القناة 23

إن سألك الوقح: ألك حياة يا ابن الذلّ...؟ ​

- لبنان 24

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

ويأخذك الحلم إلى ساحات تهيم بك في سماوات الكرامة. ويحملك الوجع إلى ذاك الحلم، فلا أحلام إلا وتُنضجها كوابيس النهار. تقول:نحن شعبٌ لا نريد أن نموت في الحياة، فالحياة كرامة، ونحن، أن نموت، لا نريد.

 

على الطرقات التي يئست من فوضاها وحقدها، تنزل، ولا دماء، على أصابع يديك. كنت للتوّ تفكر، حتى لو كانت على يدي وصمة صندوقة اقتراع، فأنا بثائر. سأنزل. لن تندم، ما حييت من سنوات متبقية في أيام حياتك الخاضعة لحسومات في هذه البلاد، على انتفاضة أنضجتك ودعتك إلى ساح الشرف والوعي.

 

تحمل قلبك وماضيك ومستقبلك وطفلك وطيشك وندبتك وحلمك ذاك، ويأسك وجوعك ووجعك وأملك وغضبك وعنفوانك وجسدك الواهن، وفواتير لا تستطيع أن تسددها، وأرق الليل، وكآبة الصباح، وقرف الاستسلام، والشجن. والشجن! والخوف من المجهول. وفيزا لا تأتي. وكندا التي تلاحقك كظلّ، وأوعية متمردة، وحنجرة فيها أورام.

وتنزل. تنزل إلى حيث يقودك الوجع. تنزل إلى حيث يقودك الحلم.

وتحمل قسوة الظلم بيدين، ولا تعرف بأي يد تحمل عن الوطن، ظلمه. وتنزل. تُخرج قلبك، وتضع في يده، الوطن.

وتنزل.

ستقول لهم، إن سألوك عن سرّك: لست بكائن فضائي بعشرة أطراف سقط على الأرض، بل إني هذه الأرض. إني من هذه الأرض بعشبها الأخضر. ببحرها الأزرق. بأرزها الشامخ. برقصها، بغنائها، بخصوبتها، بصمودها، بزيتونها، بكبريائها، بفصولها، بتمردها.

وسيسألون بعد: لم نزلت أيها الأحمق؟

ويقولون إنك خائن ومخرّب وجاهل ومريض وحشرة يجب أن تباد بأكثر المواد الكيمائية فعالية.

لكنك، هنا. في الساحات.

حلواً كشقيقة النعمان في الربيع. ثائراً كمصادفة صارت قدراً. حرّاً كخاطرة يكتبها أسير على حائط الزنزانة. 

ستقول لهم إنك شبعت ذلاً ومهانة وحرماناً. وإنك لا ترضى أن تصبح مجرد هيكل عظمي يعلقون عليه لحماً بائساً من فتات موائدهم الضخمة.

وقد يسألك مسؤول وقح: لم نزلت؟

أجبه لكل ما أوتيت من ألم وأمل وغضب: سأضعك في السجن، واتلو عليه موجبات الحكم.

حدّق في وجهه، وقل له إنه سلبك أبسط حقوقك، وإنه سارق خبيث. أخذ منك عنوة حقك بعيش حياة كريمة. دمّر المؤسسات ومسح بالأرض الدستور. وضع في صحنك النفايات، وفي شرايينك سموماً بالجملة. أخذ أموالك وحرمك حتى، حلم شراء شقة صغيرة تبني فيها قصوراً من أحلام. رماك في الظلام والظلم ووحشة الحرمان. قطع عنك المياه وحوّل الأرض الخصبة صحراء وكسارات ومناجم ذهب خاصة به. ثمّ أغرقك بالمياه: عندما تُمطر وعندما تثور في الساحات. ثمّ أضرم النيران في كلّ مكان، ووقف يتفرّج عليها باكياً ومرتبكاً.

قل له إنك مضطر إلى تقليص ساعات النوم فلا تتخطى عدد أصابع اليد الواحدة، لأنه عليك أن تعمل كثيراً كي تدفع كثيراً لقسط جامعة خاصة. وإن كنت طالباً في الجامعة اللبنانية، فلن تحظى كذلك بنوم عميق، لأن آلام ظهرك تتضاعف، إذ لم تجد كرسياً لتجلس عليه. وقل له إنك، تحرص على إنجاز طلبات الهجرة قبل موعد التخرّج.

أخبره أنك تعمل في هذا البلد من دون تأمين. وتقريباً، من دون راتب. فكلّ ما تتقاضاه تدفعه على فواتير مدوبلة: الكهرباء والمياه والإتصالات والتنقلات. وتسدد الضرائب والرسوم التي "عليك أن تدفعها حتى لو كنت تعلم أنها ستُسرق في نهاية المطاف". وأنّ الاقتصاد مدمّر، والليرة لم تعد بألف خير.

 وأخبره أنك لست قادراً على تأمين الحماية لأطفالك، وأنك تبكي يومياً عندما ترى صغارك يسعلون ويتقيأون أمعاءهم المليئة بالبكتيريا. وقل له، أن يخرس، هو و"خبير الرائحة" الذي أتى به من الخارج ليفكّ لغز الروائح النتنة المسرطنة.

أخبره أنّ طبق المجدرة بات مكلفاً. وأنّ كلّ ما تأكله "مضروب". أخبره أنك لا تثق حتى بالأدوية التي تقمع بها وجع الجسد.

أخبره أنه يضع على فمك شريطاً لاصقاً، ويحشر أنفه بتعليقات تكتبها في عالمك الافتراضي، ثم يزجّ بك في السجن ويذهب إلى المحافل الدولية مخاطباً بالعفة والحقوق.

أخبره أنّ اليخت الذي يملكه ويجوب البلدان على متنه، يضاهي سعره تكاليف بناء محطات لوسائل النقل العامة. وأنك تموت ألف مرة عندما تركب سيارتك لتذهب إلى العمل، وتختنق مليون مرة ولأكثر من سبب، وأنه بمواكبه ومراكبه يدوس على كرامتك ويمضي.

حدّثه عن لبنانيين لا يملكون جنسية لبنانية لأن أمهاتهم تزوّجن أجانب. وعن أطفال يُسلخون عن أحضان أمهاتهم، لأن قوانين الأحوال الشخصية تفيض طائفية. وحدثهم عن ديكتاتورية مقنعة، فلست تملك حرية الاختيار في شيء، حتى في نوع الزواج.

حدثه عن أعياد ما عادت أعياداً. عن كآبة يومية. عن حالات انتحار يومية. عن آلام والتواءات في الرقبة والعمود الفقري. عن ذاكرة تتمنى الألزهايمر.

قل له إنه لطّخ كل شيء. وأنك لن تسمح له بغسل الدماء عن يديه. صار البلد مزبلة. مقبرة. وصمة عار. قشرة بصلة يشمئز منها الذباب.

حدّق بوجهه بعد. قل له أنّ على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأنك مستعدّ للموت في الساحات، كي تحيا. ولا تدع هذا الوقح يسخر منك ويسألك: ألك حياة يا ابن القهر والذلّ...لا تدعه!

فلتعش حراً، كريماً، ثائراً، جميلاً، كما لم تعش من قبل.