"جملة واحدة تكفي"... إيزنكوت أمام اختبار "الشريك الفلسطيني"
قبل أقل من شهر على الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل انتخابات تشريعية فلسطينية مقررة بعدها بنحو شهر، يطرح الكاتب والباحث الإسرائيلي الدكتور غيرشون باسكين سؤالًا سياسيًا يتجاوز سباق صناديق الاقتراع: هل تستطيع قيادة إسرائيلية جديدة أن تترك باب التسوية مفتوحًا إذا اختار الفلسطينيون قيادة تعلن التزامها بالسلام، أم يستمر النهج القائم على إدارة الصراع بدل البحث عن تسويته؟
وفي مقال في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، قال باسكين إنه يأمل أن يصبح غادي إيزنكوت رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل، رغم أنه شخصيًا لن يصوّت له، موضحًا أن ما يقلقه هو أن إيزنكوت لا يزال يرفض القول بصورة واضحة إنه سيتعامل مع الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بطريقة مختلفة عن تلك التي اتبعها بنيامين نتنياهو منذ عام 2009.
ويأتي المقال في ظل انتخابات إسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول 2026، فيما من المقرر إجراء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 28 تشرين الثاني، أي بفارق نحو شهر.
وقال باسكين إنه يدرك أن صدمة 7 تشرين الأول غيّرت المجتمع الإسرائيلي بصورة جذرية، لكنه اعتبر أن هجوم حماس أطاح أيضًا بعدد من الافتراضات التي قامت عليها السياسة الإسرائيلية لسنوات، وفي مقدمها إمكان الردع والاحتواء والاستمرار في "إدارة الصراع" من دون حله.
وبرأيه، لم تُترجم هذه الخلاصة إلى تغيير سياسي، بل تحركت السياسة الإسرائيلية بقوة نحو اليمين، فيما بات النقاش العام يتركز بصورة شبه كاملة على مزيد من القوة العسكرية والردع والشك في النيات الفلسطينية.
ويقول باسكين إن هذا المناخ يفسر حذر السياسيين الذين يسعون إلى أصوات الوسط الإسرائيلي من التطرق إلى القضية الفلسطينية، بعدما أصبحت عبارات مثل "الدولة الفلسطينية" وحتى "حل الدولتين" شديدة الحساسية في قطاعات من الرأي العام الإسرائيلي، معتبرًا أن القادة السياسيين يميلون في كثير من الأحيان إلى ملاحقة اتجاهات الرأي العام بدل محاولة تشكيلها.
لكنه شدد على أن الامتناع عن الحديث عن ضرورة حل الصراع لا يعني اختفاءه.
ورأى باسكين أن نتنياهو بنى على مدى سنوات استراتيجية سياسية ودبلوماسية تعارض بصورة ثابتة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، لكن منع قيام هذه الدولة، بحسب طرحه، لم يُلغِ تطلع الفلسطينيين إلى الحرية وتقرير المصير، كما أن 3 سنوات من الحرب المدمرة لم تُنهِ هذا التطلع، بل جعلت قضية تقرير المصير الفلسطيني أكثر حضورًا.
وأشار إلى أن فكرة حل الدولتين لم تختفِ دوليًا أيضًا، معتبرًا أنه رغم الخلافات بشأن كيفية الوصول إليها، لا يزال هناك تأييد دولي واسع لمستقبل تقوم فيه إسرائيل ودولة فلسطينية جنبًا إلى جنب.
وبحسب باسكين، أعادت غالبية واسعة من دول العالم، ومن بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وأكثر من 100 دولة أخرى، التعبير في أيلول 2026 عن دعمها العلني لحل الدولتين.
وفي قراءته لشخصية إيزنكوت، قال باسكين إن الأخير بنى صورته العامة على المسؤولية واتخاذ القرارات المحسوبة واستخلاص الدروس من الإخفاقات، ولذلك يعتبر أنه يجب أن يكون من أكثر الشخصيات قدرة على استخلاص نتيجة أعمق مما حدث.
وبرأي الكاتب، فإن الدرس لا يقتصر على أن سياسة "إدارة الصراع" فشلت، بل إن الصراع نفسه لا يمكن إدارته إلى ما لا نهاية.
وشدد على أن القضية الوطنية الفلسطينية لن تختفي لأن إسرائيل تفضّل عدم التعامل معها، وأنها لا تستطيع، وفق رأيه، محو التطلعات الوطنية الفلسطينية أو قمعها إلى الأبد أو مواصلة تأجيل التعامل معها.
وفي المقابل، لفت باسكين إلى تحول يعتبره مهمًا على الجانب الفلسطيني ولا يحظى، برأيه، باهتمام واسع داخل إسرائيل، وهو الانتخابات الفلسطينية المرتقبة.
فالناخبون الإسرائيليون سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول، فيما يُفترض أن تجرى انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 28 تشرين الثاني، وقد بدأت بالفعل قوائم سياسية جديدة الدخول في السباق، في انتخابات ستكون الأولى للمجلس التشريعي منذ نحو 20 عامًا إذا أُجريت في موعدها.
وقال إن بعض هذه القوائم تمثل جيلًا كاملًا من الفلسطينيين لم يشارك يومًا في انتخابات وطنية، معتبرًا أن ما تقوله إسرائيل، أو ما تختار عدم قوله، خلال هذه المرحلة ستكون له دلالة.
ومن هنا، يطرح باسكين جملة واحدة يرى أن بإمكان قائد إسرائيلي قولها من دون أن يلتزم مسبقًا بقيام دولة فلسطينية، أو يتبنى صيغة تفاوضية محددة، أو يحسم مسبقًا شكل الاتفاق النهائي.
والجملة التي يريد باسكين سماعها من إيزنكوت هي: "إذا اختار الشعب الفلسطيني قادة ملتزمين بصدق بسلام حقيقي بين الشعب الفلسطيني وشعب إسرائيل، فسيجدون في إسرائيل شريكًا للسلام".
ويؤكد الكاتب أنه لا يطلب أكثر من ذلك، معتبرًا أن هذا الموقف لا يفرض على الإسرائيليين نسيان 7 تشرين الأول، ولا يطلب منهم الثقة بحماس، ولا يحسم مسبقًا قضايا الحدود أو القدس أو المستوطنات أو اللاجئين أو الترتيبات الأمنية، كما أنه لا يلزم إيزنكوت، في خضم الحملة الانتخابية، باستخدام عبارة "حل الدولتين".
وبحسب طرحه، فإن الرسالة الوحيدة التي تحملها هذه الجملة إلى الفلسطينيين هي أن خيارهم السياسي له معنى، وهو ما قد تكون له، برأيه، تداعيات أكبر مما يبدو للوهلة الأولى.
ويطرح باسكين مثالًا لشاب فلسطيني لم يصوّت يومًا في انتخابات وطنية، ونشأ في ظل مفاوضات فاشلة، ومستوطَنات توسعت، وجولات متكررة من العنف، وحكومات إسرائيلية قالت إنه لا يوجد شريك فلسطيني، ثم يُطلب منه اليوم الاختيار بين حركات سياسية تعرض رؤى مختلفة جذريًا للمستقبل.
وبرأي الكاتب، سيكون السؤال الطبيعي لهذا الناخب: إذا اختار الفلسطينيون مسارًا سياسيًا غير عنيف، فهل سيقودهم ذلك إلى نتيجة أصلًا؟
ويرى باسكين أنه إذا كان الرد الإسرائيلي هو الصمت، وإذا اقتنع الفلسطينيون بأن إسرائيل سترفضهم بصرف النظر عمّن ينتخبون أو السياسات التي يتبنونها، فسيصبح من الأصعب إقناعهم بأن للدبلوماسية جدوى.
أما إذا قال قائد إسرائيلي بارز بوضوح إن الفلسطينيين الذين ينتخبون قيادة ملتزمة فعلًا بالسلام سيجدون شريكًا إسرائيليًا، فإن المعادلة تتغير، وفق رؤيته.
لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن مثل هذا التصريح لا يضمن السلام، لأن لا شيء قادر على ضمانه، وإنما يعيد، بحسب تعبيره، مبدأ أساسيًا تقوم عليه أي عملية سياسية، وهو أن للخيارات السياسية نتائج سياسية.
ويتوقع باسكين أن يكون لهذا الموقف صدى على الساحة الدولية أيضًا، في ظل ما يصفه بوضع دبلوماسي شديد الصعوبة تواجهه إسرائيل، مع تصاعد الانتقادات لسياستها في عدد من الدول والمؤسسات الدولية وبين فئات شابة حول العالم.
ويقول إن من الممكن النقاش في مدى عدالة هذه الانتقادات أو دوافعها، لكن يصعب، برأيه، تجاهل تراجع مكانة إسرائيل الدولية، معتبرًا أن القضية تجاوزت العلاقات العامة وأصبحت مسألة استراتيجية.
ويرى أن قائدًا إسرائيليًا يعلن أن بلاده لا تزال مستعدة للسعي إلى سلام حقيقي مع قيادة فلسطينية ملتزمة فعلًا بالسلام سيبعث أيضًا برسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن إسرائيل لم تتخلَّ عن احتمال وجود مستقبل سياسي لا يقوم على حرب دائمة.
إلا أن باسكين يعتبر أن الدلالة الأهم ليست دولية، بل ما يمكن أن يفعله هذا الخطاب داخل العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ويؤكد أن إسرائيل لا تستطيع اختيار قادة الفلسطينيين بدلًا منهم ولا ينبغي لها أن تحاول ذلك، لكن على قادتها، وفق طرحه، إدراك أن تصريحاتهم تؤثر في النقاش السياسي الفلسطيني، تمامًا كما تؤثر الخطابات الفلسطينية في المجتمع الإسرائيلي.
ويستعيد باسكين سؤالًا طرحه الإسرائيليون لعقود: "أين الشريك الفلسطيني؟"، ليقول إن عددًا متزايدًا من الفلسطينيين باتوا، في المقابل، يسألون: إذا اخترنا طريقًا مختلفًا، فهل سيكون هناك شريك إسرائيلي؟
وفي نظره، تخلق الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول والانتخابات الفلسطينية في تشرين الثاني لحظة نادرة سيتخذ خلالها الطرفان قرارات سياسية في توقيت متقارب للغاية.
ويشدد الكاتب على أنه لا يمكن معرفة ما سيختاره الناخبون على أي من الجانبين، لكنه يرى أنه يمكن قبل ذلك تثبيت مبدأ واحد: إذا اختار الفلسطينيون قادة ملتزمين فعلًا بالسلام مع إسرائيل، فيجب أن تكون إسرائيل مستعدة للقائهم.
ويخلص باسكين إلى أن هذه الخطوة، وفق رؤيته، "ليست اتفاق سلام، وليست تنازلًا"، بل مجرد فتح باب أمام مستقبل مختلف، معتبرًا أن فتح الباب قد يكون أحيانًا نقطة البداية لأي مسار جديد.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|