القناة 23 صحافة

الجبلُ بين جنبلاط القلِق وباسيل المُهدَّد...

بقلم سامي كليب

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

لا شيء يُمكن أن يكون قد أثار قلق رئيس اللقاء الديمقراطي والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أكثر من كلام أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في مقابلته الأخيرة مع تلفزيون " المنار". ربما كانت هذه المرّة الأولى التي يشعر فيها بأن ثمة تناغما بين تصريح نصرالله الذي حمّله مسؤولية كثير مما حصل مؤخرا والذي وقف فيه نصرالله الى جانب خصوم جنبلاط من الأمير طلال أرسال والوزير صالح الغريب الى الوزير جبران باسيل، وبين ما يعتقد الزعيم الدرزي أن القيادة السورية تضمره حياله. كان حتى تلك المقابلة يفترض أن ثمة فرقا بين غضب القيادة السورية عليه وبين التفهّم التاريخي من قبل نصرالله لحيثيات الزعامة الدرزية.

 لم يكن جنبلاط قد هضم تماما بعد، تقدّم باسيل صوب الجبل، ورفعه نبرة الخطاب السياسي، ولم يكن قد جفّ بعد حبر الاتهامات بمحاولة اغتيال الغريب، حتى جاء كلام السيد نصرالله بمثابة الإنذار المباشر. سرعان ما استوعب سيد المختارة الرسالة وسعى للتخفيف من انعكاساتها، فلامَ بطلف سيد المقاومة، ثم طلب من أنصاره التوقف عن توجيه أي كلام خارج عن حدود الاخلاق ضده.

لا يزال جنبلاط الزعيم الأول عند الموحدين الدروز رغم التقدم الواضح لخصومه منذ الانتخابات الأخيرة التي تزامنت مع قناعة لبنانية وإقليمية ودولية بأن سقوط النظام السوري ضربٌ من وهم لأسباب كثيرة محلية ودولية، وكذلك رغم بروز شبكة من المشايخ الخارجين عن عباءة الزعامات التقليدية في اتجاهات بعضها خطير. لكن هذه الزعامة قلقة من المستقبل في ظل انسداد أكثر من افق. فلا موسكو الحليف التقليدي للحزب الاشتراكي استجابت لطلبات تتعلق بدروز سوريا، ولا الاميركي موثوق أو يساعد، ولا الموقف السعودي واضح، ناهيك عن اضطراب العلاقة مع أكثر من طرف لبناني داخلي خصوصا تيار المستقبل رغم مساحيق تغطية الندوب. 
 
حين تُسدُّ الآفاق، يرتد وليد جنبلاط صوب القلعة الأولى في دعم زعامته، أي الدروز. ألقى فيهم خطابا قبل يومين في مؤسسة العرفان التوحيدية التي تحمل ثلاثة رموز واضحة، أولها ديني، وثانيها تربوي، وثالثها عسكري. حاول استنهاض الهمم، مستعيدا أجواء التعبئة الجبلية، ومُنشدا كلاما كان يُغنّى حين تحتاج المرحلة شحذ النفوس، تماما كما جدد الكلام عن العروبة وفلسطين والانتصار. 

لا يريد جنبلاط الحرب. هو صار ينبذها بقوة، وكرّر في مناسبات كثيرة ندمه على ما حصل. لكن ما يعتقده هجمات متكررة من قبل جبران باسيل صوب معاقل الجبل، كان يفترض رسائل قوية لصده. فما حصل في قبرشمون، قد لا يكون مقصودا وفق ما يؤكد أنصار جنبلاط، لكنه خدم بصورة غير مباشرة رسائل الصد، وخطاب العرفان، رفع البطاقة الحمراء. لن يتردد جنبلاط في أي شيء لمنع اهتزاز الزعامة بضربات الخصوم. هذا حيوي بالنسبة لدار المختارة.  

الجبل يبقى الفيصل. يجاهد جنبلاط لوضع أبنه ووريثه تيمور على صهوة جواد الزعامة. يتعثر مرات ثم يعيد المحاولة. قسم لا بأس به من الدروز لا يزال يقلق من قلق الزعامة التي تفترض صلابةً لا ضعفا. يجد سيد المختارة نفسه مُطالبا بشد العصب اليوم أكثر من أي وقت مضى. كلام السيد نصرالله مقلق خصوصا في ما يتعلق بتهمة " وزير في الحكومة متهم بمحاولة قتل وزير في الحكومة". هذا يسلط سيف القضاء كورقة ضغط سياسية هائلة. الجو العام مقلق أكثر. كلام السيد نصرالله مقلق كذلك لانه دخل في تفاصيل استغربها سامعوه خصوصا حول معمل عينداره والخلاف بين جنبلاط وفتوش.

 في مثل هذه الأجواء، يحول جنبلاط قلب الطاولة أو احداث عاصفة تعيده الى المشهد، لكنه هذه المرة بحاجة الى سند يبدو غائبا، فالصداقة الاستراتيجية مع رئيس مجلس النواب نبيه بري لا تكفي. لا بد من حركة أوسع، يكون عمادها الجبل الذي عاد ساحة تنافس بين الاشتراكي والتيار الوطني المتحالف مع خصوم جنبلاط من الدروز. 

في هذا الوقت بالضبط، يكثّف وزير الخارجية ورئيس التيار الوطني حملاته الانتخابية الرئاسية المبكّرة. يتمتع الرجل بحيوية نادرة. يتعمّد اثارة الجميع ليبقى الحدث. يريد فرض نفسه المُرشّح الأقوى والضروري للانتخابات الرئاسية. لا بد من شحذ همم الطائفة المسيحية حتى لو اختلف مرحليا مع الآخرين. 

تزداد حركة الوزير باسيل، ويزداد معها الخطر على حياته. فلبنان معروف بدخول أطراف ثالثة دائما على الخط حيث يصبح العصب الطائفي هو الأساس. ليس أسهل من احداث اضطراب أمني كبير في جو مشحون وقابل لتبادل كل الاتهامات. 

التفاهم بين جنبلاط وباسيل شبه مستحيل. التنافس على الزعامة لا يحتمل التفاهمات. هذه صراع سيستمر بين مدّ وجزر، على الأقل حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة. لا شك ان سيد المختارة سيحاول ما استطاع لتفادي وصول باسيل الى الرئاسة، ذلك ان قبوله على مضض وصول الجنرال ميشال عون لم يفعل سوى تعزيز قلقه باهتزاز الزعامة. لكن استمرار الاشتباك وشحذ النفوس بين الرجلين يزيد من شعبية الرجلين، فجبران ايضا يستفيد. 

من المؤكد أن ابن قائد الحركة الوطنية وحليف الثورة الفلسطينية كمال جنبلاط وشريك بري والوطنيين في منع انزلاق لبنان نحو العصر الإسرائيلي بعد اتفاق ١٧ ايار، يشعر وأكثر من أي وقت مضى بأنه في أكثر مراحله صعوبة وخطرا. لكن المؤكد كذلك أن وليد جنبلاط عرف في كل المراحل الحرجة والخطرة كيف يغيّر كل المسار حين يقرر الدخول في قطار التسويات. المفاجآت صعبة لكنها غير مستحيلة. ولتكن البداية كما هو واضح إيجاد تسوية بالتراضي لقضية قبرشمون  بعيدا عن متاهات القضاء والسياسة والأمن، وحين يعود منطق التسويات، يعود غازي العريضي الى الواجهة. فلننتظر لنر. 

يدرك جنبلاط وخصومه أنه باق رقما صعبا في المعادلة، يضعف أحيانا، يساير أحيانا أخرى، ثم يستعيد قوته مهما تقلّبت التحالفات، فالقسم الأكبر من الدروز لا يزالون خلفه، حتى لو تقدّم الخصوم بدعم محدود ( أكرر محدود) من حزب الله وحلفائه.