القناة 23 إقتصاد

جلسة مع قاتل اقتصادي

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

( جون آدامز 1735 – 1826 )

دخلَ غرفة الانتظار ممسكاً بقبضته نسخة عن مقالي الذي سبق ونشَرتْهُ احدى الصحف اللبنانية. بادرني متسائلا: كيف تكتب مقالا تهاجمني فيه؟ باغتني سؤاله لأن ذاك الامر لم يمرّ على خاطري بتاتا. طلبت منه بكل احترام ان يُشير الى الفقرة التي لمسَ أنها استهدفته أو لربما شعر أنها مسيئة بحقه. استغرق بحثه بضعة ثوانٍ، ثم نظر اليّ قارئاً الاسطر التالية: «أتخشون ان يكشف «حزب الله» ملفاتكم المالية؟ ملفات توعّد بفتحها النائب محمد رعد حين قال، لو أردنا ان نفتح الملفات لسقط الهيكل فوق رؤوس الجميع، ولم يبقَ حجر على حجر في هذا البلد».

لم أتفهّم وانا جالس في الجهة المقابلة من ذاك المسؤول بواعث انزعاجه من تلك الأسطر، لا سيما وأن الرأي العام اللبناني بأسره مقتنع بأن الطبقة السياسية هي التي نهبت الوطن، وليس في المسألة أي سرّ. كما ان مئات آلاف المقالات التي نشرتهاالصحف اللبنانية والأجنبية أدانت أهل السلطة بتهم أكثر فظاعة وشناعة!

نظر اليّ المسؤول قائلا: حينما تكتب أنت بالذات هذا الكلام، فإنك تومئ عن اقتناعك بفحوى التهم الموجهة بحقي. شرحت له بأن كل كلمة أدونها تُعرب عن قناعاتي ولست ممن ينكفئون تحت الضغوط او يرضخون، أكانت صادرة عنه او عن أي مرجع سياسي آخر... حينها استرسل المسؤول متمتما بحدّية: أنت تهدف الى «ابتزازي مادياً»!

وقع اتهامه كالصاعقة على مسامعي، اذ لم يتبادر الى ذهني ان يصدر عن هذا المسؤول الذي يتباهى بمصداقيته ويُفاخر بخشيته من الله ويؤكد حرصه على الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، ان يلفّق اتهاما بل يختلق اكذوبة بهذا المقدار. سألته بكل هدوء: من طلب اللقاء أنا أم أنت؟ اجابني بأنه هو من طلب ذلك. كان سؤالي كافياً لأفهامه بأن تهمة «الابتزاز» التي فبركها مسبقاً، هي محض افتراء ولن تمرّ بيسر.

في تلك اللحظة تفطنت ان هذا المسؤول الجالس أمامي يتخذ نهج الهجوم لترهيب الآخرين ولإبعاد شبهات الفساد عنه، أو لربما للتستر على التهم التي تطارده كظله منذ ان تولى ادارة عجلة الدولة. كما أيقنت بأن مخيلته قد بدلت الكلمات التي تعلو فوق مدخل الجامعة الاميركية في بيروت لكي تتآلف مع طبائعه الانانية وحبه الجشع للذات والتي تنصّ «ان تكون لكم حياة وتكون أفضل» لتصبح «ان تكون لي حياة أفضل وتكون لكم حياة أردأ». وأن هذا المسؤول ما هو سوى ذئب مالي ماكر ومخادع ومراوغ من الطراز الأول، بل انه عديم الإنسانية ويفتقر الى معظم العناصر ليكون زعيما محترما.


اعتزمت في حينها ان أُسمع ذاك المسؤول رأي الناس فيه، مهما كانت العواقب والتبعات. قلت له بحزم:انت من باع قضية 14 آذار ورهن دماء شهداء ثورة الأرز... انت من هادن قتلة الشهيد الرئيس رفيق الحريري مقابل التستر على ملفاتك المالية... انت من تَسبب بإفلاس البلد وافقار مئات الاف العائلات اللبنانية... ثم من أين لك كل تلك الثروة؟

كان وجه المسؤول يزداد احمرارا وانا أطرح أمامه تساؤلاتي بسرعة البرق، عندها أردف قائلا بصوت خافت شبه منهزم: «كلنا استفدنا»... ثم شاح بنظره نحو الأرض وكأنه استشعر في حينها اقترافه خطيئة بهذا الإقرار الذي قد يفضي به حتما خلف قضبان السجون. بات جليا لي ان ذاك المسؤول قد حقق ثروته الشخصية على حساب مآسي وبؤس وشقاء اللبنانيين!

انتهى الاجتماع بعد ان وقفت مودعا، الا ان المسؤول ألح ّعلى ان نلتقي مرة ثانية، كونه استيقن عدم تمكنه من افتراسي في الجلسة الأولى او لعله شاء مجاملتي في الجلسة التالية، لكي أنسى ما كشفه امامي من اعتراف خطير. رغم اغتياظي لم امانع في خوض شوط آخر من الحوار، فجاءت الجلسة الثانية أكثر هدوء لترطب الأجواء المتشنجة، إضافة الى تبادل معمّق في وجهات النظر السياسية المتضاربة.

لم يغب عن بالي مشهد الجلسة الاولى الصاخبة، فانصرفت أستعرضها في مخيلتي مرة تلو المرة وأستعيد فحوى اعترافات ذاك السياسي وربطها بمسعاه لاتهامي بالابتزاز. لذلك خصصت الساعات الطويلة للبحث عبر شبكة الانترنت ومراجعة بعض الكتب حول الدور الاقتصادي الخفيّ لهذا المسؤول الذي نتج عنه انحدار مفجع للاقتصاد اللبناني، لأتوصل بعد دراسة معمقة الى قناعة راسخة انني كنت اجالس بما يُعرف بـ«القاتل الاقتصادي». اذ أن استخدام المصطلحات مثل «الابتزاز والرشوة» هي من مفردات بل من صلب ثقافة القتلة الاقتصاديين.

لمن لا دراية له بهذا المصطلح، فان مهمة «القاتل الاقتصادي» تجفيف خزائن الدول وتفريغها من الأموال لإيقاعها تحت الحاجة الى الاستدانة بقروض وفوائد مرتفعة، كمدخل لهيمنة الجهات الدائنة على قرارها السياسي. فيما يُكافئ القتلة الاقتصاديين وعائلاتهم، بجنيه الثروات الهائلة على حساب افقار المجتمع وسلب لقمة عيش الناس، وكل ذلك يتم بغطاء برامج برّاقة تحمل عناوين الانماء الاقتصادي واعمار الدول، وهذا ينطبق تماما على الحالة اللبنانية!

اتضح لاحقاً ان «القاتل الاقتصادي» الذي جالسته لم يكن يعمل منفردا، بل هو جزء من شبكة تخترق الطوائف والمذاهب اللبنانية. فالقتلة الاقتصاديون الذين أحرزوا الثروات الخيالية عبر مساهمتهم في جريمة نهب الاقتصاد الوطني، نجحوا في إيصال لبنان الى مرتبة CCC المنخفضة للتصنيف الائتماني لغاية دفعه نحو المزيد من الاقتراض، مقابل المزيد من الارتماء السياسي في احضان الجهات المانحة الأجنبية وإلا مواجهة خطر الإفلاس!

قبل اتفاق الطائف مارس زعماء ميليشيات الحرب في لبنان على مدى خمسة عشرة عاما مهنة القتل على الهوية، اما بعد الطائف فقد انخرط العديد منهم في صفوف ميليشيات المال، ليمارسوا مهاراتهم في قتل الاقتصاد. ومهما حاول رئيس الجمهورية الدعوة الى طاولات اقتصادية مستديرة كانت أم مستطيلة لانتشال لبنان وانقاذه من مصير الافلاس، فان التجارب اثبتت بأن العلاج الناجع الوحيد هو في اتباع نهج وليّ العهد الأمير السعودي محمد بن سلمان وفندق «ريتز كارلتون»، حيث أفلح وليّ العهد في استعادة أموال المملكة المبددة الى خزينة الدولة. وبغير ذاك النهج سيستمر الشباب اللبناني اليائس بالتظاهر امام السفارات الأجنبية طلباً للهجرة، مؤكدا للمجتمع الدولي بأسره ان من يحكم لبنانهم حفنة من القتلة الاقتصاديين، كيلا نقول لصوص الطوائف!


هاني النصولي - اللواء 


  • الكلمات المفتاحية :