نفق في العاقورة يثير الشبهات.. ماذا أعلن الجيش بعد الكشف عليه؟
قرار "المجلس الدستوري" يتفاعل: مَنْ يحمي الودائع
أعاد المجلس الدستوري، بقراره الصادر في 20 تشرين الأول 2026، قانون إصلاح المصارف إلى دائرة النقاش القانوني والاقتصادي. فقد قبل بالإجماع الطعن المقدّم من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وأبطل المادة الثالثة من القانون الرقم 71 الصادر في 10 أيلول 2026، المعدّل للقانون الرقم 23/ 2025 المتعلق بإصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، بالإضافة إلى عبارتين في المادتين 19 و27.
واستند إبطال المادة الثالثة إلى عدم إقرارها وفق الأكثرية النيابية المطلوبة، ما أبقى النص الأصلي الذي يحيل إلى قانون النقد والتسليف قائماً، من دون حسم الخلاف حول توزيع الصلاحيات في عملية إعادة الهيكلة.
كذلك، أبطل المجلس عبارة تجيز منع السفر بقرار إداري، تأكيداً لوجوب احترام الضمانات القضائية، وألغى عبارة تمنح موظفي المصارف حماية واسعة من الملاحقات القضائية. وهذا يعزّز حق المتضرّرين في التقاضي، من دون أن يعني حكماً ثبوت مسؤولية الموظفين.
لكنّ أهمية القرار تتجاوز الأحكام المبطلة. فهو يؤكّد أنّه الضرورات المالية لا تبرّر تجاوز الدستور والحقوق الفردية، ويعيد طرح السؤال الأساسي: هل الهدف إصلاح المصارف لاستعادة أموال المودعين، أم إنقاذ المؤسسات المصرفية من نتائج الأزمة؟
الأزمة أكبر من القطاع المصرفي
منذ عام 2019، جرى التعامل مع الانهيار كأنّه أزمة سيولة يمكن احتواؤها بالتعاميم والقيود على السحوبات. لكنّ الوقائع كشفت أزمة ملاءة ومسؤوليات مترابطة. فالمصارف وظّفت قسماً كبيراً من أموال زبائنها لدى مصرف لبنان وفي الدين العام. والمصرف المركزي راكم التزامات ضخمة نتيجة سياساته النقدية، فيما استفادت الدولة من نموذج اقتصادي قائم على الاستدانة والإنفاق غير المستدام.
وعندما انهار هذا النموذج، وجد المودع نفسه الحلقة الأضعف. فهو لم يتّخذ القرارات النقدية، لم يضع الموازنات العامة، ولم يدرِ المخاطر المصرفية، لكنه تحمّل النتائج بحرمانه من التصرّف الحرّ بأمواله. وهنا تكمن المشكلة القانونية والأخلاقية: لا يجوز أن يتحوّل عجز المؤسسات عن الوفاء بالتزاماتها إلى مبرّر لإسقاط حقوق أصحاب الودائع. فالوديعة دَين مستحق على المصرف، وليست مساهمة في رأسماله. والمودع لم يقبل بتحمّل مخاطر الملكية مقابل المشاركة في أرباحها.
قانون ضروري بضمانات ناقصة
يتضمّن قانون إصلاح المصارف مبدأً ضرورياً، يتمثّل في إخضاع المؤسسات المصرفية لتقييم شامل يحدّد أوضاعها الفعلية، ويميز بين المصارف القابلة للاستمرار، وتلك التي تحتاج إلى دمج أو تصفية. كما يوفّر أدوات لإعادة الرسملة ونقل الموجودات والالتزامات ومعالجة المصارف المتعثّرة، بدلاً من استمرارها في وضع استثنائي مفتوح.
وهذه خطوات أساسية لاستعادة الانتظام المالي. فلا يمكن بناء اقتصاد سليم بقطاع مصرفي عاجز عن أداء وظائفه، ولا يجوز إبقاء مؤسسات متعثّرة تعمل بصورة شكلية إلى أجل غير محدد. لكنّ نجاح القانون يتوقّف على تطبيقه، فإعادة الرسملة يجب ألا تتحوّل إلى فرض أسهم مجهولة القيمة على المودعين، والتصفية يجب ألا تصبح وسيلة لإسقاط المطالبات، فيما ينبغي أن يستند تقييم الأصول إلى معايير مستقلة وشفافة تمنع تضخيم الخسائر. والقاعدة الأساسية، أن يتحمّل رأس المال المخاطر أولاً، قبل الانتقال إلى حقوق الدائنين وفق التراتيبية القانونية العادلة.
الودائع أولاً... لا في نهاية الطريق
تكمن الثغرة الأكبر في أنّ قانون إصلاح المصارف لا يقدّم بذاته خطة واضحة لاسترداد الودائع. فقد تُرِكت المعالجة الأساسية لقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة المالية، والمرتبط بمسار إعادة الهيكلة.
وهذا الفصل يثير مخاوف مشروعة، إذ قد يُحدّد مصير المصارف قبل أن يعرف المودعون كيف سيستردّون أموالهم ومتى. والمطلوب خطة متكاملة تحدّد الموجودات والخسائر، ومسؤولية الدولة ومصرف لبنان والمصارف،
وأليات السداد ومواعيده. ولا يكفي الحديث عن حماية المئة ألف دولار الأولى، إذا بقي مصير المبالغ الأعلى مجهولاً. فصاحب وديعة بمليون دولار ليس بالضرورة مضارباً أو صاحب ثروة ضخمة، بل قد تكون أمواله حصيلة عمر من العمل، تعويض تقاعد، ثمن عقار، أو رأسمال مؤسسة تؤمّن فرص عمل لعشرات العائلات.
لذلك، لا يجوز اعتبار الودائع الكبيرة تلقائياً أموالاً قابلة للشطب. ويمكن إعطاء أولوية زمنية للسداد لأصحاب الودائع الصغيرة والحالات الاجتماعية الملحة، لكن من دون إلغاء حقوق الآخرين أو التمييز التعسفي بينهم.
مَن يتحمّل كلفة الانهيار؟
تبدأ العدالة المالية بتحديد المسؤوليات، لا بتوزيع الخسائر على الحلقة الأضعف. فالمساهمون يتحمّلون مخاطر ملكيتهم، ويجب استنفاد حقوقهم الرأسمالية وفق التراتيبية القانونية، قبل تحميل الدائنين خسائر إضافية. كذلك، ينبغي التحقيق في المخالفات المحتملة والتحويلات غير المشروعة والممارسات التي ساهمت في إخفاء الخسائر أو الإضرار بحقوق المودعين، مع احترام الأصول القضائية وقرينة البراءة.
لكنّ مسؤولية المصارف لا تلغي مسؤولية مصرف لبنان والدولة. فمن غير المقبول تجاهل الالتزامات المترتبة على المصرف المركزي، ثم التعامل معها باعتبارها خسائر نهائية يتحمّلها المودعون وحدهم.
في المقابل، لا يجوز تحميل الخزينة التزامات تفوق قدرتها الفعلية، فتتحوّل المعالجة إلى ضرائب وتضخّم جديدين يدفع المواطنون ثمنها. والمطلوب تحديد الموارد القابلة للتوظيف بصورة واقعية، بما فيها الموجودات والعائدات المستقبلية الممكنة، ضمن برنامج طويل الأجل يحافظ على المال العام ويخضع للرقابة.
والأهم ألا تُشطب المطالبات غير المسدّدة بقرار إداري، أو بتحويل قسري إلى أدوات مالية لا تضمن استرداد قيمتها.
وكتبت نوال أبو حيدر في" اللواء": لم يكن الطعن الذي تقدم به رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام المجلس الدستوري ضد المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف مجرد إجراء شكلي أو نزاع قانوني عادي حول حدود صلاحيات حاكم مصرف لبنان، بل جاء ليعكس عمق الأزمة البنيوية التي تحكم الرؤية
اللبنانية لإدارة التعافي المالي. فبينما تتمسك الحكومة على لسان وزير المالية ياسين جابر، بالمضي قدما في تنفيذ القانون بوقائع التشريع الحالية استجابة لمتطلبات صندوق النقد الدولي وتحسبا لتشديد ضغوط اللوبيات المصرفية، يفتح الملف على سؤال أعمق يتجاوز التنازع الدستوري بين السلطة التنفيذية والبنك المركزي: هل يمكن لمنظومة رقابية كانت طرفا ومسببا في الخسائر أن تتولى بنفسها مهام إعادة الهيكلة وتوزيع الأعباء؟
إن معالجة التعثر المصرفي عبر إسناد القرار كاملا لمصرف لبنان تثير تضاربا صريحا في المصالح، كونه طرفا أساسيا في الفجوة المالية المتراكمة. ومن الناحية المؤسسية، يتطلب التأسيس لتعافٍ حقيقي الفصل التام بين وظيفة الرقابة السابقة ووظيفة تسوية التعثر، من خلال إنشاء سلطة مستقلة تتمتع بالحوكمة والتدقيق الخارجي، وتستند في قراراتها الجراحية إلى تقييمات موضوعية تضمن تحميل الخسائر أولاً للمساهمين تحصينا للقرارات أمام القضاء.
وفي النهاية، يظل التسلسل الإصلاحي هو الحاكم، إذ لا يمكن استكمال هيكلة عادلة قبل إقرار قانون الانتظام المالي وتحديد الفجوة بدقة، لكي لا تحيد العملية عن مقصدها وتتحول إلى أداة لإعادة توزيع خسائر الأزمة على حساب المودعين.
تضارب المصالح: لماذا تُستبعد حصرية القرار؟
من هذا المنطلق، وحول من يملك فعليا قرار إعادة هيكلة المصارف في لبنان، يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور وليد أبو سليمان، لصحيفة «اللواء» إن «المشكلة ليست في هوية الجهة التي تتولى إعادة الهيكلة فحسب، بل في استقلالية القرار وآليات المساءلة. فمصرف لبنان يضطلع بدور محوري في السياسة النقدية والرقابة المصرفية، فيما تثير معالجة تعثر المصارف تضاربا محتملا في المصالح، نظرا إلى أن المصرف المركزي نفسه طرف أساسي في الفجوة المالية المتراكمة».
ويتابع: «من الناحية المؤسسية، لا يُستحسن جمع وظائف الرقابة السابقة للتعثر، وتحديد الخسائر، واتخاذ قرارات التصفية في يد جهة واحدة من دون ضوابط مستقلة. والأفضل إنشاء سلطة متخصصة لحلّ أوضاع المصارف المتعثرة، تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، وتعمل وفق معايير قانونية ومالية واضحة، مع إخضاع قراراتها للرقابة القضائية والمحاسبة». معتبرا أن «المطلوب اليوم المطلوب ليس إقصاء مصرف لبنان، بل الفصل بين وظيفة الرقابة ووظيفة تسوية التعثر، مع منع تضارب المصالح. فالثقة بإعادة الهيكلة لا تُبنى على صلاحيات واسعة فحسب، بل على شفافية المعايير واستقلالية القرار وقابلية التحقق من سلامته».
الرقابة القضائية والتناسب: ضمانة التحصين لا التعطيل
وعن كيفية تحصين قرارات الهيكلة والتصفية قانونيا من دعاوى المساهمين ومجالس الإدارة، يشرح أبو سليمان أنه «لا توجد آلية قانونية تضمن منع الطعون القضائية بصورة مطلقة، ولا ينبغي أن يكون ذلك هدف التشريع أصلا. المطلوب هو بناء إطار قانوني يجعل القرارات قابلة للدفاع عنها أمام القضاء، ويحدّ من فرص إبطالها بسبب عيوب إجرائية أو تجاوز الصلاحيات. ويقتضي ذلك تحديدا تشريعا دقيقا لصلاحيات الجهة المختصة، ومعايير موضوعية لتصنيف المصارف وتقييم أصولها والتزاماتها، وتوثيق القرارات بتقارير مستقلة ومعلّلة، وضمان حق الأطراف المعنية في الاطلاع والاعتراض ضمن مهل وإجراءات محددة. كما ينبغي النص على وسائل طعن متخصصة وسريعة، من دون أن تتحوّل المراجعات القضائية إلى وسيلة لتعطيل معالجة المصارف المتعثرة».
ويضيف: «أما الاحتجاج بالملكية الخاصة، فلا يعني أن المساهمين يملكون حقا مكتسبا في حماية قيمة استثماراتهم رغم الإعسار. وفي المقابل، لا يجيز للدولة مصادرة الحقوق أو تحميل المساهمين خسائر تتجاوز ما يقتضيه القانون. التحصين الحقيقي يأتي من مشروعية القرار وتناسبه واحترام الأصول القانونية، لا من تحصينه ضد الرقابة القضائية».
استقلالية القرار: الحصانة القانونية ضد الضغوط والمحاصصة
وحول موضوع كيفية اتخاذ سلطة مستقلة قرارات قاسية بعيدا عن المحاصصة السياسية وضغط لوبي المصارف، يشدّد أبو سليمان على أن «إنشاء سلطة مستقلة شرط ضروري، لكنه غير كاف. فالاستقلال الفعلي يتطلب نظام حوكمة يمنع التدخل السياسي والمصالح الخاصة في التعيينات والقرارات التشغيلية. ويفترض أن تضم هذه السلطة أعضاء يتمتعون بالكفاءة والخبرة، يُعيّنون وفق معايير معلنة وآليات شفافة، مع تحديد ولاياتهم وأسباب إقالتهم وحالات تضارب المصالح. كما يجب إخضاعها للتدقيق المستقل، ونشر قراراتها وأسبابها ضمن الحدود التي تحمي الاستقرار المالي وسرية المعلومات».
ويتابع: «أما القرارات الجراحية، مثل شطب رأس المال أو فرض إعادة الرسملة أو تصفية مصرف، فيجب أن تستند إلى تقييمات مستقلة للأصول والالتزامات، واختبارات للملاءة والسيولة، وتسلسل قانوني واضح لتحمّل الخسائر. ويجب أن يتحمّل المساهمون الخسائر أولا، قبل تحميلها للدائنين وفق ترتيب المطالبات القانوني، مع مراعاة الضمانات المقررة للمودعين».
وعليه، يرى أنه «لا تستطيع أي هيئة إلغاء النفوذ السياسي بقرار إداري، لكنها تستطيع تقليص أثره حين تكون صلاحياتها محددة بقانون، ومعاييرها قابلة للتحقق، وقراراتها معلّلة، ومحاسبتها فعّالة. كما أن وجود ضمانات للمراجعة القضائية لا يتعارض مع استقلالية الهيئة، بل يعزز شرعيتها».
التسلسل السليم: حماية المودعين أولاً
وعن إذا كان من الممكن إعادة هيكلة المصارف قبل إقرار قانون الانتظام المالي وتحديد الفجوة المالية، يوضح أبو سليمان أن «من الممكن البدء بالخطوات الفنية والرقابية اللازمة لتقييم المصارف، لكن لا يمكن استكمال إعادة هيكلة عادلة وشاملة بمعزل عن إطار قانوني واضح لتحديد الخسائر وتوزيعها. فإعادة الهيكلة تستلزم معرفة القيمة الاقتصادية الفعلية للأصول، وحجم الالتزامات، والخسائر المتراكمة، وقدرة كل مصرف على الاستمرار بعد إعادة الرسملة. أما قانون الانتظام المالي، فيجب أن يحدد كيفية معالجة الفجوة المالية، وترتيب المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، بما يتفق مع القواعد القانونية وأولوية المطالبات والقدرة المالية للدولة». ويضيف: «إن المضي في إعادة الهيكلة قبل حسم هذه المبادئ قد يؤدي إلى تقييمات غير متجانسة، أو توزيع غير عادل للخسائر، أو منح بعض المصارف معاملة تفضيلية، أو تحميل المودعين أعباء كان ينبغي أن يتحملها المساهمون أو جهات أخرى وفق الترتيب القانوني. لكن ذلك لا يعني تجميد العمل إلى حين إقرار قانون الفجوة. يمكن بالتوازي إجراء تدقيق مستقل للأصول، وتقييم جودة الموجودات، وتحديد احتياجات الرسملة، وإعداد خطط التعافي والتصفية. على أن تربط القرارات النهائية التي تحدد مصير المصارف وحقوق المودعين بإطار متكامل ومتسق بين القانونين».
ويختم: «التسلسل السليم هو تحديد الخسائر بصورة مستقلة، وإقرار قواعد توزيعها، ثم تنفيذ إعادة الهيكلة على أساس تلك القواعد، مع تحميل المساهمين الخسائر أولا وحماية المودعين وفق القانون. فإعادة الهيكلة ليست مجرد عملية محاسبية لتقليص عدد المصارف، إنها قرار بتوزيع خسائر الأزمة، ويجب ألا تتحول إلى أداة لإعادة توزيعها لمصلحة طرف على حساب آخر».
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|