الصحافة

ما تحت الطاولة أكبر بكثير… عون يقود معركة إنهاء الحرب

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب سعد شعنين : 

قد يكون المشهد السياسي اللبناني في هذه المرحلة شبيهاً ببحر هادئ فوق سطحه، فيما تجري تحته حركة واسعة لا تظهر تفاصيلها إلا من خلال النتائج التي بدأت تتسرب إلى العلن. فالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، التي تبدو في ظاهرها بطيئة ومحكومة بالكثير من الغموض، تبدو في الكواليس أكثر نشاطاً وتسارعاً مما يوحي به الخطاب السياسي والإعلامي، مع جولات مكوكية واتصالات متواصلة يقودها السفير ميشال عيسى، وبات واضحاً أن ما يجري خلف الطاولة أكبر بكثير مما يُقال فوقها.

ولعل أبرز الإشارات إلى ذلك جاءت من ملف الأسرى، مع تحرير عدد من المحتجزين اللبنانيين وإعادتهم إلى لبنان، في خطوة لا يمكن فصلها عن المسار التفاوضي القائم، خصوصاً أن ملف الأسرى يشكل واحداً من الملفات التي يجري العمل عليها في إطار أوسع يهدف إلى تثبيت التهدئة ومعالجة الملفات العالقة. فحين تبدأ نتائج التفاوض بالظهور على الأرض، ولو بشكل تدريجي، فهذا يعني أن شيئاً ما يتحرك في الغرف المغلقة، وأن الاتصالات لم تعد مجرد رسائل سياسية متبادلة.

لكن أهمية ما يجري لا تكمن فقط في إطلاق الأسرى، بل في الاتجاه الذي يمكن أن يأخذه هذا المسار. فلبنان أمام فرصة للخروج من الحلقة نفسها التي عاش فيها لعقود: مواجهة، حرب، دمار، خسائر بشرية، ثم العودة إلى التفاوض بعد أن يكون الثمن قد أصبح باهظاً. هذه المرة، يبدو أن الدولة اللبنانية تحاول قلب المعادلة، أي التفاوض أولاً لتجنب الحرب، بدلاً من خوض الحرب ثم التفاوض على وقفها.

وهنا تحديداً تبرز أهمية موقف الرئيس جوزاف عون، الذي أصر منذ البداية على أن مصلحة لبنان تقتضي وقف الحرب وحماية اللبنانيين ومنع المزيد من الدمار والخسائر البشرية، حتى لو كان طريق التفاوض شاقاً وطويلاً. وهذا الموقف، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة، يعكس قراءة واقعية لبلد لم يعد يحتمل مغامرة عسكرية جديدة ولا يستطيع أن يدفع مرة أخرى ثمن صراعات المنطقة.

واللافت أن هذا المسار يضع لبنان أمام معادلة جديدة أيضاً على مستوى الداخل. فكلما تقدمت الدولة في التفاوض، ونجحت في تحقيق نتائج ملموسة عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، تراجعت الحاجة إلى أن يكون السلاح هو الوسيلة الوحيدة للدفاع عن لبنان أو استعادة حقوقه. وهنا تصبح المفاوضات أكثر من مجرد تفاوض على الحدود أو الأسرى أو الانسحاب؛ تصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على استعادة دورها في قرار الحرب والسلم.

وهذا هو التغيير الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة. فنجاح الدولة في التفاوض لا يعني انتصار طرف سياسي على طرف آخر، ولا يعني تقديم تنازلات مجانية، بل يعني أن لبنان بدأ يستخدم أدوات الدولة التي يفترض أن يمتلكها منذ الأساس"الدبلوماسية، التفاوض، الوساطة الدولية، والقدرة على بناء تسويات تحمي مصالحه وتمنع عنه الحرب."

ولذلك، فإن ما يقوم به الرئيس عون يستحق الإشادة، لأنه اختار الطريق الذي قد يكون الأصعب سياسياً، لكنه الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين. فوقف الحرب ليس ضعفاً، ووقف نزيف الدم ليس تنازلاً، والتفاوض ليس استسلاماً. أحياناً تكون شجاعة القيادة في منع الحرب، لا في خوضها، وفي إنقاذ ما تبقى من بلد أنهكته الأزمات بدل دفعه إلى مواجهة جديدة لا يعرف أحد كيف تنتهي.

وإذا كانت المعطيات المتداولة عن حجم الاتصالات في الكواليس دقيقة، فإن ما ظهر حتى الآن قد لا يكون سوى مقدمة لما يجري فعلياً. وقد تكون جولات السفير عيسى والاتصالات المتواصلة والنتائج التي بدأت تظهر، وفي مقدمها تحرير الأسرى، إشارات إلى أن المسار يتحرك بوتيرة أسرع مما يعتقد كثيرون.

لذلك، ربما يكون من المبكر الحكم على النتيجة النهائية، لكن من الواضح أن شيئاً مهماً يتغير: لبنان يحاول للمرة الأولى منذ زمن أن ينتقل من موقع الساحة التي تُخاض عليها الحروب إلى موقع الدولة التي تفاوض لإنهائها.

وفي بلد دفع خلال عقود أثماناً هائلة من الدم والدمار والتهجير، لا يمكن أن يكون هناك هدف أسمى من وقف الحرب وحماية الإنسان وإعادة الاستقرار. وإذا نجح الرئيس عون في تحويل هذا المسار التفاوضي إلى تسوية تحمي لبنان وتعيد القرار إلى مؤسسات الدولة، فسيكون الإنجاز الحقيقي ليس في عدد البنود التي ستُكتب على الورق، بل في عدد اللبنانيين الذين لن يسقطوا بعد اليوم ضحايا لحرب جديدة

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا