القناة 23 خاص

الشيخ علي زين الدين في ذمة الله: موت مرحلة

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

كتب عامر ملاعب في القناة 23 
 

قيل عنه، وفيه، الكثير الكثير، كان دائماً موضع تجاذب وتكهنات وفبركات قل ان تستهدف رجل دين غيره، هو الرجل المثير للجدل على اكثر من صعيد وفي أكثر من إطار.
في حياته اليومية ودوره وعلاقاته أثار النقاش من الأقربين والأبعدين على حدٍ سواء، من الأصدقاء والخصوم، من الغيارى والطامحين، من الصامتين على مضض او الثرثارين، من المناصرين لدور رجال الدين في المجتمع أو الرافضين له،،،،. 


ولكن، وللأمانة التاريخية، في كل هذه الحالات استطاع أن يبقى علامة فارقة ومميزة في تاريخ الجبل وطائفة الموحدين الدروز خلال العقود الاربعة الأخيرة يصعب القفز فوقها او تجاهلها، وقد طبع دوره ببصمة مميزة خارج الصورة النمطية لـ"رجال دين المذهب التوحيدي". 


كان السؤال الاهم يتردد عنه: ما هي مصادر قوة هذا "الشيخ الشاب"، الذي تفوق على أقرانه في هذه البيئة واستطاع ان يلعب كل هذه الأدوار وبقي على بساطة ابن القرية النائية وبصلابة قاسية كصخور هذا الجبل؟ كيف استطاع ان يبقى محافظاً ويتصرف بعقل وانفتاح ابن مدينة متنوعة؟ وأكثر من ذلك أنه لا يمكن لباحث او قارئ للمشهد الجبلي بأحداثه الرئيسية وتحولاته السياسية العميقة والخطيرة جداً، منذ منتصف السبعينات حتى الآن، دون ان يكون لاسم الشيخ علي زين الدين من حصة ودور ولمسة في متن النص؟.


ذاك الشاب العامل والنشيط القادم من بلدة الخريبة، الجارة العليا للمختارة، الى قصرها مقدماً نفسه الى سيدها كمال جنبلاط، وبعده نجله وليد، كمناصر وداعم لبيتهم السياسي، مُكلفاً منذ البداية بأهم ملف بالنسبة للزعامة التقليدية الا وهو قيادة الجسم الديني في الطائفة والسيطرة عليه وتوجيهه سياسياً. 


لم يقتصر دور الشيخ زين الدين على مرحلة محددة، بل تعدد وتنوع حسب حاجات كلٍ منها، اذ قاد، او فلنقل ضمن مجموعة، قيادة التنظيم العسكري الدرزي الاول (جيش ابناء التوحيد) في بداية الحرب الاهلية، وأسس وترأس بالتوازي معها المؤسسات التربوية (مدارس العرفان). المؤسسة التي تابعها بتفصيل يومي بجدٍ واجتهاد وعمل على تثبيت وتدعيم المرجعيات الروحية المؤيدة للخط السياسي الجنبلاطي التقليدي والامساك بالعصب الصلب في عائلاتها ومن ثم الانفتاح على كافة المرجعيات ومراكز القوى الأخرى وصولاً الى السيطرة الكاملة على قرار المجلس المذهبي الدرزي كمؤسسة شرعية تجاه الدولة.


شكل الشيخ علي زين الدين على مدى اربعة عقود الذراع الدينية الصلبة للحالة الجنبلاطية، وكان شبه الوحيد القادر على التواصل والتعامل مع الحالات المؤيدة والمناصرة المضمونة الولاء، في موازات الانفتاح على الحالات المناوئة والمعارضة لجنبلاط تقليدياً، او في مواقف آنية كما في حالة أزمة مشيخة العقل في التسعينات من القرن الماضي.


هو من قاد عمليات التواصل والانفتاح داخل الطائفة وخارجها، ناوش قليلاً وحاور كثيراً كل مراكز القوى الروحية في الطائفة، ومنها مراكز شديدة الحساسية من التعاطي بالسياسة بمعناها التقليدي عموماً، أو هي "مفرطة الحساسية" في التواصل والانفتاح على الزعيم الجنبلاطي. 
فكان الشيخ علي بالمرصاد دوماً للجسم الديني مقدماً نفسه كوسيط ومحاور ومتبرع للمصلحة العامة للطائفة، وكثيراً ما جوبه بالرفض والاتهامات ولكنه كان يعرف كيف يعيد ترتيب أوراقه ويدخل بزواريب الاقناع والانفتاح وغالباً ما نجح وسجل الاهداف المرجوة.
لم يتوانى الشيخ زين الدين عن بناء علاقاته الخارجية المتينة مع عدد من المراجع الدينية والسياسية في لبنان وخارجه، وغالباً ما بدأت بإشارة من النائب وليد جنبلاط واستكملها بمجهوده الخاص ولو على حساب بعض المناوشات و"الزعل" مع الزعيم، كما تخبرنا علاقته مع ايران او سوريا او بعض المراجع اللبنانية السياسية والدينية. 
كان شديد التأثير على من يتعرف عليه او يتواصل معه، لديه ميزة اتقان جذب الاصدقاء دون تكلف، والمحافظة على هذه العلاقات دون ان يطعن بها مهما كلفه الأمر، ولا يمكن ان تسمع منه نقداً لشخص اذا لم يكن المعني موجوداً في الجلسة.
شكل دور الشيخ علي ومؤسسته مركزاً للاستهداف من كثيرين، لم يبق اتهامٌ الا وكان له نصيب منه شخصياً او المؤسسة التي يرأسها، من تهمة العمالة للعدو الاسرائيلي الى الشخصي المسيء جداً، وكانت اجابته الدائمة "يحكوا يلي بدن ياه انا ضميري مرتاح وما بيصح الا الصحيح".


يشهد له كل من عرفه عن قرب بميزة الشجاعة والاقدام، لا يتهيب المواجهة مطلقاً وكان شديد الثقة بنفسه وقرارته مهما كانت النتيجة ويردد دوماً "لا تخافوا فإن من خشي بشرٍ مثله سُلط عليه ومن بث فينا الروح هو من يأخذها فقط". 
وفر الشيخ علي في سياسته اليومية الاطار العام لتوافق داخل فريق عمله رغم تعددية مشاربهم المناطقية والسياسية والثقافية وخلفياتهم العائلية التاريخية، وكان ملفتاً دوماً هذا العدد الهائل من العلاقات التي يغلف بها حركته تبدأ بطلب "الدعاء" من المرجعيات ويصل بهم الى حدود إشراكهم في مشاريعه السياسية والانمائية.
رغم التزامه السياسي بالبيت الجنبلاطي الا أنه صدف في مراتٍ عديدة ان تمرد على قراراته وخاض مواجهة قاسية ثم يعود ليفتح صفحة جديدة مع النائب وليد جنبلاط، ذهب بعيداً جداً في الكثير من المواقف السياسية ولكنه سرعان ما استدرك وعاد للالتفاف على المواقف بالتخفيف من حدة خطابه. 
وتبقى الميزة الاهم في شخصيته هي "الكرم والجود"، إذ لا يمكن لزائره ان يخرج دون غداء او ضيافة تليق، لا يرد طالب خدمة مهما كانت اذا كان قادراً على تأمينها، وينطبق عليه المثل الشعبي أن "الكرم والجود عند الانسان يغطي 72 عيباً" فكيف به وهو هنا قد جمع ميزتي الجود والشجاعة سوياً؟.


في لحظة وفاة الشيخ علي زين الدين يبدو ان مرحلة مهمة من تاريخ الزعامة الجنبلاطية والدروز قد طويت، ويصعب ايجاد الشبيه او البديل عنها بسهولة، لا بل يمكن ان يكون ذلك من الامور المستحيلة، وفي لحظة الانتقال السياسي الصعب في البيت تخسر الدار احد ركائزها الشوفية المتينة.
في لحظة غياب "الشيخ علي" تبقى الخسارة الأكبر لكل من عرفه شخصياً، غياب لرجل دين محاوراً سلساً وذا حضور محبب خارج من العقد بانفتاح وصاحب النكات اللطيفة، بغيابه يفقد هذا السلك ذاك الرجل الصلب الصادق والمقدام الذي جمع في لحظة ما بشخصه تناقضات شتى ليقدم نفسه بتميّز في التفكير والشخصية وعيش كل ميزات الحياة.

 


  • الكلمات المفتاحية :