر التضامن أو القلق أو إعادة طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الجماعة وموقعها في محيطها.

من هنا شكلت السويداء اختباراً مختلفاً لجنبلاط. فالزعيم الدرزي اعتاد أن تتبعه غالبية طائفته في خياراته السياسية، بغض النظر عن الموقف من هذه الخيارات، وأن تتحول زعامته إلى مرجعية تحدد الاتجاه العام للطائفة في القضايا المصيرية.

لكن السويداء أدخلت عاملاً جديداً على المعادلة. فالمجازر وما رافقها من قتل وتهجير وانتهاكات ولّدت لدى فئة من الدروز في لبنان شعوراً بأن القضية باتت قضية أمن ووجود، وليست مجرد خلاف سياسي بين السلطة في دمشق وقيادة محلية. وسط هذا المناخ، ظهر تعاطف مع خطاب الشيخ الهجري لدى عدد من المشايخ في لبنان، في خط لم يكن موجوداً بهذه القوة سابقاً.

وزادت تأثير هذا الخط العلاقة التي تشكلت بين الهجري وشيخ العقل في إسرائيل الشيخ موفق طريف، وأنتجت ثنائية دينية وسياسية كان لها صدى داخل البيئة الدرزية. عدد من المشايخ اللبنانيين تأثر بهذا الخط، وبدأ بدوره العمل في الطائفة، فظهر اتجاه معارض للخط السياسي الذي يمثله جنبلاط.

لكن بيان دروز الجولان الأخير، الرافض مواقف الهجري والداعي إلى عدم سلخ الدروز عن هويتهم السورية والعربية، جاء ليعطي جنبلاط دفعاً سياسياً ومعنوياً. فالبيان أظهر أن الخلاف مع الهجري ليس بين جنبلاطيين و"هجريين"، ولا مواجهة بين لبنان وسوريا، بل إن داخل البيئة الدرزية نفسها أصواتاً ترفض تحويل مأساة السويداء إلى مشروع ارتباط بإسرائيل. وهو ما عزز موقف جنبلاط القائم على حماية الدروز من دون إخراجهم من محيطهم العربي.

خرق "هجري"
مع ذلك، فإن الخط الجديد أحدث خرقاً في البيئة اللبنانية. وتقر أوساط اشتراكية بأن بعض "الهجريين" نجحوا في اختراق القاعدة الاشتراكية، وأن تأثير خطابهم ظهر لدى بعض المشايخ والبيئات الدرزية. إلا أن هذا الخرق، حتى الآن، بقي تحت السيطرة ولم يتحول إلى بديل سياسي متكامل عن جنبلاط.

وهنا تكمن أهمية الموقف الجنبلاطي من سوريا. فهو يتمسك ببقاء الدروز جزءاً من الدولة السورية، ويرفض أن يتحول خوفهم المشروع إلى ذريعة للانفصال أو بوابة للحماية الإسرائيلية. ويدرك أن تحويل الدروز في سوريا إلى جماعة مرتبطة بإسرائيل سيترك تداعيات خطيرة على دروز لبنان، في بلد شديد الحساسية حيال المشاريع الطائفية والتقسيمية.

في المقابل، لا يستطيع جنبلاط تجاهل مشاعر الطائفة. فالدروز في لبنان يتأثرون بما يجري في السويداء كما تأثروا تاريخياً بما جرى في فلسطين والجولان وسوريا. وهذا التأثر ليس مجرد تضامن مذهبي، بل نتيجة تكوين تاريخي جعل حدود الدول أقل قدرة على الفصل بين ساحات الجماعة.

والسؤال اليوم: هل يستطيع الخط الهجري منافسة جنبلاط؟

المؤشرات الحالية تظهر أنه نجح في إحداث خرق، لكنه لم يؤثر جوهريا في الزعامة. فحين يتعلق الأمر بالوضع الداخلي اللبناني، حيث تتداخل التحالفات والمصالح والاستحقاقات، لا يزال جنبلاط الأكثر قدرة على جمع الطائفة. ولذلك تعتقد الأوساط الاشتراكية أن الدروز سيعودون إلى التحلق خلف جنبلاط، حتى لو اختلف قسم منهم معه في مقاربته للسويداء.

لكن مجرد ظهور هذا الخط يحمل دلالة تاريخية: الزعامة الجنبلاطية لم تعد محصنة تماماً أمام تأثير المرجعيات الدرزية العابرة للحدود.

والأخطر أن القضية تتجاوز السياسة إلى سؤال وجودي أعمق: كيف تحافظ جماعة صغيرة على خصوصيتها وأمنها داخل محيط عربي وإسلامي واسع، من دون أن يدفعها الخوف إلى طلب حماية خارجية؟

هنا يكمن الامتحان الحقيقي. فالسويداء قد تكون أحدثت أول شرخ جدي في احتكار جنبلاط للخطاب الدرزي، لكنها لم تسقط زعامته. ويبقى التحدي أن يتحول هذا الشرخ من تعاطف مع الهجري إلى خيار سياسي دائم داخل لبنان، وهو ما لم يحصل حتى الآن.

اسكندر خشاشو - النهار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا