من الطاقة السلمية إلى القنبلة الذرية.. مطالبات قياسية في إيران بالسلاح النووي
تتسع داخل إيران الدعوات المطالبة بالتخلي عن التعهدات السابقة بعدم تطوير أسلحة نووية، والاتجاه نحو امتلاك قنبلة ذرية، في تحول بدأ ينتقل من أوساط المتشددين إلى صلب النقاش السياسي والديني، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من تجدد الحرب مع الولايات المتحدة والجيش الإسرائيلي.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، باتت أصوات رجال دين ومسؤولين إيرانيين تطالب علنًا بتغيير العقيدة النووية للبلاد، معتبرة أن امتلاك السلاح النووي بات ضرورة لإعادة بناء قوة الردع، بعد الحرب التي تعرضت لها إيران خلال العام الماضي.
ونقل التقرير عن علي سباحوند، إمام صلاة الجمعة في مدينة كوهدشت غربي إيران، قوله خلال خطبة الأسبوع الماضي: "يجب أن نمتلك أسلحة نووية حتى نتمكن من قتال أمريكا المجرمة بقوة، إن شاء الله"، وسط هتافات من المصلين رددوا خلالها: "الردع النووي حقنا غير القابل للتصرف".
وتأتي هذه المطالب في وقت تكثف فيه القيادة الإيرانية تحركاتها الدبلوماسية لتجنب اندلاع مواجهة جديدة مع واشنطن وتل أبيب، في ظل تقديرات تشير إلى احتمال تجدد الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
تحول في الموقف من العقيدة النووية
ولسنوات طويلة، تمسكت السلطات الإيرانية علنًا بفتوى المرشد الإيراني السابق علي خامنئي التي تحظر تطوير الأسلحة النووية واستخدامها، باعتبارها مرجعية دينية ملزمة لمؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية والحرس الثوري الإيراني.
لكن التقرير أشار إلى أن وكالات استخبارات غربية رصدت في سنوات سابقة مؤشرات على تخصيب إيران اليورانيوم إلى مستويات تقترب من تلك اللازمة لتطوير سلاح نووي، فيما اتهم مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون طهران بالسعي إلى امتلاك القنبلة، رغم موقفها المعلن.
وفي محاولة لاحتواء هذه المخاوف، توصلت إيران والقوى العالمية عام 2015 إلى اتفاق لتقييد الأنشطة النووية الإيرانية، قبل أن ينسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه بعد ثلاث سنوات.
ويرى محللون إقليميون أن استراتيجية خامنئي السابقة قامت على إبقاء النوايا النووية الإيرانية في منطقة رمادية، بهدف ردع الهجمات دون التحول فعليًا إلى دولة نووية. غير أن هذه المقاربة لم تمنع اندلاع حربين شنتهما الولايات المتحدة والجيش الإسرائيلي ضد إيران منذ يونيو 2025، إحداهما انتهت بمقتل خامنئي في فبراير الماضي.
ونقل التقرير عن الباحث في الشأن الإيراني محمد علي شباني قوله إن طهران وجدت نفسها في وضع دفعت فيه ثمن امتلاك قنبلة نووية من دون أن تمتلكها بالفعل، مضيفًا أن هناك شعورًا متزايدًا داخل إيران بأن غياب هذا السلاح يجعل البلاد عرضة للضغوط والهجمات الأمريكية والإسرائيلية في أي وقت.
كما أشار التقرير إلى أن تصريحات ترامب بشأن تأثير امتلاك إيران سلاحًا نوويًا في طريقة تعامل واشنطن معها قد تعزز هذا التوجه، إذ قال خلال مؤتمر للجمهوريين في سبتمبر الماضي إنه لو كانت إيران تمتلك قنبلة نووية، لكان يتعامل مع مرشدها الأعلى بطريقة مختلفة بدلًا من قصفه.
الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي
وتزايدت داخل إيران، منذ الهجمات الأمريكية والإسرائيلية عام 2025، الدعوات إلى الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تحظر على الدول غير الحائزة للسلاح النووي تطويره.
وخلال الأسابيع الأخيرة، انضم مزيد من الشخصيات السياسية والدينية إلى المطالبين بهذا التوجه؛ الأمر الذي دفع محللين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الأصوات تعكس نقاشًا عفويًا أم تحركًا يحظى بتشجيع من دوائر داخل القيادة الإيرانية.
ولم يتضح بعد ما إذا كان النقاش بشأن تغيير العقيدة النووية قد وصل إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، لكن محسن رضائي، المسؤول الأمني الإيراني البارز، قال في مقابلة مع التلفزيون الرسمي السبت إن القيادة تناقش بالفعل مستقبل هذه العقيدة.
وأضاف رضائي: "لم يُتخذ أي قرار جديد حتى الآن"، موضحًا أن النقاش يدور حول ما إذا كانت إيران ستواصل الالتزام بالعقيدة التي اتبعتها قبل الحرب في حال اندلاع مواجهة جديدة.
وقال خبير الشؤون الخارجية في طهران محمد قادري إن الانسحاب من المعاهدة، الذي كان يُعد سابقًا موقفًا تتبناه أقلية داخل القيادة، بات يحظى بتأييد أوسع، مشيرًا إلى أن أنصاره يرون فيه خطوة ضرورية لتعزيز الردع في مواجهة التهديدات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
ورقة ضغط في المفاوضات
وفي قراءة أخرى لهذه الدعوات، يرى محللون أن إثارة احتمال التحول إلى السلاح النووي في هذا التوقيت قد تكون جزءًا من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى دفع واشنطن نحو اتفاق جديد.
ونقل التقرير عن الباحث في الشأن الإيراني أميد مماريان قوله إن دخول رضائي على خط النقاش، بالتزامن مع جهود الوساطة القطرية المكثفة بين واشنطن وطهران، قد يكون محاولة لاستخدام الملف النووي كورقة ضغط على الإدارة الأمريكية.
وأضاف: "إنهم يلعبون بهذه الورقة: إذا فشلت المفاوضات، فسنسلك طريقًا مختلفًا، وسيكون ذلك مكلفًا لكم".
ولفت التقرير إلى أن انضمام عدد متزايد من أئمة صلاة الجمعة إلى المطالبة بتغيير العقيدة النووية يمثل تطورًا لافتًا، خصوصًا أن هذه الأصوات تتحدى عمليًا الفتوى التي أصدرها خامنئي الراحل.
وقال شباني إن "المحظور قد زال"، معتبرًا أن الأساس الديني للتحول بات موجودًا، فيما يبقى السؤال ما إذا كان ذلك سيتبعه تحول استراتيجي أو سياسي رسمي.
تحذيرات من أن يؤدي التوجه النووي إلى حرب جديدة
في المقابل، لا تزال شخصيات إصلاحية بارزة، بينها الرئيس مسعود بزشكيان والرئيس السابق حسن روحاني، تدعم استمرار العقيدة النووية السلمية لإيران.
وحذر الدبلوماسي السابق كوروش أحمدي، في مقال نشرته صحيفة "شرق" الإصلاحية، من المخاطر الكبيرة للتخلي عن هذه العقيدة، معتبرًا أن التصريحات المتزايدة المؤيدة لامتلاك السلاح النووي تجعل مهمة المسؤولين الساعين إلى منع حرب جديدة أكثر صعوبة.
وأشار إلى أن إيران قد تصبح أكثر عرضة للهجمات قبل أن تتمكن فعليًا من تطوير قنبلة نووية، بدلًا من أن يؤدي إعلان هذا التوجه إلى تعزيز أمنها.
من جهته، قال الخبير في الشأن الإيراني سينا توسي إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت قيادات إيرانية بارزة وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية للبلاد جعلت من الصعب على معارضي الخيار النووي إقناع الرأي العام بجدوى ضبط النفس.
وأضاف أن المشكلة الأساسية التي تواجه أنصار هذا الموقف تتمثل في تفسير ما حققته إيران من بقائها دون العتبة النووية، محذرًا من أن شن هجمات أمريكية جديدة قد يعزز الحجج التي يستند إليها المطالبون بامتلاك السلاح النووي، وهو الهدف الذي تقول واشنطن إنها تسعى إلى منعه.
وفي صلاة الجمعة في طهران الأسبوع الماضي، وصف إمام الصلاة محمد جواد حاج علي أكبري تغيير العقيدة النووية بأنه "مطلب وطني"، قبل أن يردد المصلون شعارًا اعتادوا إطلاقه في التجمعات الرسمية: "الطاقة النووية حقنا غير القابل للتصرف".
ورد الإمام على الهتاف بالقول: "هذا شعار قديم"، قبل أن يضيف مبتسمًا: "لقد تجاوزنا ذلك بكثير".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|