عامان على اغتيال نصر الله… ماذا بقي من “الحزب”؟!
في السابع والعشرين من أيلول 2024، انتهت حقبة كاملة في تاريخ حزب الله مع مقتل أمينه العام حسن نصر الله في غارة إسرائيلية استهدفت مقر القيادة في الضاحية الجنوبية لبيروت. لم يكن نصر الله مجرّد أمين عام للحزب، بل كان الشخصية التي طبعت مسيرته طوال أكثر من ثلاثة عقود، وحوّلته من تنظيم محلي ناشئ إلى قوة عسكرية وسياسية وإقليمية ذات نفوذ واسع.
وبعد مرور سنتين على غيابه، يطرح السؤال نفسه بقوة: ماذا بقي من حزب الله بعد خسارة قائده التاريخي؟
الجواب لا يكمن فقط في تعداد ما خسره الحزب من قادة أو قدرات عسكرية، بل في فهم حجم الفراغ الذي تركه الرجل الذي كان يجمع بين القيادة السياسية والرمزية الدينية والكاريزما الشعبية والقدرة على اتخاذ القرار الاستراتيجي.
على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، كان حسن نصر الله الوجه الأول للحزب وصوته وعقله السياسي. استطاع أن يبني علاقة مباشرة مع جمهوره وأن يحافظ على تماسك بنية تنظيمية معقّدة تمتد من لبنان إلى ساحات إقليمية متعدّدة. لذلك لم يكن اغتياله مجرّد خسارة قيادية عادية، بل ضربة أصابت قلب المنظومة التي بناها بنفسه.
جاءت عملية الاغتيال في سياق حملة إسرائيلية واسعة استهدفت البنية القيادية والعسكرية للحزب. فخلال أسابيع قليلة خسر حزب الله عددًا من أبرز قادته العسكريين والأمنيين، ثم خسر الحزب نصر الله نفسه، وبعد أيام قليلة فقط قُتل هاشم صفي الدين الذي كان يُنظر إليه على أنه الخليفة الطبيعي المحتمل للأمين العام الراحل. وقد عكست هذه الاغتيالات حجم الاختراق الأمني الذي تعرّض له الحزب، وهو أمر لم يكن مطروحًا بهذا المستوى في السنوات السابقة.
لكن الخسارة الأهم لم تكن عسكرية فحسب، بل معنوية أيضًا. فقد ارتبط اسم حسن نصر الله في أذهان مؤيّديه بصورة القائد الذي لا يُهزم والذي نجح في تجاوز محطات مفصليّة منذ تسعينيّات القرن الماضي وحتّى حرب تموز 2006. وعندما سقط الرجل نفسه في ضربة إسرائيلية دقيقة، تعرّضت صورة الحزب وهيبته لاهتزاز كبير داخل بيئته وخارجها.
تولّى نعيم قاسم الأمانة العامة بعد ذلك، لكنّه وجد نفسه أمام واقع مختلف تمامًا. فالمقارنة بنصر الله كانت حتمية منذ اللحظة الأولى. وحتى مراقبون قريبون من الحزب أقرّوا بأن نصر الله كان يتمتّع بحضور استثنائي وكاريزما خاصّة يصعب تعويضها. لذلك بدا الانتقال من قيادة تاريخية استمرت أكثر من ثلاثة عقود إلى قيادة جديدة عملية معقّدة تتجاوز مجرّد تغيير الأسماء.
إلى جانب العامل القيادي، واجه الحزب تحدّيات ميدانية كبيرة. فقد تعرضت بنيته العسكرية لضربات متلاحقة، كما تأثرت خطوط الإمداد التقليدية التي اعتمد عليها لسنوات. وتشير تقارير ودراسات متعدّدة إلى أن الحزب خرج من مرحلة ما بعد 2024 وهو أقل قدرة على المبادرة وأكثر انشغالًا بإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية وترميم خسائره البشرية والتنظيمية.
سياسيًّا، لم يعد حزب الله يتمتع بالهامش عينه الذي كان يملكه خلال العقديْن الماضيَيْن. ففي مرحلة نصر الله كان الحزب قادرًا على فرض إيقاعه على الحياة السياسية اللبنانية مستفيدًا من قوته العسكرية وشبكة تحالفاته. أمّا بعد غيابه، فقد أصبح أكثر انشغالًا بالدفاع عن مكتسباته والمحافظة على نفوذه بدل التوسّع فيه. ويرى عدد من المحللين أن الحزب انتقل من موقع المبادِر إلى موقع الساعي لاحتواء الخسائر ومنع المزيد من التراجع.
كما أنّ العلاقة مع إيران شهدت تحوّلًا لافتًا. فحزب الله كان لسنوات يوصف بأنّه أهم أذرع طهران الإقليمية وأكثرها فاعلية. غير أن الضربات التي تلقّاها منذ عام 2024 أدّت، بحسب تقارير عديدة، إلى زيادة اعتماده على الدعم الإيراني السياسي والمالي والعسكري، بعدما فقد جزءًا من استقلاليّة الحركة التي كان يتمتع بها في السابق.
ومع ذلك، فإنّ الحديث عن نهاية حزب الله، العسكرية والأمنية، لم يعد مجرّد فرضية غير واقعية، على الرغم من أن الحزب ما زال يحتفظ ببنية تنظيمية وعسكرية وسياسية.
لكن الفارق الأساسي أن حزب الله بعد نصر الله ليس هو حزب الله الذي كان يقوده نصر الله. فالتنظيم الذي اعتاد الاعتماد على قائد يتمتع بكاريزما استثنائية وجد نفسه أمام مرحلة جديدة عنوانها القيادة الجماعية وإدارة الأزمات أكثر من صناعة المبادرات. لقد خسر الحزب الشخصية التي كانت توحّد الخطاب والقرار والرمزية في آن واحد.
بعد سنتين على اغتيال حسن نصر الله، يمكن القول إن حزب الله لا يزال موجودًا، لكنه لم يعد الحزب عينه الذي عرفه اللبنانيون والمنطقة طوال العقود الثلاثة الماضية. ما بقي هو التنظيم والبنية والقاعدة الشعبية، أما ما فُقد فهو القائد الذي شكّل هوية الحزب السياسية والإعلامية والعسكرية لعقود طويلة.
لقد أثبتت التجربة أن الأحزاب والتنظيمات قد تنجو من خسارة قادتها، لكنّها نادرًا ما تخرج من تلك الخسارة كما كانت قبلها. وهذا بالضبط ما يعيشه حزب الله اليوم: تنظيم لا يزال قائمًا، لكنه يحمل آثار ضربة تاريخية غيّرت موازين القوى داخله وفتحت مرحلة جديدة لم تتّضح كل معالمها بعد.
جان الفغالي -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|