الصحافة

حليمة قعقور تفتح السؤال: مَن يخطف الحلم اللبناني؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في زمنٍ يكثر فيه الكلام السياسي ويقلّ فيه السؤال الحقيقي، جاءت كلمة النائبة حليمة قعقور في مجلس النواب لتفتح سؤالاً يتجاوز المواقف والاصطفافات: ماذا يبقى من الحلم اللبناني بدولة تمتلك قرارها، وتحمي مواطنيها، وتصون حقوقهم، إذا ظل القرار موزعاً بين الداخل والخارج؟ فمن يفاوض باسم لبنان؟ وما حدود القرار اللبناني؟ وهل يمكن أن تكون حصرية السلاح منفصلة عن حصرية القرار الوطني؟ وماذا يبقى من حقوق الضحايا إذا تحولت ملفات التعويض والمساءلة إلى أوراق مرتبطة بإرادات خارجية؟ إنها أسئلة لا تتعلق بموقف سياسي عابر بقدر ما تتصل بصورة الدولة التي يريدها اللبنانيون لمستقبلهم.
أهمية كلمة قعقور أنها لم تضع نفسها في مواجهة مبدأ حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، لكنها في الوقت نفسه رفضت أن يؤدي تطبيقه إلى انتقال القرار اللبناني من جهة خارج الدولة إلى جهة خارجية أخرى. وهذا ما عبّرت عنه عندما رفضت أن تفاوض إيران بالنيابة عن لبنان، مؤكدة أن لبنان هو الذي يجب أن يفاوض عن نفسه. وبصرف النظر عن الموقف من إيران أو من أي طرف آخر، فإن المسألة تتصل بمبدأ واضح: إذا كانت الدولة تريد أن تستعيد قرار الحرب والسلم، فعليها أن تستعيد أيضاً حقها الحصري في التفاوض، وألا تسمح لأي جهة خارجية بأن تتحدث باسمها في الملفات التي تحدد مستقبلها.
واللافت في مداخلتها أنها لم تتعامل مع "اتفاق الإطار" من زاوية واحدة، بل فتحت أكثر من مسار للنقاش. فقد اعترضت على ما اعتبرته تعارضاً بين بعض مضامينه وبين البيان الوزاري وخطاب القسم، كما أثارت مسألة المادة العاشرة وما يمكن أن يترتب عليها بالنسبة إلى حقوق المتضررين والتعويضات، باعتبار أن هذه المادة، وفق ما طرحته، تسقط ملف تعويضات الضحايا وتضعه في دائرة الإرادة الأميركية.
وهنا ينبغي التمييز بين النقاش السياسي حول الاتفاق والنقاش القانوني حول آثاره. فالقول إن مادة معينة تلغي حقاً قانونياً أو ترهنه فعلياً لطرف خارجي يحتاج إلى قراءة دقيقة للنص وآليات تطبيقه، ولا يكفي فيه الموقف السياسي وحده. لكن إثارة السؤال داخل المجلس النيابي تبقى مهمة، لأن حقوق ضحايا الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى تفصيل ثانوي في أي تفاوض يتعلق بوقف الأعمال العدائية أو بالترتيبات التي ستليها. وفي هذا السياق، أثارت قعقور أيضاً حق لبنان في الادعاء والملاحقة بشأن المجازر والجرائم التي ارتكبها العدو الإسرائيلي، بما يفتح سؤالاً أوسع حول قدرة الدولة على حماية حقوق ضحاياها قضائياً، لا الاكتفاء بتوثيق ما تعرضوا له. فحفظ هذه الحقوق لا يقتصر على التعويض، بل يشمل أيضاً حق الدولة في المطالبة بالعدالة والمساءلة.


ومن النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضاً في مداخلة قعقور أنها ربطت التضامن الوطني بمبدأ المواطنة، لا بالانتماء الطائفي. عبارتها بأن "نحن كلنا شيعة عندما يُضرب الشيعي" جاءت في سياق رفض التعامل مع الاعتداء على فئة لبنانية وكأنه قضية تخص تلك الفئة وحدها. وهذه الفكرة، في بعدها الوطني، تتجاوز السجال السياسي اليومي: عندما يتعرض لبناني للاعتداء، لا ينبغي أن يكون السؤال عن طائفته، بل عن مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها والدفاع عن حقوقهم.
وفي المقابل، كان سؤالها لوزير الخارجية يوسف رجي عن موقفه من السفير الأميركي لافتاً. فقد أيدت اتخاذ موقف تجاه السفير الإيراني على خلفية ما اعتبرته خرقاً للقانون اللبناني، لكنها تساءلت عن سبب عدم اتخاذ موقف مماثل من تصريحات السفير الأميركي التي اعتبرتها مبررة للاعتداءات الإسرائيلية.
وهنا يبرز سؤال السيادة بمعناها العملي: فإذا كانت الدولة تعتمد معياراً قانونياً وسياسياً في التعامل مع التدخلات الخارجية، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال عما إذا كان هذا المعيار يُطبَّق بصورة متساوية، أياً كان مصدر التدخل أو النفوذ. ويطرح ذلك بدوره مسألة مدى اتساق هذا المعيار في التعامل مع مختلف مصادر التدخل الخارجي.
وفي مرحلة يختلط فيها الداخل بالخارج، وتتداخل الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية، لا يعود السؤال مجرد خلاف حول جهة تفاوض أو موقف من طرف خارجي، بل يصبح سؤالاً عن صورة لبنان التي يمكن أن تبقى ممكنة: هل يستطيع اللبنانيون أن يبنوا دولة يكون قرارها واحداً، ومعيارها واحداً، وحقوق مواطنيها مصانة، أياً كانت طوائفهم أو مواقعهم السياسية؟
فالسيادة ليست مجرد حصر السلاح أو تحديد الجهة التي تجلس إلى طاولة التفاوض، بل أن تمتلك الدولة قرارها، وتحمي حقوق مواطنيها، وتستخدم أدواتها القانونية في الدفاع عنهم. وإذا أرادت الدولة أن تكون المرجعية الوحيدة، فعليها أن تثبت ذلك في هذه الملفات كلها، لا في بعضها.
لذلك، فإن قيمة كلمة قعقور لا تكمن في أن يتفق اللبنانيون معها في كل ما قالت، بل في أنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً يمس جوهر الحلم اللبناني نفسه: من يقرر باسم لبنان، ومن يفاوض عنه، ومن يحمي حقوقه حين تتقاطع إرادته مع إرادات الآخرين؟ قد تختلف الإجابات وتتبدل الحسابات، لكن الحلم لا يُختطف دفعة واحدة؛ قد يتآكل حين يصبح القرار في مكان، والتفاوض في مكان، والحقوق معلّقة بينهما، وحين يصبح المواطن مضطراً إلى البحث عن دولة تحميه خارج الدولة نفسها. فالدولة لا تكتمل سيادتها بكثرة مؤسساتها، بل بقدرتها على أن يكون لها قرارٌ لا يُستعار، وصوتٌ لا يُفوَّض، وحقوقٌ لا تُساوَم عليها. وعندما تتعدد الجهات التي تتحدث باسم الوطن، لا تتعدد الأصوات فحسب؛ بل يضيق المجال أمام الحلم الذي يجمع اللبنانيين حول دولة واحدة، ومرجعية واحدة، ومستقبل لا يُكتب بالنيابة عنهم.

كريستينا شطح

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا