تغييرُ وجه لبنان؟ الحل ليس وشيكاً!
تقرير ديبلوماسي وسياسي أعدّه باحثون بطلب من مركز بحثي غربي، رأى «أنّ الاعتداء الإسرائيلي الدائم على جنوب لبنان، وما يسفر عنه من قتل ودمار واسع لم يُبقِ حجراً على حجر، غيّر معالم الأرض في هذه المنطقة وسمَّم تربتها، لن يستطيع مهما اشتدّت وطأة الخسائر على «حزب الله» وبيئته، فرض حل بشروط تل أبيب وواشنطن، وأنّ النجاح الذي ستحققه هذه العملية المستمرة، سيفضي إلى توليد أحقاد متنامية، وشعور بالقهر لدى فئة من اللبنانيّين لا تقوى على شيء حالياً، سوى العضّ على جرحها، وانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض، أو توسّل سبل جديدة للتعبير عن الحال التي ترسف فيها».
ويُضيف التقرير، أنّه بصرف النظر عن الاتهامات التي تكال للحزب على قاعدة إعلانه حرب الإسناد لغزة (8 تشرين الأول 2023) متجاوزاً الدولة اللبنانية، والتدخّل في الحرب الأميركية - الإيرانية (6 إلى 9 آذار 2026)، رداً على اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي الخامنئي، على رغم من وجود اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، فإنّ ما قامت به إسرائيل يؤكّد نيّتها التوسعية في إطار خطتها الاستراتيجية الهادفة إلى شلّ كل قدرات دول ومناطق الطَوق المحيطة بها، ومنعها من امتلاك أسباب القوّة بكل الوسائل الممكنة. اقرأكتب التاريخ
فبعد إبادة غزة، ترويض الضفة الغربية، والتلويح بورقة «الترانسفير» في وجه مصر والأردن، جاء دور لبنان، وتحديداً جنوبه. فالجنوب اليوم منطقة جرداء، مكشوفة، خالية من أي أثر للحياة، وهي لن تكون قابلة لاستعادتها حتى لو انسحب الجيش الغازي. وينطلق التقرير في تحليله من سعي «... لإيجاد واقع جديد يربط الجنوب بالجولان السوري، حيث أقامت إسرائيل وتقيم بنى تحتية لإطلاق مشروعات مائية وكهربائية، ومنشآت سياحية وترفيهية، تجعل منها القوّة الاقتصادية الأكثر اقتداراً في المنطقة، خصوصاً إذا صحَّت التقديرات بوجود الغاز والنفط فيها. ولعلّ هذا ما يفسّر استمرار دعمها للحالة التمرُّدية في السويداء ضدّ الدولة السورية، وتقديم المساندة لمعارضي النظام الجديد برئاسة أحمد الشرع.
على أنّ هذا الربط، ومحاولة الإفادة من موقع لبنان الجنوبي المطل على المتوسط، والحاضن لثروات وإمكانات، لاسيما في مجالَي الزراعة والسياحة، بغرض توفير حماية عسكرية وأمنية للدولة العبرية من خلال منطقة مجرَّدة من السلاح إلّا من جيش الاحتلال، وميليشيات محلية هي في طور الإعداد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استنساخ تجربة «جيش لبنان الجنوبي»، يحتل صدارة الاهتمام الذي يحرّك الدولة العميقة في تل أبيب.
ويشير التقرير، إلى «أنّ تل أبيب تسابق الوقت، وتسعى بكل ما أوتي لها من قوّة من أجل ترسيخ هذا الواقع الجديد، وفرض معادلات على الأرض قبل أن تتبدَّل الأجواء والمعطيات الدولية والإقليمية». ويضيف التقرير: «لقد باتت صيغة الإطار واجتماعات روما، ولقاءات الوفدَين العسكريَّين اللبناني والإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية، غير ذات جدوى، وأنّ ما تحقق حتى الآن على الأرض في النبطية وسواها، لا يعدو كونه مرهماً لن ينفع في مداواة الجرح الكبير والدمار الأكبر».
ويلمّح التقرير: «إنّ إسرائيل، وخصوصاً تحت مظلة متطرّفيها الحاكمين بأمرهم، وعلى رغم من أنّ يساريّيها في الماضي لم يكونوا أقلّ تطرُّفاً، لا تعيش إلّا على الحروب وإثارتها والمضي فيها، ولو بأساليب شتى. وبالتالي، فإنّ السلام معها احتمال وفرضية وليس قدراً لأنّها ترفض السلام العادل، ولا تعترف أصلاً بالقضية الفلسطينية التي هي السبب الرئيس لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط بعد زرع إسرائيل جسماً غريباً ومصطنعاً فيه في العام 1948».
من هنا يخلص التقرير إلى الآتي:
1- «مع أهمية موضوع حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، فإنّ تل أبيب لن تقبل إلّا بمناطق واسعة من الجنوب، تحتفظ بحق الإشراف العسكري والأمني عليها، بذريعة ضمان وجودها ضدّ أي خطر استراتيجي يستهدفها».
2- «إنهاء صيغة حل الدولتَين، وعدم ربط اتفاقات أبراهام بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وإسقاط حق العودة المنصوص عنه في القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة».
3- «تقليم القدرات الاقتصادية والطاقات العربية والإسلامية امتداداً إلى تركيا، وإبقاؤها في تعثر دائم يقطع الطريق على امتلاك العرب وسائل الردع أو على الأقل الدفاع العسكري، وإلزامها بشراكات اقتصادية ومالية مباشرة وغير مباشرة، تكون الكفة الراجحة فيها لتل أبيب. وهذا يعني حرمانها من ورقة الاستقلالية والقرار السياسي الحر».
4- «فرض التطبيع بكل أشكاله ومجالاته، وإنهاء حال العداء لإسرائيل، خصوصاً على المستوى التربوي والثقافي والإعلامي».
إنّ الأزمة القائمة اليوم تتعلّق بتغيير وجه لبنان وهويّته، وهي تعكس صراعاً لا هوادة فيه بين خيارات استراتيجية ومصيرية، ووراء كل فريق قوى كبرى ووازنة تدير اللعبة من خلف الستار، ولذلك من المبكر القول إنّ لبنان سيتجاوز محنته قريباً، لأنّ أي حل لا يحظى بإجماع أو شبه إجماع أبنائه من كل الأطياف، سيتسبَّب بتداعيات داخلية مكلفة الثمن.
جوزف القصيفي - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|