الصحافة

سوريا والتحوّل الأميركي: نحو شروط "أكثر صرامة"؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تفتح نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، التي انتهت بانتزاع الحزب «الديموقراطي» السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، الباب أمام مرحلة جديدة في السياسة الأميركية تجاه سوريا. ويأتي ذلك بعد نحو عامَين امتلكت خلالهما إدارة الرئيس دونالد ترامب هامشاً واسعاً للانفتاح على الإدارة الجديدة، ورفع العقوبات عنها، وسحب القوات الأميركية من الأراضي السورية، وبناء تعاون أمني وسياسي مباشر مع السلطات الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ومع أن سوريا غابت عن الحملات الانتخابية في هذا الاستحقاق، ولا تحتلّ موقعاً متقدّماً في سلّم أولويات الناخب الأميركي، فإن السياسة تجاهها تتقاطع مع ملفات حضرت بقوة في السباق، وفي مقدّمها الحرب على إيران، والعلاقة مع إسرائيل، والإنفاق العسكري، والمساعدات الخارجية، والدور الأميركي في الشرق الأوسط عموماً؛ وهو ما يضع العلاقة التي نسجتها إدارة ترامب بدمشق تحت مجهر المراقبة الدقيق.

وقبل بضعة أشهر من الانتخابات الأميركية، أعدّت «خدمة أبحاث الكونغرس»، وهي جهاز بحثي غير حزبي يتبع السلطة التشريعية، ورقة إحاطة بعنوان «سوريا والسياسة الأميركية»، حدّدت فيها أبرز الملفّات التي يملك المشرّعون قدرة على التأثير فيها، بما فيها تمويل القوات السورية، والمساعدات المدنية، والعقوبات المتبقّية، وعودة البعثة الدبلوماسية الأميركية إلى دمشق، وتنفيذ اتفاق دمج «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والتعامل مع الأقلّيات والمقاتلين الأجانب. وتكشف الورقة، التي جرى تحديثها في الحادي عشر من حزيران الماضي، ووُزّعت على أعضاء «الكونغرس» لمساعدتهم في مناقشة الموازنات والتشريعات والقرارات المتّصلة بسوريا، الخطوطَ العريضة لحدود التعامل الأميركي مع الملف السوري، بما فيه مسائل «مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي والعقوبات». كما تثير تساؤلات لا تزال مطروحة في واشنطن حول مدى شمولية النظام السوري الجديد، وبنية مؤسساته، وطريقة تعاطيه مع المكوّنات الدينية والقومية، ووجود مقاتلين أجانب في صفوف قواته، وعلاقاته بدول الجوار. ويعتبر معدّوها أن مناقشة موازنتَي الدفاع والمساعدات الخارجية لعام 2027، تمنح «الكونغرس» فرصة للتأثير في الموارد والصلاحيات التي تقوم عليها العلاقة مع دمشق، ولمراقبة تنفيذ اتفاق دمج القوات الكردية -الذي دعمته واشنطن سابقاً- في المؤسّستين العسكرية والأمنية الجديدتَين.

وفي حين يصعب الجزم بحدوث تغيير جذري في مقاربة «الكونغرس» للملفّ السوري، بالنظر إلى انخراط «الديمقراطيين» أنفسهم في الانفتاح الأميركي على دمشق، فإن هذا الملفّ قد ينجرف إلى دوّامة الصراع التشريعي بين الحزبَين. إذ تمثّل الموازنات والمساعدات الأداة الأهمّ في يد «الكونغرس» الجديد، الذي يملك صلاحية إقرار التمويل المخصّص لوزارتَي الخارجية والدفاع ولبرامج الاستقرار والمساعدات الإنسانية، فضلاً عن تحديد الجهات المستفيدة منه ووضع شروط على آليات إنفاقه. وبحسب ورقة «خدمة الأبحاث»، طلبت إدارة ترامب تخصيص 130 مليون دولار في موازنة الدفاع لعام 2027 لدعم قوات سوريّة خضعت لـ«التدقيق» الأميركي، من بينها وحدات اندمجت، أو يجري دمجها، في المؤسّسة الأمنية الجديدة. كما طلبت لجنة القوات المسلّحة تقييماً لإمكانية مساهمة الولايات المتحدة في بناء قوات سورية «متعدّدة الطوائف والقوميات» وتطوير قدراتها المهنية. وفي هذا الصدد، سيكون في وسع «الديموقراطيين» إقرار التمويل المطلوب أو خفضه، أو ربطه بإبعاد المقاتلين الأجانب والمتورّطين في الانتهاكات، وبضمان تمثيل المكوّنات المختلفة داخل الجيش والأجهزة الأمنية. أمّا دبلوماسياً، فتقول الورقة إن الإدارة الأميركية أبلغت «الكونغرس» بمساعيها نحو استعادةٍ مرحليةٍ محتملة للحضور الدبلوماسي الأميركي، وأنها تطلب 20 مليون دولار للغرض المذكور، وأكثر من 54 مليون دولار لتأمين البعثة الدبلوماسية، الأمر الذي يتيح لـ«الكونغرس» الجديد تسريع عودة السفارة أو تعطيلها أو ربطها بتحقيق تقدّم سياسي وأمني.

كذلك، من المتوقّع أن يحتلّ ملف «قسد» موقعاً متقدّماً في العلاقة مع دمشق، في ضوء الروابط التي تجمع «الديموقراطيين» بالقوات الكردية التي قاتلت إلى جانب واشنطن ضدّ تنظيم «داعش». ورغم تأييد أعضاء «ديموقراطيين» اتفاق دمج «قسد» في مؤسّسات الدولة، فإن صعود حزبهم سيمنح الأكراد أدوات ضغط أكبر، ويفرض رقابة أكثر صرامة على تنفيذ الاتفاق ضمن هيكلية السلطات الانتقالية، ولا سيما أن عدداً من المسؤولين «الديموقراطيين» انخرطوا، بشكل أو بآخر، في ملف الدمج. ويبرز، على رأس هؤلاء، العضو في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السيناتورة جين شاهين، التي التقت في شباط الماضي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وقائد «قسد» مظلوم عبدي، ووصفت الاتفاق بين الطرفَين بأنه «خطوة تاريخية»، مشدّدةً على ضرورة تنفيذه بما يحمي حقوق السوريين جميعاً.

على أن التأثير الأوضح للانتخابات النصفية قد يطاول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، السفير لدى تركيا، توماس برّاك، الذي أدار الملف السوري عبر علاقاته المباشرة مع دمشق وأنقرة وتل أبيب والعواصم الخليجية، وأطلق سلسلة من التصريحات والمبادرات لم تخضع، حتى الآن، لأيّ مساءلة جدّية في «الكونغرس». ومن شأن المعادلة الجديدة أن تقيّد هامش حركة برّاك، خصوصاً أنه يواجه انتقادات من أطراف سورية عدّة، سواء الأكراد (قسد) الذين يحمّلونه المسؤولية المباشرة عن تخلّي واشنطن عنهم لمصلحة الشرع، أو الدروز في السويداء الذين يقودهم الشيخ حكمت الهجري، ولا يكفّ المبعوث الأميركي عن انتقادهم.

وفي المجمل، من غير المتوقّع أن يُحدث التبدّل في موازين السلطة التشريعية الأميركية آثاراً كبيرة في علاقة واشنطن بدمشق، لكن هذه العلاقة ستغدو تحت مجهر أدقّ، ومحكومة بإطار أكثر صرامة، رغم امتلاك ترامب حقّ «الفيتو». وإذ يأتي ذلك في ظلّ تراكم الملفات العالقة، من السويداء إلى العلاقة مع إسرائيل، مروراً بالمقاتلين الأجانب واتفاق دمج «قسد» الشائك، فمن شأنه أن يضع السلطات الانتقالية السورية أمام اختبار حقيقي لعلاقاتها بالمؤسسات الأميركية، بعدما بنت سياستها، في الأساس، على الصِلات الشخصية المباشرة.

عامر علي -الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا