الصحافة

من السماء إلى الداخل... مراقبة لا تغيب وخطر قد ينفجر في أي لحظة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

على ركام منزل جدّها في بلدة ميفدون، تقف فاطمة ملي، ذات الأعوام العشرة، مستعيدةً لحظات الرعب التي عاشتها حين اقتحمت مسيّرة متفجرة المنزل. كانت تلعب في البهو مع شقيقها، حين ظهرت المسيّرة فجأة، واقتربت منهما قبل أن تفجّر نفسها.
تروي فاطمة ما حصل في حديثها لـِ "المدن": "كنت ألعب مع شقيقي، وفجأة رأيت دروناً تتقدم وتقترب منا. خفت كثيراً وهربت، ثم انفجرت وتطايرت الحجارة باتجاهنا".
لم تكن فاطمة تدرك حجم الخطر الذي تحمله تلك المسيّرة، لكنها لن تنسى مشهد اقترابها وانفجارها. تجربة تختصر وجهاً جديداً من الحرب الإسرائيلية على قرى الجنوب، حيث لم تعد المسيّرات تكتفي بمراقبة المنازل من الجو، بل بات بعضها يقتحمها ويدخل غرفها وساحاتها، قبل أن يفجّر نفسه فيها.
إنها حرب الدرونات، التي تحوّلت فيها سماء القرى إلى مساحة مفتوحة للمراقبة والاستهداف. بعضها مخصّص للتجسس ورصد تحركات السكان، وبعضها الآخر متفجر، وهو الأخطر، إذ يدخل المنازل والمحال والساحات، ويحوّل الأماكن التي يفترض أن توفر الأمان إلى مصادر تهديد. وحتى الآن، نجا كثير من الأهالي من شظاياها وانفجاراتها، لكن، كما يقول علي ملي: "مش كل مرة بتسلم الجرّة".

اقتحام المنازل

قبل ساعتين فقط من انفجار المسيّرة في منزل عائلة ملي، كان المكان يعجّ بنساء الحي والأطفال الذين اعتادوا الاجتماع واللعب فيه. يشير علي ملي في حديثه لـِ "المدن" إلى موضع الانفجار، مستعيداً اللحظات التي كادت تتحول إلى مجزرة. دخلت المسيّرة إلى المنزل، وعبرت من داخله، قبل أن تخرج إلى البرندة وتفجّر نفسها في الساحة.
ولا تقتصر تجربة علي على ما حصل في منزل جده. فهو يروي أيضاً كيف دخلت إحدى المسيّرات إلى منزله، وتجولت في أرجائه بينما كانت العائلة نائمة.
يقول: "الدرونات المتفجرة تأتي مباشرة فوق المنازل وتنفجر فيها. قبل نحو ثلاثة أيام، فجّرت سبع مسيّرات نفسها في البلدة. واليوم أيضاً، دخلت درون إلى منزلي، وأخذت تنتقل من غرفة إلى أخرى، ومن نافذة إلى أخرى، وتحلّق فوق أطباق الإنترنت. لم يعد ينقصنا سوى هذه المسيّرات، بعدما اعتدنا القصف المدفعي والتمشيط والغارات. باتت تشكّل خطراً إضافياً يلاحقنا حتى داخل منازلنا".
بهذا المعنى، لم يعد المنزل مساحة منفصلة عن الحرب. فالمسيّرة التي كانت تُرى في السماء وتُسمع أصواتها من بعيد، باتت قادرة على الدخول إلى الحيز الخاص للعائلة، والتحليق بين الغرف والنوافذ، بما يحمله ذلك من خطر مباشر على حياة السكان وشعورهم بالأمان.

زعزعة الاستقرار واللاأمان

يرى الأهالي أن تكثيف تحليق المسيّرات فوق القرى والمنازل يتجاوز مهمة الرصد العسكري، ليخلق حالة دائمة من الخوف وانعدام الاطمئنان. فالمواطن، وفق وصفهم لـِ "المدن"، بات يشعر بأنه مراقَب أينما كان، حتى داخل منزله، في مشهد يطال خصوصيته ويؤثر في تفاصيل حياته وعلاقاته الاجتماعية.
عند مدخل ميفدون، حطّت مسيّرة على الطريق قبل أن تعاود التحليق. مشهد لم يعد استثنائياً في بلدة تعيش على وقع حرب متواصلة، تتداخل فيها الغارات والقصف المدفعي والتمشيط والاستهدافات، مع دخول المسيّرات المتفجرة على خط التهديد اليومي.
وباتت هذه المسيّرات، كما يصفها الأهالي، "المصيبة الكبرى". فهي تقتحم تفاصيل يومهم، حتى جلساتهم العائلية وأوقات احتساء الشاي. ويقول علي إن المسيّرات باتت تراقب أدق تحركات المواطنين، وتتجول داخل المنازل من دون أن تترك لهم مساحة يشعرون فيها بالخصوصية. ويضيف أن الاستهدافات طالت أيضاً أسطح المنازل، حيث خزانات المياه وأطباق استقبال البث التلفزيوني والإنترنت.
في ميفدون، الواقعة على تخوم النار والمحاذية لبلدة زوطر الشرقية التي تتعرض يومياً للغارات والقصف المدفعي وهجمات المسيّرات، يضاف خطر جديد إلى ما يواجهه السكان. واقع يجعل الحياة في البلدة معلّقة بين الخوف من الاستهداف والإصرار على البقاء.
لقد عاد عدد قليل من الأهالي إلى البلدة، لكن عودتهم لا تعني استعادة حياتهم الطبيعية. فهم يواجهون مخاطر المسيّرات والتهديدات المتواصلة، ويتمسكون بمنازلهم وأرضهم، في ظل شعور بأن ما يجري يهدف إلى دفع السكان نحو الرحيل وإبعادهم عن قراهم.

صامدون في أرضنا

في ساحة ميفدون، يجلس بعض الأهالي ويتبادلون الحديث عن واقع الحرب التي يعيشونها. يصفون المرحلة بأنها من الأخطر، لكنهم يؤكدون أن الاعتداءات، مهما اشتدت، لن تدفعهم إلى مغادرة البلدة.
يقول حسن درويش في حديثه لـِ "المدن": لا الحرب ولا الدرونات ولا القصف المدفعي، ولا حتى المسيّرات المتفجرة، ستبعدنا عن ميفدون. هذا لن يحصل إلا على جثثنا. يستخدم العدو كل تقنياته لتخويفنا وتهجيرنا، لكنه لن ينجح، لأننا أبناء هذه الأرض". ولا يخفي الأهالي خطورة المرحلة التي دخلتها بلداتهم، في ظل مشهد مفتوح على احتمالات التصعيد، ومن دون وضوح بشأن توقيت الحرب أو مآلاتها. ويتزامن ذلك مع تكثيف استخدام المسيّرات المتفجرة واستهداف المنازل والأحياء، بما يضيف وجهاً جديداً إلى الحرب القائمة، ويجعل الخطر حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، لا في مواقع الاستهداف وحدها.

زوطر الغربية: مراقبة دائمة

لا تتوقف حرب المسيّرات عند ميفدون، التي تدفع ثمن موقعها الجغرافي القريب من زوطر الشرقية، حيث تجرف آليات الاحتلال وتدمّر وتفجّر، بل تمتد إلى زوطر الغربية وسائر قرى الجنوب الواقعة عند خطوط المواجهة.
في زوطر الغربية، تستقبلك المسيّرة وترافق تحركاتك، حتى تكاد تشعر بأنها تحلّق فوق رأسك. صوتها بات جزءاً من يوميات الأهالي، يلاحقهم ويذكّرهم بأنهم تحت المراقبة.
يصف بعض السكان البلدة بأنها منطقة مراقبة "خمس نجوم" حيث لا تفلت حركة من الرصد، ويبدو الزائر الجديد تحت أعين المسيّرات منذ لحظة وصوله.
وربما اعتاد الأهالي هذا المشهد وتعايشوا مع "المراقب العدو"، كما يصفونه، لكنه يبقى ضيفاً غير مرحّب به ومصدراً دائماً للقلق والإزعاج. وقد بلغ تأثيره حدّاً بات معه بعض السكان يترددون في استقبال زائر جديد، خشية أن تكون تحركاته مرصودة.
أما فكرة إسقاط المسيّرات، فلا تبدو خياراً مطروحاً لدى الأهالي، لسبب يختصر حجم الرقابة التي يشعرون بأنهم يخضعون لها. يقولون: "إذا ضربتها، بيضربك القناص اللي بيراقبك". هكذا يصف أبناء زوطر الغربية إحساسهم بأن كل تحركاتهم مرصودة، وأن مجرد محاولة مواجهة المسيّرة قد تعرّضهم لخطر أكبر.

الاعتياد قرينُ الخوف

على أنقاض ما تبقّى من منزله في زوطر الغربية، يمضي عباس ياغي معظم نهاره، فيما تظل المسيّرات حاضرة في سماء البلدة. يقول إن الأهالي باتوا يتعايشون مع وجودها، وكأنها أصبحت جزءاً من يومياتهم، ولم يعودوا يتوقفون عند كل مسيّرة تحلّق فوقهم، بعدما صار صوتها ومشهدها مألوفين.
لكن الاعتياد لا يعني زوال الخوف أو الإزعاج. فالشعور بأن هناك من يراقب الإنسان داخل منزله، ويتابع تحركاته وما يفعله، ينتهك خصوصيته ويحرمه الإحساس بأنه في مساحة آمنة وخاصة.
في البداية، كان الناس يخافون من المسيّرات باعتبارها ظاهرة جديدة، أما اليوم فقد اعتادوا وجودها، من دون أن يعني ذلك أنهم تقبلوا ما تفرضه على حياتهم. فالتعايش مع صوتها وتحليقها المستمر لا يلغي القلق من احتمال تحوّلها، في أي لحظة، من أداة مراقبة إلى وسيلة تفجير واستهداف.

القصف والحياة اليومية

في حرب المسيّرات الجديدة، لا يقتصر أثر العمليات الإسرائيلية على الاستهداف العسكري المباشر، هو يمتد إلى إرباك الحياة اليومية وإبقاء السكان في حالة مستمرة من الخوف والقلق. فمن المنزل إلى الحي والساحة، لم تعد هناك مساحة يشعر فيها الأهالي بأنهم خارج دائرة المراقبة أو التهديد.
وبين المسيّرات التي ترصد تحركاتهم وتلك التي تقتحم منازلهم وتفجّر نفسها فيها، يجد سكان القرى الجنوبية أنفسهم أمام واقع أمني ونفسي جديد، يطال تفاصيل العيش ويضع استمرار الحياة الطبيعية أمام اختبار يومي. ومع ذلك، يتمسك كثيرون بالبقاء في منازلهم وقراهم، رغم القصف والتهديدات ومخاطر الاستهداف.
أسئلة تعبّر عن شعور الأهالي بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة حرب لا يعرفون إلى أين تقودهم، ولا متى تنتهي. وبين استمرار الاعتداءات وغياب الضمانات التي تتيح لهم العيش بأمان، تتسع الفجوة بين ما يواجهونه يومياً وما ينتظرونه من دولتهم.
هكذا في الجنوب، ثمة حرب أخرى تتسلل إلى المنازل والنوافذ والساحات، وتحوّل السماء إلى عين مفتوحة لا تغيب. حرب تجعل الإنسان يشعر بأنه مراقَب حتى في أكثر أمكنته خصوصية، وتضع حياته اليومية تحت تهديد قد يأتي من الجو، أو يدخل من نافذة، أو ينفجر في باحة منزله.

رنا جوني - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا