المجتمع

أوقفوا "التعيير"... لولا المغتربين لما بقي لبنان صامدًا

Please Try Again

ads





تراوحت ردود الفعل على مقالتي بالأمس بين الذين أيدّوا تفاؤلي، وهم قلّة، وبين الذين عيرّوني بـ "غربتي"، واعتبروا أن ليس أسهل من حرب النظّارات من بعد، وهم كثرة. 


للذين شاركوني نظرتي التفاؤلية كل الشكر. وللذين عيّروني بـ "غربتي" أقول "الله لا يجرّبكم".  
 

عندما تحدّثت عن الظلمة والنور انطلقت من معرفتي الجيدّة لطبيعة اللبنانيين غير المتأثرين بأي رأي سياسي منحاز. وهذه الطبيعة الطيبة هي التي كانت وراء فتح الطرقات، التي كانت تفصل ليس بيروت وحدها إلى "شرقية" وإلى "غربية"، بل كل لبنان. وهذه الطبيعة النابعة من الحرص على بقاء لبنان كما ورثناه، أو كما وصفه البابا القديس يوحنا بولس الثاني. هو لبنان القديسين. هو لبنان جبران خليل جبران. هو لبنان البطريرك الياس الحويك. هو لبنان شارل مالك. هو لبنان سعيد عقل. هو لبنان الأمام موسى الصدر. لبنان المفتي حسن خالد وكمال جنبلاط ورياض الصلح وكميل شمعون وفؤاد شهاب. 
هذا هو لبنان الرسالة والرمز. ولأنه كذلك لم يعجب هذا الكلام كثيرين. ولأنه لا يزال في
ad
لبنان من لا يفكرّ طائفيًا ومذهبيًا يحاولون "شيطنته" بكل الوسائل والأساليب. فهم لا يريدون سوى من وما يتماهى مع نظرتهم إلى لبنان المتقوقع على نفسه، والمنعزل عن محيطه الطبيعي. هؤلاء الذين نشير إليهم بالبنان ليسوا محصورين في منطقة دون أخرى، أو في طائفة دون سائر الطوائف، بل هم موجودون في كل المناطق وينتمون إلى كل الطوائف والمذاهب. 
هؤلاء يعيّرون من أُجبروا على هجرة بلدهم بسبب سياسات بعض السياسيين، الذين يدين لهم هؤلاء بالولاء المطلق. وينسون أو بالأحرى لا يريدون أن يتذكرّوا أنه لولا فلس أرملة هؤلاء الذين تعيّروهم لما كان في استطاعة لبنان أن يصمد في وجه أعتى العواصف. 
لهؤلاء الذين لم يذوقوا مرارة "الغربة" نقول لهم أن كثيرين من اللبنانيين المجبرين على العيش في كندا والتأقلم مع طقسها القاسي و"تاكسها" (taxes)، أو الذين يعيشون في استراليا أو في أي مكان من العالم، إذ لا تخلو بقعة جغرافية من الوجود اللبناني، الذي لا تغيب عنه الشمس، نقول بكل بساطة ومن منطلق ايماننا بأن ما يجمع بين اللبنانيين أكثر بكثير مما يفرّقهم، إن هؤلاء الذين تعيّرونهم لأنهم تركوا لبنان مجبرين وليس مخيّرين يعيشون لبنانيتهم أفضل بكثير من بعض الذين يعيشون في لبنان اليوم على هامش الحياة، من حيث تعلّقهم بوطن الأباء والأجداد أولًا، ومن حيث عيشهم القيم والتقاليد الأصيلة التي حملوها معهم إلى بلاد الاغتراب. 
الذين يعيشون وفي قلوبهم لبنان، وإن كانوا بعيدين عنه الآف الأميال، لا يعيشون في "غربة". هم في قناعاتهم المتجذّرة أكثر لبنانية ووطنية من الذين "لا شغلة لهم ولا عملة" سوى "النق"، والادّعاء بأنهم "مرسلون" للدفاع عن حقوق طوائفهم. وهم في الحقيقة ليسوا سوى فتنويين من الدرجة الأولى، وهم على رأس لائحة المعطّلين لقيام لبنان بصيغته الفريدة. 
صحيح أننا نحن المغتربين موجودون في بلاد الاغتراب، ولكننا في حقيقة الأمر لا نزال نعيش في لبنان. فكل خبر فيه يعنينا. وكل أزمّة يمرّ بها وطننا المعذّب والمصلوب على خشبة أنانيات بعض السياسيين المجبولين جبلًا بالسلبية تدمي قلوبنا. نفرح مع الفرحين ونبكي مع الباكين. 
ومع هذا كله، ولأننا أشدّ حرصًا على لبنان – الرسالة أكثر من بعض المقيمين والمتشدّقين، نقول وننهي بأن هذا "اللبنان"، الذي نعرفه، والذي نريده مساحة لقاء لعائلاته الروحية وواحة حرية وملجأ لكل مضطهد، سيعود أفضل مما كان، وإن كره الكارهون، وشمت الشامتون وتجبّر المتجبّرون.  

Please Try Again
ads




Please Try Again