الصحافة

باسيل وبيئة حزب الله: حوار فوق جمر الخلاف..ومراجعة لم تحصل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن اللقاء الذي جمع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، بحضور معاونيه السياسيين، مع وفد من منتدى الحوار الثقافي في الضاحية الجنوبية لبيروت، لقاءً تنظيمياً بين التيار وحزب الله. لكنه لم يكن أيضاً مجرد زيارة اجتماعية عابرة. فهو لقاء بين باسيل وشخصيات من البيئة السياسية والاجتماعية للحزب، جاء في توقيت تتداخل فيه مؤشرات التهدئة مع أسباب التباعد، وتستمر فيه الاتصالات السياسية على مستوى رفيع، من دون أن تنجح حتى الآن في إعادة العلاقة إلى سابق عهدها.

اللقاء الذي استمر لأكثر من ساعتين، كان صريحاً إلى حد المكاشفة. سمع باسيل عتباً قاسياً على مواقفه الأخيرة، ولا سيما ما اعتبره الحاضرون ابتعاداً عن حزب الله وبيئته، كما سمع انتقادات لعبارات صدرت عنه وأثارت استياءً في أوساط الحزب. وفي المقابل، لم يحاول رئيس التيار التخفيف من حدّة مواقفه أو تدوير الزوايا على حساب قناعاته السياسية، بل أعاد عرض أسباب الخلاف ومسار تدهور العلاقة، وصولاً إلى الخيارات التي بات يعدها غير قابلة للمساومة.

طلب باسيل من ضيوفه طرح ملاحظاتهم وآرائهم حول مواقف التيار الوطني الحر، فتحدث عشرة أعضاء من المنتدى، وطرحوا أسئلة وملاحظات صريحة حول خطاب التيار المتعلق بالشيعة والمقاومة، والعلاقة مع حزب الله ومستقبلها، والموقف من الاحتلال الإسرائيلي، وملف النازحين السوريين، ومجمل الوضع الداخلي.

بعد ذلك، عرض باسيل مواقفه، وتناول تطور العلاقة مع حزب الله، مستعرضاً النقاط الإيجابية والسلبية وأبرز القضايا الخلافية، ولا سيما دور حزب الله في حرب الإسناد، والوضع الداخلي، والسلام مع إسرائيل. واعتبر أن العلاقة مع الحزب وتغطية موقفه من المقاومة أدّتا إلى تراجع شعبية التيار منذ عام 2009 وحتى اليوم، نافياً توجيه أي إساءة إلى الطائفة الشيعية، ومؤكداً حرصه على العلاقة معها.

وأبدى باسيل استياءه الشديد من مواقف السيد نواف الموسوي، واصفاً إياها بأنها "سيئة جداً"، كما اعتبر أن "اللقاء الذي تم بين الحزب والتيار لم يُلغِ الإشكالية".

ورغم الملاحظات السلبية التي استمع إليها، حرص باسيل على التأكيد على أهمية التعاون مع الحزب في القضايا الوطنية، مع ضرورة التمايز في بعض المواقف، مؤكداً أيضاً دوره في الدفاع عن المقاومة خلال السنوات الماضية.

الخلاف أعمق من تصريح

في خلفية اللقاء، أزمة ثقة تتجاوز السجال الأخير. فالعلاقة التي انطلقت مع تفاهم مار مخايل عام 2006، واستمرت نحو عقد ونصف العقد، بدأت تتراجع تدريجياً منذ عام 2020، بحسب قراءة التيار، بعدما تراكمت الخلافات حول ثلاثة عناوين أساسية: بناء الدولة، والشراكة الوطنية، والاستراتيجية الدفاعية.

في تقييم باسيل، لم يفِ حزب الله بما التزم به في تفاهم مار مخايل، إذ قدّم وحدة الصف الشيعي على مشروع بناء الدولة، ورفض الانتقال إلى استراتيجية دفاعية تنظّم العلاقة بين الدولة والمقاومة، واتخذ خيارات سياسية داخلية اعتبرها التيار مناقضة لمفهوم الشراكة. ثم جاءت حروب الإسناد لتكشف خلافاً أشد عمقاً، يتصل بقرار الحرب والسلم وبحدود ارتباط لبنان بالصراعات الإقليمية.

وهنا تكمن العقدة الأساسية. فباسيل الذي دعم المقاومة لسنوات طويلة، ودافع عن حق لبنان في مقاومة الاحتلال، لم يعد يرى في السلاح خارج الدولة ضمانة كافية لحماية البلاد. بل يعتبر أن نتائج حروب الإسناد أثبتت ضرورة حصر السلاح بالجيش اللبناني، وجعل قرار الدفاع عن لبنان والحرب والسلم بيد الدولة وحدها، بما يتيح لها تحمّل مسؤولية تحرير الأرض وحماية الحدود والسيادة وإعادة الإعمار.

هذا التحوّل في المقاربة لم يلقَ تفهماً لدى أوساط في حزب الله وبيئته. على العكس، قوبلت مواقف باسيل بحملة انتقادات حادة، شارك فيها مسؤولون سابقون في الحزب، ومن بينهم نواف الموسوي. وفي أوساط التيار، ثمة استياء واضح مما يُعتبر انتقالاً من مناقشة المواقف السياسية إلى استهداف شخص باسيل ومحاولة تحجيم موقع التيار ودوره في الحياة السياسية.

واللافت أن باسيل، على الرغم من استيائه من هذه الحملة، لم يذهب في اتجاه القطيعة، ولم يتراجع في الوقت نفسه عن مواقفه.

مقاومة الاحتلال لا تعني حروب الإسناد

في اللقاء، كان باسيل حاسماً في الفصل بين حق لبنان في مقاومة الاحتلال وبين زجّه في حروب خارجية لا ترتبط مباشرة بالدفاع عن أراضيه.

فلا تراجع، وفق ما أكد، عن رفض الاحتلال الإسرائيلي وضرورة تحرير الأراضي اللبنانية وحماية الحقوق الوطنية في الأرض والثروات. لكن ذلك لا يبرّر، في نظره، ربط مصير لبنان بحروب إقليمية، سواء تحت عنوان إسناد غزة أو إسناد إيران، ولا يبرّر إبقاء قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.

وإذا كان بعض المشاركين قد دافعوا عن المقاومة المسلحة باعتبارها ضرورة لتحرير الأرض، فإن باسيل أعاد التأكيد أن المشروع الذي يتبنّاه التيار يقوم على بناء الدولة القادرة على الدفاع عن لبنان، لا على تكريس ازدواجية دائمة في القرار العسكري والأمني.

ولم يُخفِ رئيس التيار اعتقاده أن العلاقة مع حزب الله كلّفته كثيراً في بيئته الشعبية، وأن استمرار التيار في تغطية خيارات لا يقتنع بها يهدّد بتقويض مشروعه السياسي. وهو موقف لا يفصل فيه بين قناعاته الوطنية وبين ضرورة المحافظة على ثقة جمهوره.

لا للفتنة.. ولا لعزل حزب الله

لكن الموقف من السلاح وحروب الإسناد لا يختصر موقف باسيل من حزب الله والبيئة الشيعية.

فرئيس التيار، الذي أبدى استياءً من بعض ردود الفعل على كلامه الأخير، شدّد على أن الاختلاف السياسي لا يبرّر استهداف الشيعة أو المسّ بكرامتهم، كما لا يبرّر الانخراط في خطاب يدفع نحو الفتنة أو عزل حزب الله.

وحرص على توضيح أن ما قصده بوصف التعب الذي أصاب البيئة الشيعية لم يكن انتقاصاً منها، بل توصيفاً لحجم الإنهاك الذي خلّفته الحرب، بما رافقها من خسائر بشرية ودمار ونزوح.

في المقابل، عبّر أعضاء الوفد عن خشيتهم من أن يتحول التباعد السياسي إلى قطيعة اجتماعية بين البيئتين المسيحية والشيعية، وأكدوا أهمية المحافظة على الروابط الإنسانية التي نشأت خلال سنوات التفاهم.

وكان لافتاً أن النقاش، على حدّته، لم يصل إلى حدّ التشكيك في ضرورة العيش المشترك. بل إن باسيل أعاد التأكيد أن هذا العيش خيار وطني نابع من قناعة، وليس قدراً مفروضاً، وأن حماية لبنان تقتضي حماية كامل أرضه وشعبه وثرواته وسيادته وكرامة جميع أبنائه.

وبحسب مصادر المنتدى، فإن "عودة العلاقة المميزة والدافئة بين الحزب والتيار حاجة وضرورة للطرفين، سواء على مستوى المسؤولين أو على مستوى البيئتين". وكان الحرص على العلاقة المتبادلة أحد أسباب المبادرة، انطلاقاً من قناعة بأن "الكلام الدبلوماسي في العلن أفضل من الكلام الفجّ، وأن القنوات المفتوحة غير المعلنة عليها مسؤولية المساهمة في الترميم وتقريب وجهات النظر وتصويب النقاش، بما يخدم مصلحة البلد".

اتصالات رفيعة… ولكن متقطعة

بعيداً عن اللقاء، لا تبدو العلاقة بين التيار وحزب الله على ما يرام. فالاتصالات لم تتوقف، لكنها بقيت متقطعة، وإن جرت على مستوى سياسي رفيع. وتهدف هذه الاتصالات، في مرحلتها الراهنة، إلى منع انفلات السجال وضبط الخطاب التصعيدي وإدارة الاختلاف بطريقة لا تنعكس توتراً بين القواعد الشعبية. أما الهدف الأبعد، فيتمثل في إجراء مراجعة هادئة لتجربة العلاقة منذ عام 2006، وتحديد ما تحقق وما تعثّر، والأسباب التي أدت إلى تفكك ركائز التفاهم.

غير أن هذه المراجعة لم تبدأ بعد بصورة جدية. فالتيار سبق أن طرح تطوير التفاهم ومراجعته، لكن الحزب لم يتجاوب مع ذلك، وفق رواية باسيل. ومن هنا، تكتسب فكرة تنظيم ورشة حوارية لتقييم التجربة، التي جرى طرحها فريق الضاحية خلال اللقاء، أهمية خاصة، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق على عقدها أو على نتائجها مسبقاً.

وثمة مسافة لا تزال تفصل بين الطرفين في قراءة ما جرى. فما يعتبره حزب الله وحاضنته تمسكاً بخيار المقاومة ووحدة الصف، يراه التيار، في جانب منه، تغليباً لحسابات الطائفة والإقليم على ضرورات قيام الدولة. وما يراه باسيل استقلالية في القرار السياسي، تقرأه أوساط في الحزب على أنه ابتعاد عن تفاهم شكّل طوال سنوات ركيزة أساسية في العلاقة.

أي مستقبل للعلاقة؟

لم ينتج لقاء الضاحية مع باسيل مصالحة، ولم يكن مطلوباً منه أن يفعل. لكنه كشف أن التواصل بين التيار وبيئة حزب الله لا يزال ممكناً، وأن الرغبة في تجنّب القطيعة الاجتماعية قائمة، حتى في ظل خلاف سياسي عميق.

يبقى السؤال عما إذا كان الطرفان قادرين على الانتقال من إدارة الخلاف إلى مراجعة أسبابه، وما إذا كان حزب الله مستعداً لمناقشة المسائل التي يعتبرها التيار أساس الأزمة، وفي مقدمها مشروع الدولة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم والشراكة الوطنية.

أما باسيل، فبدا في اللقاء متمسكاً بمعادلة يريد تثبيتها: لا عودة إلى تغطية حروب الإسناد أو تقديم الخيارات الإقليمية على المصلحة اللبنانية، ولا انخراط في المقابل في أي مشروع يستهدف البيئة الشيعية أو يهدّد السلم الأهلي.

وبين هذين الحدّين، تستمر الاتصالات من دون تفاهم جديد. فالعلاقة التي بدأت عام 2006 على قاعدة الجمع بين المقاومة وبناء الدولة، تواجه اليوم السؤال الذي تأخرت الإجابة عنه طويلاً: هل يستطيع الطرفان الاتفاق على دولة تحتكر قرار الدفاع عن لبنان، أم أن ما جمعهما في الماضي لم يعد كافياً لتجاوز خلافاتهما في الحاضر؟

غادة حلاوي -المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا