الصحافة

ارتياح جغرافي شيعيّ.. ارتباك سنّيّ.. والمسيحيّون "يغادرون"

Please Try Again

ads




يعيش اللبنانيون اليوم في اغتراب عن تصوّرهم لأنفسهم. وربّما في دواخلهم يحدسون أنّهم انتقلوا إلى عيش حقيقتهم بلا مساحيق ولا مجاملات من قبيل كلامهم عن الوحدة الوطنيّة والعيش المشترك.

يحتاج الكشف عن حالهم وواقعهم اليوم إلى دراسات معمّقة وتفصيليّة تنطلق من أسئلة أساسيّة:

- هل الفرد اللبناني كائن اجتماعي قابل للعيش في مجتمع؟

- وإذا كان الجواب بالنفي تبرز الأسئلة التالية:

- ما الذي يمنعه من أن يكون كائناً اجتماعيّاً؟

- هل هي الظروف السياسية والاقتصادية التي تقود الجماعات والأفراد اللبنانيين إلى صراعات مذهبية فتذرّرهم؟

- أم تتشبّث الطائفيّةُ باللبناني كأنّها حقيقة وجودية تتفجّر في داخله، ثمّ تتزايد وتتفاقم على إيقاع الواقع المتدهور، فيعبّر عن أزمته تعبيراً طائفياً، ولو اقتضى الأمر يدعو إلى التقسيم، معرباً عن عدم قدرته على التعايش مع الآخرين؟

في لبنان اليوم جماعات ثلات لكلّ منها توجّهها المختلف:

1- الثنائيّ الشيعيّ مرتاح

جماعة الثنائي الشيعي متماسكة داخليّاً. تعيش في تعبئة دائمة. تتمتّع بمقوّمات عسكرية وأمنيّة وماليّة تمكّنها من الاستمرار أكثر من الجماعات الأخرى. لذا لا تبدو في حال انشغال بطبيعة التركيبة اللبنانية، وتعرف أنّها ستظلّ حاضرة في أيّ ظرف من الظروف، مع اتفاق الطائف أو من دونه. ففي الطائف لها حضورها الأبرز في صناعة التسويات والبقاء مسيطرة على المؤسّسات كأنّها خارج الاتفاق. وفي الوقت نفسه لديها مناطقها الجغرافية المترابطة التي تؤسّس فيها نظاماً أمنيّاً حديدياً يوفّر لها حضوراً ديمغرافياً مستقلّاً، إضافة إلى تسجيلها اختراقات في البيئات الأخرى. وهي تسيطر أيضاً على الحدود الجنوبية والشرقية وتمتلك بذلك قوّة استراتيجية.

هذا الواقع المريح للثنائي الشيعي، ولا سيّما حزب الله، يمكّنه من ادّعاء لعب دور "المرشد الأعلى" أو الذي يريد الحفاظ على الوحدة الوطنية، بدلاً من التقسيم والانقسام والتشرذم. لذلك يستمرّ في إطلاق الدعوات إلى الحوار.

2- تشتُّت وارتباك سنّيّان

الجماعة السنّيّة يتنازعها رأيان.

أ- أنّها تعيش مرحلة إعادة التكوين الأولى بما تحمله من ارتباك وتردد في اتخاذ القرار، لكنّها واثقة من الوصول إلى شاطئ الأمان السياسي عبر التراكم السياسي من الانتخابات النيابية الأخيرة وصولاً إلى انتخابات المفتين في المناطق.

ب- يرى أنها تعيش أقصى حالات الاغتراب. بعضها يمارس السياسة وكأنّه يعيش حال نفي قسريّ:

- رئيس تيار المستقبل سعد الحريري يعقد لقاءاته خارج لبنان، أو يبعث رسائل، منها تهنئة المفتين المنتخَبين حديثاً ودعوتهم إلى بيت الوسط، مكرّساً نظريّة أنّه منفيّ سياسياً.

- شقيقه بهاء الحريري يعقد لقاءات خارج لبنان، ومنها تلك التي عقدها في قبرص أخيراً، أو ينظّم احتفالاً في مركز كيندي بالولايات المتحدة الأميركية في ذكرى 14 شباط. ربّما يتوهّم أنّه يقود ثورة من منفاه الخارجي. ولا يتوقّف ذلك عند حدود النشاط السياسي العاديّ، بل يحاول تلمُّس معالم تسوية تعيده إلى لبنان صاحبَ دور. ولا بأس لديه من الحديث عن ضرورة تغيير النظام السياسي أو التركيبة السياسية.

أمّا سنّة النظام القائم في الداخل فيعيشون صراعات مستمرّة فيما بينهم، بحثاً عن جنّة موعودة اسمها كرسي رئاسة الحكومة.

أبرز هؤلاء رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي الذي يحاول انتزاع نقاط تفصيليّة من حزب الله أو سواه لتسيير عمل حكومته، وتقديم صورة أنّه يخوض مواجهة مع التيار العوني، علماً أن لا مقوّمات لديه في هذه المواجهة لولا موقف حزب الله. وهذا يعني إحالة موقع رئاسة الحكومة ودورها إلى حساب الحزب إيّاه. يُضاف ذلك إلى مساعي ميقاتي المتواصلة إلى العمل لحساب الفرنسيين طمعاً بتجديدٍ وعودة.

إضافة إلى ميقاتي، هناك نوّاب وشخصيّات أخرى تسعى إلى إنشاء تجمّعات وفرق سياسية تؤهّلها للدور الثاني على أرض الملعب، متلاعبةً بمصير طائفة مؤسّسة في كيان متصدّع، من دون أن يكون لها أيّ رؤية استراتيجية أو مشروع سياسي قابل للاستمرار والاستقطاب. فلا هي استمرار للقديم بحسناته وسيئاته ولا هي مجدّدة لمسار التعامل السياسي مع النظام وخاصة قانون الانتخاب.

3- تصدّع وتقسيم مسيحيّان

تتنامى نزعات متباينة لدى جماعة المسيحيين بمكوّناتهم المختلفة:

هناك من يدعو إلى التقسيم أو الفدرالية، أو يعمل على تجميلها بعبارة "اللامركزية الماليّة والإدارية الموسّعة".

وصل الأمر برئيس حزب القوات اللبنانية أن يقول: في حال نجح حزب الله في إيصال رئيس للجمهورية محسوب عليه، لا بدّ من البحث عن صيغة أخرى للبلاد. والاستنتاج نفسه وصل إليه النائب طوني فرنجية. ويضاف هذان الموقفان إلى مواقف التيار العوني وغيره من القوى على الساحة المسيحية، وآخرها ما جاء في تصريح جبران باسيل من أنّ عقد جلسة حكومية ثانية سيذهب به "أبعد بكتير" من "ضرب التفاهمات".

يعني مضمون هذا الكلام أنّ المسيحيين يغادرون اتفاق الطائف، متوهّمين أنّهم قادرون على العيش والتعايش في مناطقهم، علماً أنّ اتّفاق الطائف أرسى مسلّمتين وطنيّتين:

- الأولى: نهائيّة الكيان وركيزتها اعتراف المسلمين بلبنانيّة الدولة.

- الثانية: عروبة لبنان التي اعترف بها المسيحيون.

لكن تتكاثر داخل البيئة المسيحية الأصوات القائلة بانعدام قدرة التعايش مع البيئات الأخرى. وفي هذا عودة إلى حقبة الحرب وقفزٌ فوق الطائف وخروج عليه.

بناءً عليه، يعيش الشيعة حالة "ارتياح" وسط هذه المعمعة. أمّا السُّنّة فضائعون، في حين يريد المسيحيون "المغادرة".

خالد البوّاب - اساس ميديا ads




Please Try Again