نقابة عمال المخابز تطالب بالتراجع عن قرار رفع سعر ربطة الخبز
طلب اتهام الرئيس ميشال عون بقضية المرفأ: سابقة أم اشتباك صلاحيات؟
في تطور قضائي وسياسي غير مسبوق في تاريخ الجمهورية اللبنانية، دخل التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت منعطفًا حاسمًا. فبعد سنوات من التعطيل والمواجهات، تسلّم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار المطالعة الصادرة عن النيابة العامة التمييزية، التي أعدّها المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب في نحو 260 صفحة. ولم تكن المفاجأة في شمول المطالعة لأكثر من سبعين مدعى عليه من كبار المسؤولين والسياسيين والأمنيين والقضاة فحسب، بل في توجيه التمييزية دعوة صريحة للبيطار للادعاء المباشر على رئيس الجمهورية السابق ميشال عون وتوجيه الاتهام إليه بموجب القوانين الجزائية.
تكمن أهمية هذه الخطوة في أبعادها الدستورية والقانونية. إذ تفتح مُجددًا الباب حول الصراع في لبنان بين صلاحيات القضاء العدلي وصلاحيات "المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء". كما تجدد النقاش حول الحدود الفاصلة بين "الإهمال والتقصير الوظيفي القاتل" وبين العوائق السياسية والدستورية التي لطالما تحوّلت إلى مظلة لحماية الطبقة الحاكمة من المحاسبة.
وفي هذا السياق، أكد مصدر قضائي لـ"المدن" أن اقتراح الادعاء على ميشال عون قد يفتح سجالًا قضائيًا - سياسيًا واسعًا حول صلاحية ملاحقة رئيس الجمهورية، وتنسحب مفاعيله تلقائيًا على صلاحية ملاحقة رئيس الوزراء الأسبق حسان دياب والوزراء السابقين يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل وغازي زعيتر. وهذا سيفتح الجدل أيضًا حول مصير شخصيات سياسية وأمنية سبق أن استمع إليها البيطار في المراحل السابقة.
ماذا يعني طلب اتهام عون؟
تؤكد مصادر قضائية لـ"المدن" أن صعب لم يدع على عون في المطالعة، بل طلب اتهامه في القرار الاتهاميّ لكونه يتحمل المسؤولية أيضًا.
من الناحية الإجرائية والقانونية، لا يُعدّ طلب النيابة العامة التمييزية قرارًا اتهاميًا نهائيًا ولا حكمًا مبرمًا. إذ تظل الكلمة الفصل بانتظار القرار الاتهامي الذي يعكف القاضي البيطار على دراسته وصياغته وسيقدّمه خلال أسابيع، بحسب ما تكشف مصادر "المدن". لكن المسار له دلالات بالغة الأهمية:
أوّلها أنّ المطالعة تُسقط الخطوط الحمراء الرئاسية. فهي المرة الأولى في تاريخ القضاء اللبناني الحديث، التي يتم فيها الزج باسم رئيس جمهورية سابق في لائحة الاتهام الجزائية بجرائم تتعلق بالإهمال الوظيفي والتقاعس عن درء خطر داهم يهدد السلامة العامة.
ثانيها أنّ مطالعة القاضي صعب تستند إلى الإقرار الذاتي. إذ تكشف مصادر "المدن" أنّ طلب الاتهام ضدّ ميشال عون ينطلق من إقرار عون المباشر والعلني عقب الكارثة بأنه كان على علم مسبق بوجود شحنة "نترات الأمونيوم" شديدة الخطورة في العنبر رقم 12 قبل أسبوعين من وقوع الانفجار، ما يضع سلوك السلطة التنفيذية حينها في خانة المسؤولية الجزائية المباشرة عن التقاعس.
ثالثها أنّها تكسر قواعد الصلاحية الحصرية. إذ أشارت مصادر "المدن" إلى أن القاضي محمد صعب اعتبر في المطالعة أن ملاحقة دياب والوزراء تقع ضمن صلاحية المجلس العدلي، لكنه اعتبر أيضًا أن ملاحقة البيطار للقضاة ليست صحيحة من الناحية القانونية. وهنا تحديدًا يكمن جوهر السجال المرتقب: فإذا تقرر عدم خضوع رئيس الحكومة والوزراء للمجلس الأعلى محاكمة الرؤساء والوزراء وإحالتهم إلى القضاء العدلي، يصبح من واجب عون بدوره الخضوع للمجلس العدلي وفق المعيار القانوني نفسه، مما يسقط حجة الحصانة الدستورية المفرطة.
السيناريوهات المتوقعة أمام القاضي البيطار
أمام هذا المعطى القضائي والسياسي الفارق، يُطرح السؤال عن الكيفية التي سينتهي إليها هذا التطور، وما هي المسارات الشائكة التي تنتظر الملف:
السيناريو الأول هو المضي في الادعاء وصدور القرار الاتهامي وأن يأخذ القاضي طارق البيطار بمطالعة النيابة العامة التمييزية وأن يُدرج اسم ميشال عون ضمن القرار الاتهامي المرتقب صدوره، تمهيدًا لإحالة جميع المتهمين إلى المجلس العدلي. في هذه الحالة، سينتقل الملف إلى مرحلة المحاكمة العلنية، ويكون البيطار قد أسس لسابقة تكرّس اختصاص القضاء العدلي بملاحقة كافة المستويات السياسية، مُتجاوزًا مندرجات المادة 60 من الدستور التي حصرت محاكمة الرئيس في المجلس الأعلى في حالتيْ الخيانة العظمى وخرق الدّستور فقط، وليس الإهمال الوظيفي أو التقاعس عن المهام. هذا السيناريو سيكون مستبعدًّا في الفترة الراهنة، إذ إن مصادر قضائية لـ"المدن" أكدت أن البيطار لا يملك صلاحية الادعاء على رئيس الجمهورية.
السيناريو الثاني، هو التعطيل بحجّة "عدم الصلاحية" والدفوع الشكلية وأن يُقابل القرار باحتجاج سياسي وقانوني عارم من الفريق السياسي المحسوب على العهد السابق، عبر الدفع ببطلان الصلاحية الشاملة للقضاء العدلي والتأكيد على أن ملاحقة الرئيس تقتضي عريضة نيابية وأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، بالإضافة إلى حدود الاتهامات بالخيانة وخرق الدستور. وستُستغَل هذه الحجة لتقديم دفوع شكلية ودعاوى رد ومحاولة تعويق تنفيذ المذكرات القضائية، وهو ما يهدد بإدخال القضاء مُجددًا في مسار جديد من العرقلة. من جهة أخرى، بإمكان البيطار إصدار قراره الاتهاميّ خلافًا لمطالعة النيابة العامة التمييزية.
السيناريو الثالث هو أن يناور القاضي البيطار عبر التمييز في قراره بين الأفعال المنوطة بمهام الرئاسة الدستورية وبين "الخطأ الشخصي والإهمال الجزائي الجسيم" الذي يقع خارج نطاق حصانة المادة 60، ما يمنحه الغطاء القانوني لإصدار مذكرات استدعاء رسمية بحق عون وغيره من القادة الأمنيين والوزراء السابقين للاستجواب قبل حسم قائمة الإحالة إلى المحاكمة. وهذا السيناريو سيكون مستبعدّا أيضًا في الفترة الراهنة. إذ ترجح مصادر "المدن" أن البيطار لن يستدعي عون للتحقيق لعدم امتلاكه هذه الصلاحية.
يُمثل إدراج اسم ميشال عون في دائرة الاتهام القضائي بملف المرفأ لحظة فارقة بين التأسيس لعدالة جزائية حقيقية تتجاوز الحصانات والرتب السياسية، وبين الوقوع مجددًا في شباك السجالات والتجاذبات التي عطلت التحقيق لسنوات. ويتوقف المحك الأساسي على مدى قدرة القضاء اللبناني على حماية هذا المسار وصولًا إلى القرار الاتهامي النهائي وتثبيت محاكمة عادلة تكشف الحقيقة للبنانيين ولأهالي الضحايا.
فرح منصور- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|