القناة 23 محليات

رسالة فائقة السريّة إلى طلال أرسلان

- lebanon debate

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

ليس من المروءة أن أسكب الملح في الجرح النازف، ولا من الشهامة أن أستحضر شياطين الضغينة بعد أن سلكت درب استراحتها، لكن الوضع هنا لا يتخطى حالة التوصيف المباح، عبر رسالة أردت لها أن تتخذ صفة السرية الفائقة، حيث أود بصدق أن لا يقرأها إلا المير طلال ومعه كوكبة لصيقة جدًا من صناع القرار والسياسات والاستراتيجيات.

أمس جلس طلال أرسلان مكسورًا في كرسي الهزيمة، وقد بدا خلال الصورة الموزعة من قصر بعبدا وكأنه عالق في عنق الزجاجة، يحاول أن يبرر ما لا يحتمل التبرير، وأن يجنح في سرد الحكاية على سجية أولئك الذين يقولون ما لا يصدّقون. لكن المحصلة كانت واضحة وضوح الشمس، وهي تؤشر في كل مفاصلها إلى صفعة مدوية وضربة قاسمة تجاوزت منطق الكباس والتنازع، إلى ما يشبه التعرية الشاملة التي استعجلها المير على وقع اندفاعه العشوائي لقلب الطاولة، فكانت الأزمة ولاحقًا التسوية أكبر من قدرته على الاستثمار أو الرفض، وكان لغيره أن يحصد على حسابه وحساب كرامته.


أطلق المير العنان لمواقفه ومخيلته، وقد تجاوز خلال الأسابيع القليلة الماضية كل السقوف السياسية في مقارعة وليد جنبلاط، مستندًا إلى جملة من المتحركات والتقاطعات والمعطيات التي وفرت أرضية خصبة لشبقه الذي لا يستكين، فصار يتحدث عمّا يجوز وما لا يجوز. ما يقبل به وما يرفضه. ما يتناسب وحجم الحدث وما لا يصح النقاش به. ثم أخذ التورم سبيله إلى عقله ولسانه مع فرملة جلسات الحكومة، فظن أنه حجر عثرة أو ركن زاوية، قبل أن يعود ويرتطم بالحقيقة المرة التي طالما أُجبر على تجرعها بكأس من السم.

المشكلة ليست في معارضة ندّية أو سوّية مع وليد جنبلاط. وهذا مباحٌ ومطلوب ولا بد منه. المشكلة تكمن تحديدًا في الصورة العميقة التي تبلورها هذه المعارضة. في عنوانها ومضامينها وهويتها وطبيعتها وأهدافها. وقطعًا في إدارتها وسلوكها واستقلاليتها. حيث لا يصح أن تبدو وكأنها أداة يحركها شر مستطير أو رغبة دفينة في الثأر والانتقام. وإن حدث وانصهرت المعارضة بهذا النوع من القذارة، تحولت عارًا وصارت عنوانًا دائمًا للبديل المستحيل، وصورة أبدية عن اشتباك يتخطى اليوميات والصغائر إلى ما يشبه التهديد الوجودي الذي لا يقبل أي تمايز أو تنوع.

في وعي الدروز، يحضر وليد جنبلاط بصفته حليفًا عنيدًا أو خصمًا شرسًا. تحالف مع من تحالف، فشكل رأس حربتهم وقائد مسيرتهم وعنوان صمودهم أو انهيارهم. وخاصم من خاصم، فكان مخرزًا في عيونهم وعثرة في سبيلهم وخجرًا في مشاريعهم التي لم تخلو يومًا من الجثث. وفي وعي الدروز أيضًا، يحضر طلال أرسلان ومن هم على سجيته، باعتبارهم الطرف النقيض لكل هذه المعادلة، يحضرون حين يسعى أحدهم لاستنزاف وليد جنبلاط أو استهدافه، ثم يغيبون كلما صار الوئام سيد الموقف بينه وبين أولئك الذين يظنون أنهم حلفاء أو أصدقاء.

على هامش هذه المعادلة، يظن الدروز ونحن معهم أن ثمة باب في التاريخ مخصص لدخول الخدم، أولئك الذين يستحيلون مطية أو أداة متنقلة بيد هذا أو ذاك. جُل ما يصبون إليه لا يعدو تمزيق مجتمعاتهم ونسف نسيجها وتحويلها إلى مجموعات تتناحر أو تتذابح، وهم في ذلك يبحثون عن موطئ قدم أو دور أو سياسة، لكن فاتهم أن الكرامة التي تُجمع كل العمر قد تُسفك في لحظة واحدة، وحينها، يصير أصحابها كومة من رماد أو غبار.

طلال أرسلان، أيها الأمير الوسيم، أنا لا اعرفك ولا استهدفك ولا أشتهي لك إلا ما تشتهيه لنفسك، ولكن تذكر حين خُيّر ريمون إده بين انتصار ذليل وبين هزيمة مُشرّفة، اختار على ما يقول سمير عطاالله أن يموت مكللاً بنفسه، وعلى نعشه باقة من غار الخسارة، أجمل من كل أكاليل الانتصار.