القناة 23 صحافة

بين رفيق وسعد.. ما بناه الأب هدمه الابن

- lebanon debate

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

في الحديثِ عن "الحريريّة السياسيّة" التي حَكَمَت لبنان لعقودٍ، لا بدّ من تجزئةِ تجربتها في الحكمِ الى مرحَلَتَيْن:

الأولى، منذ العام 1992 مع تشكيل رفيق الحريري حكومته في عهدِ الرئيس الياس الهراوي الى يوم استشهاده عام 2005، أما الثانية، فتكمن في دخولِ سعد الحريري الى السّلطةِ كوريثٍ سياسيٍّ لـ "آل الحريري" وممثّل العائلة في الحكمِ.

مقارنة المرحَلَتَيْن، أمرٌ أساسيٌّ لمعرفةِ الاخفاقات أو الانجازات وتراكمها بين "الأب والإبن" وما إذا كان اختيار سعد الحريري خلفًا لوالدهِ صائبًا أم تَرَكَ فراغًا كبيرًا على المستويات كافة.

كانت خطّة رفيق الحريري حين تسلَّمَ رئاسة الحكومة بعد الحرب، تتمثَّل في بناءِ دولةٍ على قاعِدَتَيْن متينَتَيْن: قاعدة الحجر عبر اطلاق مشاريعٍ تتَّصل بالبنية التحتية للدولة أو تلك المتعلقة بالادارات والمؤسسات العامة التي أفرغتها الحروب ودمَّرَت بنيتها الوظيفيّة.

وقاعدة بناء الانسان اللبناني الذي قال عنه الحريري يومًا، أنّه "شعبٌ اعتادَ النظر الى الامامِ لا الى الوراءِ". ومن هذه القناعة، انطلقت مؤسسة الحريري لتقديم المنحِ للتعلم في لبنان والخارج عام 1979 أي بعد اندلاع الحرب الاهلية بأربعِ سنوات، وظهر جليًا ايمان الحريري بشقِّ "بناء الانسان" من خلال المؤسسات التعليميّة التي أسَّسَها الرجل ومنها مجمّع الحريري الذي هدَمه العدوان الاسرائيلي عام 1982 قبل أن يُعادَ ترميمه بعد الحرب.

وفي مقارنةٍ بسيطةٍ بين الأمس واليوم، يظهر جليًا الاختلاف في الرؤيةِ كما النتيجة بين "الأب والإبن"..

جاء رفيق الحريري "الوسيط السعودي بين دمشق وبيروت وواشنطن والذي تولى مهمة اسقاط اتفاق 17 ايار"، كرجل انقاذ عام 1992 كي يطفئ ثورة الجياع التي انطلقت شرارتها في عهدِ حكومة الرئيس عمر كرامي آنذاك، يومها وصَلَت الليرة اللبنانيّة إلى أسوأ مستوياتها مقابل الدولار (3000 ليرة للدولار الواحد)، أما سعد الحريري فقد فعل عكس والده، إذ أشعلت حكومته ثورة "17 تشرين" ومعها تخطّى سعر الدولار الـ 2000 ليرة لبنانيّة وهو مرشحٌ الى الصعودِ اذا ما استمرَّ الوضع على ما هو عليه.

حين تسَلَّم رفيق الحريري مهامه الحكوميّة، كان على علمٍ ودرايةٍ بالتركيبةِ الداخلية وزواريبها، وبأنّه تسلَّمَ شبه دولةٍ تغيب عنها أيّ رؤية مستقبلية وتفتقد الى سياسةٍ اقتصاديّةٍ وانمائيّةٍ، فبادرَ الى وضعِ حجرِ الاساسِ لاعادة اعمار بيروت مستفيدًا من شركته "سعودي اوجيه" التي كانت تضمّ أكثر من 25 ألف موظف موزَّعة على ثلاثِ قارات، وصوَّب الحريري اهتمامه على وسطِ العاصمة، حيث أنشأ شركة سوليدير ومعها انطلقت عملية اعمار بيروت من مطار ومرفأ ومرافق عامة اخرى، واستفاد الرجل من علاقاته الدولية مع عواصم القرار للسير على حبال الاتفاق السوري السعودي الذي أنتج اتفاق الطائف، فأبعد "الميليشيات" وتمكَّن من "احتواءِ" حالة حزب الله عبر معادلة "الاقتصاد لي والمقاومة لكم".

الغطاء الدولي الذي أمَّنَه الحريري الأب لحزب الله في الخارجِ أكسَبه الشارع "الشيعي" ووفَّر له الدعم الداخلي والتفرّد بصنعِ القرار "الاقتصادي"، رغم بروز اللاعب السوري كعنصر ابتزازٍ دائمٍ كلَّف الحريري الكثير.

وعلى الرغم من رقم الدين العام الذي سجَّله الحريري طيلة فترة حكمه منذ العام 1992 الى العام 2005 والذي وصلَ الى حدود الـ 34 مليار دولار، إلّا أنّه لا يوازي الرقم الذي وصلنا اليه منذ عام 2005 الى اليوم حيث تخطَّى حجم الدين العام الـ 86 مليار دولار، و"بحسبةٍ" بسيطةٍ، يمكننا القول، أنّ الحريري الإبن راكمَ حوالى الـ 51 مليار دولار دينًا اضافيًا وهو رقمٌ لم يصل اليه الأب رغم المشاريع التي نفَّذها طيلة فترة حكمه ولم يفعلها الإبن بل على العكس، ارتفعت في عهده مؤشرات الفساد وفُتِحَت مئات الملفات لمتورّطين من المحسوبين على سعد الحريري.

وللتذكير، فإنّ الدراسة التي اجرتها ادارة الدراسات والبحوث لاتحاد المصارف العربية للتطورات الاقتصادية والمالية في لبنان منذ العام 2000 وحتى سنة 2014، يظهر، أنّ في منتصف عام 2000 شهدَ لبنان تطوّرات اقتصاديّة جيّدة، حيث أنّه في مقابل نسبة نمو حقيقي بلغت 1٫1% عام 2000، وصلنا الى 5٫06% نهاية 2004. ووصل الناتج المحلي الاجمالي للبنان إلى حوالى 21 مليار دولار نهاية عام 2004 مقابل 17٫25 مليارًا عام 2000، كما سجَّلت الفترة 2000 – 2004 متوسّط نمو حقيقيّ بلغ 3٫03 سنويًا.

هذا الاستقرار، شكَّل عامل جذب للمستثمرين ، فارتفع الاستثمار خلال هذه الفترة كنسبةٍ من الناتج المحلي من 19٫13% عام 2000 الى 23,05% عام 2004 وارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر من 1٫34 مليار دولار عام 2002 أي 7% من الناتج المحلي الى 1٫9 مليار دولار عام 2004 (8٫7% من الناتج). كما شهدت هذه الفترة زيادة ملحوظة في معدلات الادخار والتي زادت كنسبة من الناتج المحلي من 1٫76% عام 2000 الى 7٫15% عام 2004 وبمتوسّطٍ سنويٍّ عند 4٫44%، فيما بلغَ معدّل التضخم 2٫21% عام 2004 مقابل تضخّمٍ سلبيٍّ عند 1٫61% عام 2000.

أما عجز الموازنة، فقد شهدَ تراجعًا مستمرًا من 4٫08 مليارات دولار عام 2000، الى 3٫65 2٫08 مليارين عام 2004. وكلّ ذلك، جاءَ نتيجة للاصلاحات الكبيرة التي شهدتها الموازنة والتي أدّت الى تراجعِ العجز من 23٫63% من الناتج المحلي عام 2000 الى نسبة 9٫93% نهاية عام 2004.

بينما في زمن "سعد الحريري"، تظهر الإحصاءات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي ارتفاعًا في مؤشر تضخم الاسعار بنسبة 5.19% الى 104.14 في شباط 2018، في حين تخطَّى العجز في ميزان المدفوعات مقدار 10 مليار دولار خلال السنوات السبع الماضية، كما تراجعت نسبة الصادرات والاستثمارات.

لم ينجَح الحريري الإبن في تطويقِ الأزمات التي رافقته على مدى سنوات حكمه على عكسِ والده.. فـ "سعودي أوجيه" التي كانت تُعَدّ بمثابة امبراطورية الحريري الأب، جاء الإبن كي يقضي عليها ويدفع بموظفيها "المصروفين" الى رفعِ الدعاوى ضدّه واللجوء الى القضاء من أجل تحصيل حقوقهم.

اليوم، باتَ الخوفُ كبيرًا من إنهاءِ الدعم الدولي للبنان والذي ساهمَ في إحيائه رفيق الحريري من خلال مؤتمر "باريس 1 و 2"، فلم يفلح سعد الحريري بتجيير علاقاته الدولية التي ورثها من أبيه الشهيد لمصلحةِ لبنان، فها هو "سيدر" يترنّح تحت ضرباتِ السّلطة السياسيّة التي شكَّلَ سعد الحريري جزءًا منها، والوعود كلّها التي أُطلِقَت حين عقد المؤتمر في باريس بدأت تتلاشى لأن "ميزان" الحريري السياسي فشل في خلقِ توازنٍ داخل السّلطة على عكسِ والده، الذي تمكَّن من السير بين الغام النظام الأمني اللبناني السوري وأبقى بندقية حزب الله بعيدة من شوارعِ العاصمة بيروت ومنعَ حدوث 7 أيار في شوارعِ المدينة التي عَمِلَ رفيق الحريري على بنائها حتى تكون بوابة الغرب نحو الشرق.

 

 بقلم :علاء خوري


  • الكلمات المفتاحية :