الصحافة

إبعاد "جيش الإسلام" عن محيط دمشق: "تحرير الشام" تُحكِم قبضتها... على الجيش أيضاً

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بعد نحو عامَين على صعود النظام الجديد في سوريا، وحلّ الجيش السابق، لا يزال ملفّ الجيش الناشئ واحداً من أكثر الملفّات تعقيداً وإشكالية، وذلك في ظلّ استمرار العقبات أمام عملية دمج الفصائل - التي قاتلت النظام السابق -، والتي تشرف عليها «هيئة تحرير الشام»، المُمسِكة بمفاصل السلطة فعلياً الآن. وسعت قيادة الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، إلى جعل الجيش الجديد الذي يضمّ 5 فيالق - قد تخضع للتغيير-، وعاءً لاستيعاب الفصائل، بمختلف تشكيلاتها وانتماءاتها، مطلِقةً عملية دمج متدرّجة، حافظت، في مرحلتها الأولى، على البنى الفصائلية وقياداتها، قبل أن تنتقل إلى مرحلة إنهاء «الفصائلية»، بدعم وإشراف أميركي وتركي، إذ أوقفت واشنطن وأنقرة، في المرحلة الثانية، دعمهما المباشر للفصائل المرتبطة بهما، وحوّلتا الدعم إلى السلطات الانتقالية، وهو ما أفضى، في نهاية المطاف، إلى «قبول» معظم الفصائل بمسار «التذويب» داخل المؤسّسة الجديدة، بما لم يستثنِ «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وفصائل «الجيش الوطني» التي كانت مدعومة من تركيا.

مع ذلك، لم يؤدِّ الدمج إلى إنهاء العلاقات الفصائلية بين العناصر والقادة السابقين؛ إذ لا تزال هذه الحالة مستمرّة في عدد من القطاعات العسكرية، وبشكل خاص في شمال البلاد ووسطها، وأخيراً في الشمال الشرقي (بموجب اتفاق دمج «قسد»). وفي هذا السياق، تكشف مصادر عسكرية سورية، في حديثها إلى «الأخبار»، اعتماد السلطات الانتقالية على قياديين موثوقين كانوا في «هيئة تحرير الشام» لقيادة جميع القطاعات العسكرية المهمّة، من دون إغفال منح مناصب شرَفية أو صوريّة لقادة الفصائل التي تمّ دمجها. ويتّسق الاعتماد على «الهيئة» في القطاع العسكري، مع اعتماد السلطات على مسؤوليها السابقين أيضاً في القطاعات الحكومية المختلفة؛ إذ تتولّى «تحرير الشام» الحقائب الوزارية السيادية (الخارجية والداخلية والدفاع) ووزارات أخرى، إلى جانب قوى الأمن والاستخبارات، الأمر الذي يمنحها قبضة مُحكمة على البلاد.

وبالرغم من المساعي المستمرّة لتكوين قوة عسكرية موحّدة، لا تزال السلطات تواجه مقاومة من جانب بعض الفصائل، سواء الأجنبية منها التي يرفض كثير من المقاتلين فيها الانخراط في الجيش، أو تلك التي تنشط في محيط دمشق، والتي تشكّل، بالنسبة إلى دمشق، التحدّي الأبرز، تبعاً لقرب مراكز نشاطها من مراكز القيادة، ولما يشكّله استمرار وجودها من عقبة أمام دمج بقيّة الجماعات. وفي هذا السياق، تتحدّث المصادر نفسها عن عمليات نقل واسعة لقياديين وعناصر سابقين في «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» وفصائل أخرى كانت تنشط في محيط دمشق. وبحسب المصادر، تمّ نقل هؤلاء القياديين والعناصر إلى مواقع عسكرية في وسط سوريا، في حين حُيّد عدد كبير من قياديّي «الجيش الوطني»، ومُنح قياديّون سابقون في «هيئة تحرير الشام» مناصب قيادية مباشرة لبدء عمليات فرط عقد تلك الفصائل.

مع ذلك، وحتى في ظلّ الدعم الأميركي والتركي لعملية الدمج، لا تزال تواجه السلطات عراقيل عديدة في طريقها إلى إتمام تلك العملية، بعضها يتعلّق بحجم التمويل ومستوى الرواتب - إذ كان عناصر الفصائل يتلقّون مرتّبات أفضل ويحصلون على أموال إضافية من خلال عمليات التهريب مثلاً -، وبعضها الآخر يتعلّق بحالة عدم رضى بعض الفصائل بانتهاء وجودها ودورها. وإلى جانب أزمة استمرار «الفصائلية»، يثير إحكام «التحرير الشام» قبضتها على الجيش الناشئ، تساؤلات عديدة حول وظيفة هذا الأخير ومسؤولياته، خصوصاً أنه لا عقيدة عسكرية مُعلنة - إلى الآن - تحدّد بوضوح مهمّته، وطبيعة المخاطر التي يستعدّ لمواجهتها، وحدود تدخّله في الأمن الداخلي. كذلك، أظهرت التجربة الماضية أن المؤسسة العسكرية استُخدمت بصورة متكرّرة في إدارة الصراعات المحلّية، وملاحقة المعارضين، والتدخل في المناطق التي ترفض الخضوع الكامل للسلطة المركزية، بينما بقي دورها في حماية الحدود ومواجهة الاعتداءات الخارجية محدوداً. وهذا الأمر لم يقتصر على مواقع سيطرة النظام السابق فحسب، بل ظهر بشكل واضح أيضاً في مناطق سيطرة «الهيئة»، في إدلب وريف حلب الشمالي.

وتظهر هذه المفارقة جليّةً في الجنوب السوري، حيث تُواصِل إسرائيل احتلال مناطق جديدة وتنفيذ التوغلات والغارات، في وقت يتركّز فيه جزء كبير من النشاط العسكري والأمني على ضبط الداخل. ولا يعود ذلك إلى غياب القرار السياسي فحسب، بل أيضاً إلى انهيار القدرات العسكرية السورية، وافتقار الجيش الجديد إلى وسائل الدفاع الجوي والأسلحة النوعية التي تمكّنه من أداء مهمته التقليدية في حماية سيادة البلاد. على رغم هشاشة القدرات فإن ذلك لا يلغي السؤال المتعلّق بالأولويات، خصوصاً أن آلية التعامل مع الاعتداءات الخارجية لا تزال مقصورة على «الدبلوماسية» فقط - فيما يتمّ الضرب بيد من حديد في الداخل فقط -، وتعريف «العدو» يظلّ مرتبطاً بمصالح السلطة أكثر من ارتباطه بمفهوم الأمن الوطني.

وكان ورث الجيش الجديد مخزوناً متضرّراً ومحدوداً من جرّاء سنوات الحرب، قبل أن تدمّر إسرائيل جانباً واسعاً من القدرات العسكرية المتبقّية لديه، بما فيها منظومات الدفاع الجوي والمطارات والمستودعات ومراكز البحوث، الأمر الذي جعل وحداته تعتمد بصورة أساسية على الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والآليات التي كانت في حوزة الفصائل أو الموروثة من زمن النظام السابق. وإلى جانب ذلك، ابتعدت السلطات عن استغلال القدرات البشرية لقادة الجيش السابق المدرّب، وبشكل خاص في قطاعات الدفاع الجوي والطيران، بمن فيهم مَن لم يتورّطوا في ارتكاب انتهاكات. لا بل عمدت إلى شنّ حملة اعتقالات طاولت عدداً كبيراً منهم، رغم أن بعضهم يمتلك خبرات في الدفاع الجوي لعقود طويلة، الأمر الذي راكم بدوره عوامل تشكيك إضافية حول هوية الجيش الناشئ ووظيفته.

وفي وقت تفتقر فيه المؤسّسة العسكرية الجديدة إلى سلاح جو فعّال، ومنظومة دفاع جوي قادرة على حماية المجال الجوي، وقدرات استطلاع واتصالات وقيادة موحّدة تضاهي ما تمتلكه الجيوش النظامية، فإن هذا الواقع لا يسمح لعناصرها بخوض حرب تقليدية أو حماية الحدود، كما يجعلها أقرب إلى قوة برية كبيرة مُخصَّصة لضبط المناطق والسيطرة الداخلية. وتزداد الصورة قتامةً، مع إضافة إصرار إسرائيل على منع إقامة أيّ قوى جوية سورية، تارة تحت ذريعة منع تركيا من التمدّد، وتارة أخرى بحجة «أمنها الداخلي»، وهو ما يُقابَل بارتضاء ضمني من جانب السلطات الانتقالية، التي تكتفي بالتعويل على الولايات المتحدة وتركيا لإنقاذها من ذلك الشدّ وذلك الجذب.

عامر علي -الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا