محليات

ضمانات وترتيبات مشددة.. باريس تطرح "الورقة الأخيرة" لضبط جنوب لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بلورت فرنسا، في سباق مع الزمن قبل طي صفحة "اليونيفيل"، مسودة مقترح دبلوماسي تسعى من خلاله إلى ضبط الإيقاع الأمني في الجنوب اللبناني عبر مقاربة تقوم على التوازن الدقيق بين متطلبات السيادة اللبنانية والهواجس الأمنية الإسرائيلية.

وكشفت مصادر غربية أن التصور الفرنسي ينطلق من ضرورة إلزام القوات الإسرائيلية بالانسحاب الفوري والكامل من كافة النقاط والمواقع التي لا تزال تتمركز فيها داخل الأراضي اللبنانية، وذلك لإنهاء حالة الاحتكاك المباشر وتثبيت خط الانسحاب كحدود فاصلة مستقرة.

ضمانات مشددة
وأوضحت المصادر، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن الورقة الفرنسية تقترح في مقابل الانسحاب الإسرائيلي إرساء ترتيبات وضمانات أمنية مشددة في نطاق جغرافي يُعرّف دبلوماسياً بـ"الخط الرمادي"، ويمتد بعمق 4 كيلومترات شمال الحدود.

وأشارت المصادر إلى أن الترتيبات الفرنسية تهدف إلى منع أي تموضع عسكري غير شرعي أو نشاط مسلح خارج إطار الدولة اللبنانية في هذه المنطقة الحساسة، مع تكثيف الانتشار العملياتي والرقابي لوحدات الجيش اللبناني فيها لضمان خلوها من أي مظاهر مسلحة قد تشكل ذريعة للتصعيد.

وأضافت المصادر أن باريس لجأت لتفادي "الفيتو" الإسرائيلي-الأمريكي على طرحها إلى حل دبلوماسي بديل يتمثل في تفعيل وتوسيع صلاحيات "مجموعة المراقبين في لبنان" التابعة لهيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، وزيادة عديدها لتتولى مهام الرصد الميداني ورفع التقارير الدورية.

 وتستند فرنسا في هذا الخيار إلى حقيقة أن هذه الهيئة هي آلية أممية قائمة في لبنان منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، وبالتالي فإن تعزيز دورها لا يتطلب استصدار قرار جديد ومعقد لإنشائها في مجلس الأمن الدولي.

واقع جديد
ويُنظر إلى الحراك الفرنسي في بيروت، بمزيج من الترقب والحذر الدبلوماسي، وسط إدراك رسمي بأن مرحلة ما بعد 31 ديسمبر/كانون الأول 2026 ستفرض واقعاً ميدانياً جديداً بالكامل على المؤسسة العسكرية اللبنانية وعلى الدولة ككل.

وتنقل مصادر دبلوماسية لبنانية مواكبة للمشاورات الجارية أن الدوائر الرسمية في بيروت تبلغت ملامح التوجه الفرنسي عبر قنوات غير علنية، موضحةً أن باريس تحاول لعب دور "جسر العبور" لمنع انهيار الترتيبات الحدودية فور مغادرة آخر جندي من قوات اليونيفيل.

وأكدت المصادر اللبنانية، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الأوساط الرسمية في بيروت تبدي حساسية مفرطة تجاه التسميات الجغرافية الواردة في التسريبات، وتحديداً مصطلحات من قبيل "الخط الرمادي" أو "المنطقة العازلة"، خشية أن تتحول هذه التسميات مع مرور الوقت إلى أمر واقع يقتطع أجزاء من السيادة اللبنانية أو يفرض قيوداً مجحفة على حركة المواطنين والمدنيين في القرى الحدودية الأمامية.

وأوضحت المصادر أن بيروت تصر في اتصالاتها مع الجانب الفرنسي على أن أي ترتيبات أمنية في عمق الأربعة كيلومترات يجب أن تُنفذ حصراً عبر وحدات الجيش اللبناني ووفق مندرجات القرار الدولي 1701، لا عبر خلق مناطق منزوعة السيادة أو خاضعة لوصاية خارجية.

وترى المصادر اللبنانية أن خيار تعزيز "لجنة مراقبة الهدنة" يمثل مخرجاً عملياً وذكياً من الناحية القانونية والدبلوماسية، إذ إنه يبقي على الشرعية الدولية والغطاء الأممي فوق الشريط الحدودي، ويمنع استفراد إسرائيل بالميدان أو فرضها قواعد اشتباك أحادية الجانب بعد رحيل القبعات الزرق.

وأشارت المصادر إلى أن النقاش الداخلي في بيروت يتركز حالياً على كيفية تمكين الجيش اللبناني من ملء الفراغ اللوجستي والميداني الذي ستخلفه اليونيفيل، مؤكدة أن باريس تبحث بالتوازي مع عواصم أوروبية أخرى، من بينها روما، صيغة لتوفير دعم تقني وتدريبي أوروبي مباشر للمؤسسة العسكرية خارج إطار الأمم المتحدة، لضمان قدرتها على ضبط نطاق الأربعة كيلومترات بكفاءة عالية.

محاولة أخيرة
ويرى المحلل السياسي لطيف أبو نبوت، أن المقترح الفرنسي يمثل محاولة إنقاذ أخيرة لتفادي الفوضى الحدودية، لكنه يواجه اختبارات معقدة تتعلق بالتوازنات السياسية في واشنطن وتل أبيب.

وأوضح أبو نبوت، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن الرهان الفرنسي يقوم في جوهره على مبدأ المقايضة الميدانية المحسوبة؛ فإسرائيل التي ضغطت بشدة لإنهاء ولاية اليونيفيل متذرعةً بعدم فاعليتها في منع التهديدات، لا ترغب في الوقت ذاته بالعودة إلى استنزاف عسكري مفتوح على جبهتها الشمالية.

وأضاف أن باريس تقدم لتل أبيب ضمانة العمق المتمثلة في 4 كيلومترات خالية من التهديدات المسلحة وتحت رقابة دولية، مقابل سحب قواتها من النقاط الحدودية المتنازع عليها وتجنب كلفة البقاء العسكري المباشر، كما يقول المحلل أبو نبوت.

وأكد أبو نبوت أن العقدة الأساسية لا تكمن في الصياغة التقنية للورقة الفرنسية، بل في التوقيت السياسي داخل إسرائيل والموقف الأمريكي الداعم لها، فالمشاورات التي ستجريها باريس بعيداً عن الأضواء في أروقة الأمم المتحدة تظل رهينة بمآلات المشهد السياسي الداخلي في تل أبيب وتوجهات الحكومة الإسرائيلية، فضلاً عن مدى استعداد الإدارة الأمريكية لمنح الضوء الأخضر لتوسيع صلاحيات لجنة مراقبة الهدنة.

وأشار إلى أن نجاح صيغة "الخط الرمادي" يتطلب توافقاً ضمنياً على قواعد اشتباك واضحة وآليات ردع فاعلة؛ فإذا تحولت لجنة المراقبين الدوليين إلى مجرد شاهد عيان يوثق الخروقات على الورق دون قدرة على المعالجة الميدانية أو التنسيق الفعال واليومي مع الجيش اللبناني، فإن منطقة الأربعة كيلومترات قد تتحول سريعاً من منطقة ضمانات أمنية إلى ساحة احتكاك دائم، مما يعيد المنطقة بأكملها إلى مربع التوتر المفتوح مع مطلع عام 2027.

مهمة شاقة
وبين التمسك اللبناني بالسيادة الكاملة ورفض أي مناطق عازلة ذات طابع انتقاصي، وبين الاشتراطات الأمنية الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، تبدو الدبلوماسية الفرنسية أمام مهمة شاقة ومعقدة.

وستحدد الأسابيع القليلة المتبقية من عام 2026 ما إذا كانت صيغة "الخط الرمادي" وتوسيع مهام مراقبي الهدنة ستنجح في تثبيت استقرار طويل الأمد، أم أن جنوب لبنان مقبل على مرحلة غير مسبوقة من الاختبار الميداني الصعب.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا