الضرائب المخفية في موازنة 2027… توازن بلا عجز يدفع ثمنه اللبنانيون
قدمت الحكومة مشروع موازنة 2027 على قاعدة رقمية تبدو مطمئنة: إيرادات تساوي النفقات، ولا عجز ظاهر في الجداول. لكن خلف هذا التوازن الاسمي تقف زيادة كبيرة في الضرائب والرسوم، بينما تبقى خارج الحسابات كلفة الدين العام والحرب وإعادة الإعمار والكهرباء.
يحدد المشروع الأولي الإيرادات والنفقات بنحو 614.945 تريليون ليرة، مقابل 538.415 تريليوناً في موازنة 2026، أي بزيادة تبلغ قرابة 14.2%. وباحتساب السعر الرسمي المعتمد، يوازي الحجم الإجمالي نحو 6.9 مليارات دولار.
لكن السؤال ليس في تساوي جانبي الموازنة، بل في مصدر الأموال. فالإيرادات الضريبية المتوقعة تبلغ 528.223 تريليون ليرة، مقارنة بـ439.613 تريليوناً في موازنة 2026، أي بزيادة نسبتها 20.2%. وهذا يعني أن الضرائب تؤمن قرابة 86% من مجمل إيرادات الدولة.
وتظهر الأرقام التي نشرها موقع "إنمائية" أن ضريبة القيمة المضافة وحدها يفترض أن تؤمن 205.666 تريليونات ليرة، أي نحو 38.9% من مجموع الإيرادات الضريبية. أما الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية، فمن المتوقع أن ترتفع بنسبة 38.1% إلى 79.6 تريليون ليرة.
بعبارة أكثر وضوحاً، لا يأتي القسم الأكبر من الزيادة المتوقعة في إيرادات الدولة من استثمار أصولها أو إصلاح المؤسسات العامة أو تشغيل قطاعات إنتاجية جديدة، بل من زيادة ما ستجبيه من النشاط الاقتصادي ودخول المواطنين واستهلاكهم.
ولا تتوقف الزيادات عند الضرائب الكبرى. فالمشروع يقترح تعديل رسوم مرتبطة بالإقامة والامتحانات الرسمية والإفادات وبطاقات الهوية والمعاملات الجمركية. ويصل الرسم المقترح لإصدار بطاقة هوية جديدة إلى 1.5 مليون ليرة، فيما يصبح رسم الطابع على البيان الجمركي 3 ملايين ليرة.
كما يتوسع المشروع في إخضاع بعض الخدمات الرقمية والإلكترونية التي تقدمها شركات غير مقيمة، ويلزم بعض مقدمي الخدمات بتعيين ممثل مقيم لتسديد الضرائب. ويُطلب من متلقي خدمات معينة داخل لبنان التصريح عنها ودفع المتوجب، بما ينذر بانتقال جزء من العبء إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع أسعار الاشتراكات والخدمات الرقمية.
ويتضمن المشروع كذلك آلية أوسع لتبادل المعلومات بين الإدارات، من خلال مقارنة بيانات العمال والأجور المصرح عنها لوزارة المالية بتلك الموجودة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. والهدف المعلن تحسين الامتثال وكشف التهرب، لكن النتيجة قد تكون توسعاً كبيراً في عمليات التكليف والتحصيل.
في المقابل، تذهب 329.2 تريليون ليرة إلى الرواتب والأجور والتقديمات الاجتماعية، أي نحو 53.5% من مجمل الإنفاق. أما شراء الأصول الثابتة والمشاريع والتجهيزات والطرق والمرافئ والمطارات والصيانة، فخصص له 66.633 تريليون ليرة، أي نحو 10.8% فقط.
وتستحوذ 5 جهات وقطاعات على نحو 67% من الإنفاق: الدفاع، والداخلية والبلديات، والتربية والتعليم العالي، والصحة، والنفقات المشتركة. وتبلغ حصة الدفاع 120.570 تريليون ليرة، والداخلية والبلديات 64.876 تريليوناً، والتربية 64.537 تريليوناً، والصحة 51.576 تريليوناً.
غير أن الموازنة لا تقدم الصورة الكاملة للمالية العامة. فقد استُبعدت خدمة الجزء الأساسي من الدين العام، بانتظار حسم إعادة هيكلة الدين والتفاوض مع حاملي سندات اليوروبوندز. كما لا تظهر في الأرقام النهائية فاتورة واضحة ومتكاملة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب أو تعويض الضحايا والمتضررين.
ولا تخصص الموازنة تمويلاً جديداً لمؤسسة كهرباء لبنان، وهو أمر يمكن عرضه باعتباره وقفاً لاستنزاف الخزينة. لكن الدولة لا تزال عاجزة عن تأمين التيار الكافي، ما يعني أن كلفة الكهرباء لم تختفِ، بل انتقلت من الموازنة إلى فاتورة المولدات الخاصة التي تدفعها العائلات والمؤسسات بالدولار.
الأكثر إثارة للقلق أن المشروع يقترح إلغاء اعتمادات مستقبلية مرتبطة بقوانين برامج سابقة تشمل أبنية عامة وطرقات واستملاكات وتجهيزات عسكرية ومشاريع في التعليم والاتصالات والطاقة والمياه وحوض الليطاني. وهنا يصبح ضرورياً تحديد المشاريع التي ستُلغى، والمناطق التي ستتضرر، والأموال التي سبق إنفاقها عليها.
بهذا المعنى، لا تعاني موازنة 2027 عجزاً في الجداول لأنها تفترض جباية ضريبية أعلى، وتعزل خدمة الدين، ولا تظهر كامل كلفة الحرب والكهرباء وإعادة الإعمار. إنها موازنة متوازنة حسابياً، لكن توازنها قد يتحقق عبر نقل العجز من خزينة الدولة إلى موازنات العائلات.
ويبقى الامتحان الحقيقي أمام الحكومة: هل تستطيع تحصيل 528 تريليون ليرة من الضرائب من اقتصاد متضرر من الحرب، من دون رفع الأسعار وخنق المؤسسات وزيادة التهرب؟ أم أن التوازن المعلن سيتحول خلال السنة إلى فجوة جديدة يدفعها اللبنانيون من دخولهم وقدرتهم الشرائية؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|