القناة 23 محليات

خطاب الكراهية والعرق المتفوق.. وطريق الانقراض السريع

- لبنان 24

نشر بتاريخ




حجم الخط

 

منذ الأمس يتظاهر أهالي طلاب مع أبنائهم أمام وزارة التربية اعتراضاً على منعهم من تقديم الامتحانات الرسمية لأنهم وقعوا ضحية مدارس – دكاكين لا تمتلك تراخيص ولم تقدم جداول باسماء طلابها – الضحايا.. في الخلاصة لم يحاكم المذنبون الحقيقيون وحرم الطلاب من الامتحانات!

لأسباب كثيرة، ليس منها حتماً الحكمة والرشد في الحكم، تبدو الأمور في لبنانتسير بالمقلوب؛ يتعاظم الحديث عن محاربة الفساد وبدل مكافحته يأتي مشروع الموازنة ليزيد الضرائب على الفقراء ويحرم حتى المعوقين وأصحاب الاحتياجات الخاصة من تقديمات الدولة. ويشتكي من يشتكي من العمالة الأجنبية، وبدل قوننتها وتنظيمها وفق سياسات تخدم اقتصاد البلد ثمة من ينطلق بحملات عنصرية، أقل ما يقال فيها أنها فضيحة وتلامس المحظور.


من المعلوم بداهية أن من أولى وأبرز مهام أي وزير خارجية في أي دولة في العالم هي تحسين علاقة بلده بمحيطه وبالدول الأخرى، ناهيك عن ضروريات اللغة الديبلوماسية وسعة الثقافة، لكن وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل يصرّ على الشطط في التعبير عن مواقفه، مصراّ على المزج بين وظيفته وطموحاته.   

بين حدّين، كلاهما قاتل، راوح كلام الوزير قبل أيام، بداية أعلن بأن اللاجئين سيغادرون إما إلى سوريا أو إلى أوروبا، في رسالة مزدوجة الأهداف والغايات الداخلية والخارجية، ثم أطلق تصريحه الشهير الذي جعلنا على كل لسان، حول "العمالة السعودية والفرنسية والأمريكية"، ثم في نقلة نوعية قال "لقد كرّسنا مفهوماً لانتمائنا اللبناني هو فوق أي انتماء آخر، وقلنا إنه جينيّ وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معاً، لتحملنا وتأقلمنا معاً، لمرونتنا وصلابتنا معاً، ولقدرتنا على الدمج والاندماج معاً من جهة وعلى رفض النزوح واللجوء معاً من جهة أخرى". والكلام بشقيه يحيل إلى ثقافة فاشية قومية، ويتسبب بقلق خطير لأي لبناني. هو لا يعتبر مشكلة النازحين أو العمالة الأجنبية قضية إنسانية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو قانونية أو تنظيمية.. هو يراها قضية عرقية، والحديث عن الأعراق ونقائها والجينات وتفوقها يوصل حتماً إلى العنف دفاعاً عن هذه الترهات، وشواهد التاريخ كثيرة جداً عن الفظاعات والمجازر والتجاوزات التي ارتكبت تحت هذه العناوين وراح ضحيتها آلاف الأشخاص.

في المسألة الأولى، قضية النازحين، وبالرغم من التفهم للمنافع الشعبوية التي يستهدفها لتحقيق مكاسب سياسية أو لإحراج خصومه في البيئات المسيحية من وراء تعلية سقف الكلام التهويلي الذي لا يعدو كونه شغباً لفظياً، يبدو الأمر خطيراً. ليس لأنه موجه إلى فئة ضعيفة لا تمتلك قرار عودتها.. بل إن الوزير يعلم أكثر من غيره أن هكذا قرار هو أبعد من لبنان، ويلامس القرار الدولي وقرار النظام وحلفائه، وكلّ له أسبابه في منع هؤلاء من العودة.

في مسألة "العمالة السعودية والفرنسية والأميركية"، وبعيداً عن خفّة المثال الذي أعطاه، وما يمكن أن يتسبب به كلام من هذا النوع، يبدو استكمالاً لخطاب تحريضي على أمر غير موجود أصلاً، من من هؤلاء يطمع بفرصة عمل أو راتب في لبنان؟ 

في المسألة الثالثة، التفوق الجيني والتمايز العرقي، يبدو الكلام تشريعاً لخطاب الكراهية الذي يجهد العالم كله لمكافحته بوصفه السبب الرئيس للتطرف والارهاب وتعميم الضغائن، وفي بلد كلبنان تكفي العودة للتاريخ القريب، للذاكرة الطرية، للوقوف على ما تسببت به سياسات العنصرية والشعور بالتفوق والتمايز، بحق أصحابها قبل غيرهم، من كوارث ومجازر أوصلتهم إلى حدود الانقراض ربما. 
هل تنفع مراهم إنعاش التسوية لتجاوز الأذى الذي يمكن أن تتسبب به هذه مواقف بحق اللبنانيين، في الداخل والخارج، وبحق علاقات لبنان مع أصدقائه واشقائه؟ هل كلام وزير الخارجية يعكس سياسة لبنان؟ وهل يطلب أحد من النواب استجوابه؟ ثم هل يكفي أن نلوم باسيل على تصريحاته ولا نلوم صمت القوى السياسية أمام هذا الكلام؟