قائد الجيش بحث مع بارو في التطوّرات والبدائل ما بعد "اليونيفيل"
أبي رميا من مجلس الشيوخ الفرنسي: لبنان لا يعاني نقصاً في النصوص الدستورية بل في تطبيقها
شارك النائب سيمون أبي رميا، رئيس لجنة الصداقة البرلمانية اللبنانية الفرنسية في مجلس النواب اللبناني، في الندوة التي نظمتها لجنة الصداقة البرلمانية الفرنسية اللبنانية في مجلس الشيوخ الفرنسي، في باريس، لمناسبة مرور مئة عام على صدور الدستور اللبناني، تحت عنوان: «1926–2026: رؤى فرنسية لبنانية متقاطعة حول الإرث الدستوري، ودولة القانون، وآفاق التطوير المؤسسي».
وفي مداخلته، تحدث النائب سيمون أبي رميا عن واقع الدستور اللبناني، معتبراً أن السيادة الدستورية ودولة القانون تواجهان تحديات جدية نتيجة التدخلات السياسية، وهيمنة المنطق الطائفي على جانب أساسي من الحياة السياسية اللبنانية.وأوضح أنه، من خلال تجربته النيابية، تبيّن له أن الإشكالية اللبنانية لا تكمن فقط في مضمون النصوص الدستورية، بل أيضاً في عدم تنفيذ عدد كبير من أحكامها، وفي وجود ثغرات والتباسات في تفسير بعض موادها.
وفي هذا السياق، أشار إلى عدد من الإصلاحات التي نص عليها اتفاق الطائف ولم تستكمل، وفي مقدمتها إلغاء الطائفية السياسية، وإقرار اللامركزية الإدارية، ومعالجة الإشكاليات المرتبطة بالقانون الانتخابي ومدى انسجامه مع روح اتفاق الطائف ومندرجاته، فضلاً عن عدم إنشاء مجلس الشيوخ الذي يشكل أحد الإصلاحات المطروحة في هذا الإطار.
واعتبر أن عدم تنفيذ هذه الاستحقاقات الإصلاحية أبقى عدداً من الإشكاليات البنيوية في النظام السياسي اللبناني، وأضعف القدرة على تطوير المؤسسات وفقاً لما تقتضيه النصوص الدستورية.
وتوقف أبي رميا عند بعض المواد الدستورية التي تتسم بالغموض أو تحتمل تفسيرات متعددة، معتبراً أن هذا الالتباس أتاح، في مراحل سابقة من تاريخ لبنان، هامشاً للتدخل والهيمنة السورية على مفاصل الحياة السياسية، ولا سيما في ظل الخلافات بين القوى السياسية اللبنانية حول تفسير النصوص الدستورية وتطبيقها. وأشار إلى أن استمرار الغموض في بعض الأحكام الدستورية ساهم في دفع القوى السياسية إلى تجاوز الأطر الدستورية، واللجوء إلى التفاهمات والتسويات السياسية لمعالجة الخلافات، بدلاً من الاحتكام إلى النصوص والمؤسسات.
ورأى أن هذه التسويات، وإن كانت تُعتمد أحياناً لتجاوز الأزمات، قد تتحول إلى وسيلة لتغليب مصالح القوى السياسية على أحكام الدستور، الأمر الذي يضعف المرجعية الدستورية ويكرّس منطق التوافقات الظرفية على حساب انتظام عمل المؤسسات.
ولفت إلى مفارقة أساسية في التجربة اللبنانية، تتمثل في أن لبنان يمتلك نصوصاً دستورية وقانونية متقدمة من حيث الصياغة والمبادئ، لكنه يعاني في المقابل من ضعف الالتزام بتطبيقها. فالمشكلة، بحسب ما أوضح، ليست دائماً في غياب القواعد، بل في عدم احترامها أو تجاوزها عندما تتعارض مع المصالح والتوازنات السياسية القائمة.
وفي معرض حديثه عن آفاق الإصلاح، شدد أبي رميا على ضرورة إعادة النظر في عدد من مواد الدستور اللبناني، خصوصاً تلك التي أثبتت التجربة العملية صعوبة تطبيقها أو أظهرت غموضاً في تفسيرها.
ورفض المنطق القائل إن تعديل بعض المواد الدستورية قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في الدستور برمته أو المساس بجوهر النظام اللبناني، معتبراً أن مراجعة النصوص وتطويرها بما يتلاءم مع التجربة العملية يشكلان ممارسة طبيعية في الأنظمة الدستورية، عندما تظهر الحاجة إلى إزالة الغموض أو معالجة الثغرات أو تحسين آليات العمل المؤسساتي.
كما أشار إلى أن النواب الساعين إلى إقرار التغيير والإصلاح يصطدمون، في كثير من الأحيان، بما وصفه بـ«الدولة العميقة»، التي تعيق مسار الإصلاحات وتحدّ من القدرة على إحداث التغييرات المطلوبة.
وأكد أن تجاوز هذه العقبات يتطلب إرادة سياسية جدية، وإعادة الاعتبار للدستور باعتباره المرجعية العليا التي ينبغي أن تنظم الحياة السياسية والعلاقة بين المؤسسات، بدلاً من إخضاعه للتسويات والمصالح السياسية.
وأثنى أبي رميا على النشاطات والمبادرات التي تقوم بها فرنسا تجاه لبنان والتي تعكس مدى تعلقها بلبنان وعمق الروابط التاريخية والسياسية والثقافية بين البلدين، مشدداً على أهمية مواصلة هذه العلاقة وتعزيز التعاون بين المؤسسات البرلمانية والقانونية في البلدين.
كما نوّه بالدور الذي يؤديه سفير لبنان في باريس، الأستاذ ربيع الشاعر، مشيداً بنشاطه وحيويته وبالجهود الجدية التي يبذلها من خلال مواكبته مختلف النشاطات السياسية والاجتماعية في فرنسا، بما يسهم في إبقاء لبنان حاضراً في الحياة العامة الفرنسية وتعزيز التواصل مع مختلف الجهات المعنية بالشأن اللبناني. وتوقف أبي رميا عند أهمية التعاون المهني والقانوني بين لبنان وفرنسا، مشيراً إلى الاتفاق المرتقب بين وزارتي العدل في لبنان وفرنسا، الذي من شأنه إتاحة المجال أمام المحامين اللبنانيين والفرنسيين، وفقاً للمعايير والشروط التي ستُحدّد لاحقاً، للمرافعة في البلد الآخر.
واعتبر أن هذه الخطوة تمثل تعبيراً إضافياً عن عمق العلاقات القانونية والمؤسساتية بين البلدين، ولا سيما أن النظام القانوني اللبناني تأثر تاريخياً بالتجربة الفرنسية، سواء على مستوى التشريعات أو المبادئ القانونية أو تنظيم المؤسسات القضائية.
ورأى أن تعزيز التعاون بين المحامين والمؤسسات القانونية في لبنان وفرنسا من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة لتبادل الخبرات وتطوير الممارسة القانونية، ويعزز الروابط التاريخية بين النظامين القانونيين.
وفي ختام مداخلته، أعرب أبي رميا عن أمله في أن تتمكن اللجنة الاستشارية التي شكّلها رئيس الجمهورية لدراسة الثغرات والإشكاليات في الدستور اللبناني من استكمال مهمتها حتى النهاية، والاستفادة من الخبرات القانونية والدستورية التي يضمها أعضاؤها، وصولاً إلى اقتراح الإصلاحات اللازمة.
وأكد أن التجربة التي عاشها لبنان منذ إقرار اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية المرتبطة به عام 1990، وما تلاها من تطبيق عملي للنظام الدستوري، تفرض مراجعة موضوعية للتحديات التي ظهرت خلال العقود الماضية، وتحديد الإصلاحات الضرورية لضمان وضوح النصوص وفاعلية المؤسسات واحترام الدستور.
وشدد على أن المطلوب ليس المساس بأسس النظام اللبناني، بل معالجة مكامن الخلل التي كشفت عنها الممارسة، بما يسمح بتعزيز دولة القانون، وتطوير الحياة الدستورية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات باعتبارها الإطار الطبيعي لإدارة الاختلافات السياسية.
وتخللت الندوة مداخلات تناولت نشأة الدستور اللبناني وتطوره، قدمها المحامي ميشال قليموس، عضو الهيئة الاستشارية القانونية لدى رئاسة الجمهورية اللبنانية، إضافة إلى عرض للأستاذ ماثيو ديسان، أستاذ القانون العام في جامعة باريس الأولى – بانتيون سوربون، حول الرقابة على دستورية القوانين والتجربة الفرنسية في مجال المسألة ذات الأولوية الدستورية.
كما تناول الأستاذ أوليفييه ماريكور، المحامي في نقابة محامي ليل والنقيب المنتخب للفترة 2027–2028، دور المحامي في حماية الحقوق والحريات وترسيخ دولة القانون، فيما عرض القاضي شكري صادر، الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة اللبناني، دلالات مقدمة الدستور ومبادئ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، وانعكاسات اتفاق الطائف على العلاقة بين رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، وآفاق التطوير المؤسسي في لبنان.
واختُتمت الندوة بكلمة السيناتورة سيلفي فالانت-لو هير، عضو مجلس الشيوخ الفرنسي عن مقاطعة واز وعضو فريق الصداقة البرلمانية الفرنسية اللبنانية.
وشارك في الندوة التي رعاها رئيس مجلس الشيوخ السناتور جيرار لارشيه عدد من الشخصيات البرلمانية والدبلوماسية والقانونية والأكاديمية من البلدين، في مقدمتهم رئيسة لجنة الصداقة البرلمانية الفرنسية اللبنانية في مجلس الشيوخ السيناتورة كريستين لافارد، والسيناتور الفرنسي من أصل لبناني خليفة خليفة، وسفير لبنان لدى فرنسا الأستاذ ربيع الشاعر، والنائبين فريد البستاني ووليد البعريني إلى جانب عدد من الخبراء والمتخصصين في القانون الدستوري.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|