محليات

"خيانة" على أبواب الرئاسة.. لماذا استنفر "العونيون" في مواجهة جعجع؟!

في المضمون، لم يحمل الخطاب المطوّل لرئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الاخير جديدًا "نوعيًا"، فهو كرّر المواقف التي دأب على إطلاقها في الآونة الأخيرة، لجهة ضرورة أن "تتوحّد" المعارضة على اسم مرشح رئاسي موحّد، لا يقف في الوسط، وإنما "يواجه" بأتمّ معنى الكلمة مشروع "حزب الله"، وينقذ البلاد من الانهيار الذي أوصل "العهد" الحالي البلاد إليه، بقيادة الرئيس ميشال عون، الذي نزع عنه صفة "القوي".

لكن، في الشكل، حمل كلام جعجع الكثير من "الدلالات"، خصوصًا لجهة التوقيت، لا لتزامنه مع عيد انتقال السيدة العذراء، كما أوحى الكثير من "العونيّين" في ربط لم يَبدُ مفهومًا، ولكن لأنه جاء بعد يومين من زيارة رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير السابق جبران باسيل إلى الديمان، ومحاولته استمالة البطريرك الماروني بشارة الراعي من أجل إطلاق "مبادرة"، قال إنّه سيتجاوب معها، ولو أنّه بدا بالمواصفات التي حدّدها، كمن يستبقها بفرض "الشروط"

واستنادًا إلى هذه "الرمزية" بالتحديد، ثارت "ثائرة العونيّين" إن جاز التعبير، حيث تناوب نواب وقيادات "التيار الوطني الحر" على الهجوم على جعجع، مستخدمين "أثقل" أنواع الأسلحة "الكلامية"، عبر إطلاق نعوت "صادمة" على الرجل، وصولاً إلى حدّ اتهامه بـ"خيانة المسيحيين" على أبواب الاستحقاق الرئاسي، ما يطرح الكثير من علامات الاستفهام عن سبب "الاستنفار العوني"، والرسائل التي أراد باسيل إيصالها ربما من خلاله.

نسف لاحتمالات التفاهم

 يرفض "العونيون" الحديث عن "أمر عمليات" صدر للردّ على جعجع، وينفون وجود أيّ "أوركسترا" تولت العملية، ولو أنّ معظم الذين ردّوا وأطلقوا بعض الصفات غير المألوفة على رئيس حزب "القوات اللبنانية" مصنَّفون من ضمن الدائرة "الضيّقة" المحيطة بالوزير باسيل، أو بالحدّ الأدنى من المحسوبين عليه والمقرّبين منه، خلافًا لنواب آخرين بات واضحًا أنّهم "يحيّدون" أنفسهم عن "حملات" الرجل المكثّفة في الآونة الأخيرة.

 

يقول هؤلاء إنّ مضمون المؤتمر الصحافي لجعجع هو الذي استثارهم، بعدما كانوا يتوقعون أن "يلاقي" باسيل في مسعاه، لا العكس، علمًا أنّ رئيس "التيار الوطني الحر" بالمواصفات والشروط التي شدّد عليها من الديمان، حفظ "حقّ" جعجع، كما لا يفعل بعض "الحلفاء المفترضين" له، أو الذين "يعوّل" عليهم في انتخابات الرئاسة، فيما هم يصرّحون جهارًا أنّهم غير جاهزين للجلوس معه على طاولة واحدة، فكيف بالحريّ التوافق معه.

من هنا، يستغرب هؤلاء أن "يقطع" جعجع طريق "التفاهم المسيحي"، ويقفل الباب أمامه، بل أن يستخفّ به، ويلمح إلى أنّه يكتفي بالتفاهم مع باقي الأطراف، دون مراعاة لأيّ "ميثاقية"، خلافًا لما يحصل في كلّ الاستحقاقات الوطنية الأخرى، ولذلك فهم يعتبرون أنّ جعجع يكرّر "خطايا الماضي"، فقط من باب "الحقد والنكايات" مع الوزير باسيل، لدرجة "التفريط" بالرئاسة الأولى إذا كان من شأن ذلك أن "يغيظ" رئيس "التيار الوطني الحر"، لا أكثر.

ألا يكفي "تفاهم معراب"؟!

 يعتبر "العونيّون" المحسوبون على باسيل أنّ ما يُفهَم من خطاب جعجع هو أنّه "استُفِزّ" من زيارة باسيل إلى الديمان، ومن دعوته البطريرك إلى "المبادرة"، وكأنّ في ذلك "جريمة"، علمًا أنّ المفارقة بحسب ما يقول هؤلاء، إنّ "الحكيم" لم يشعر بالقدر نفسه من الاستفزاز، من زيارة وفد "حزب الله" إلى رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، رغم الحديث عن رغبة في التوافق، علمًا أنّ جعجع كان قبل أيام يؤكد أنّ جنبلاط لن يفتح قنوات حوار مع "الحزب".

لكن، في مواجهة "الاستنفار العوني"، الذي لم يُقابَل حتى الساعة بهجوم "قواتي" مضاد بالقدر نفسه من "الاستنفار" بالحدّ الأدنى، يعتبر مقرّبون من "القوات" أنّ المفاجئ ليس أن يرفض جعجع "التفاهم" مع باسيل، بل أن يتوقّع الأخير أن "ينفتح" باسيل على مثل هذا التفاهم، وكأنّ "تفاهم معراب" لا يكفي ليتعلّم "الدرس"، بعدما نسفه باسيل بعدما حقّق "أهدافه" منه، متنكّرًا لما قطعه من "وعود" على جعجع، من دون حسيب أو رقيب.
 

ومع أنّ كثيرين "يلومون" جعجع على الانخراط في هذه "التسوية الرئاسية"، وعلى "تفاهم" بدا في مكانٍ ما أقرب إلى "محاصصة"، فإنّ العارفين يؤكدون أنّ رئيس حزب "القوات" لن يعيد الكرّة هذه المرّة، مهما كانت الظروف، وهو لا يقطع الطريق على التوافق، رغبة في التعطيل مثلاً، بل لأنّ الظروف الحالية وفق رؤيته تتطلّب رئيسًا "قويًا" بالمعنى الحقيقي، يستطيع أن يواجه ويتحدّى، ويرفض "التطبيع" مع سياسات الأمر الواقع.

بمعزل عن مواقف كل من باسيل وجعجع المعروفة، فإنّ ما يخشاه كثيرون هو أن يكون "التصلّب" الحاصل على أكثر من خط، "الوصفة المثالية" للفراغ، الذي بات عمليًا المرشح "الأوفر حظًا" لخلافة الرئيس ميشال عون، فلا باسيل قادر على فرض "شروطه"، التي يسعى من خلالها لـ"إقصاء" الجميع باستثنائه، ولا جعجع قادر على إيصال مرشح "مواجهة" إلى بعبدا، حتى لو نجح فعلاً في "توحيد" المعارضة، وهو ما يبدو "سابع المستحيلات"!