القناة 23 مجتمع

فقراء العربات يعانون الأمريْن في طرابلس... "الرزق على الله"

- النهار

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

تتفاقم المأساة في البلاد، وتتصاعد الاضطرابات متخذة بعداً إقليمياً وعالمياً، فيزداد الفقر، وتتسع المآسي، وينوء الفقراء تحت تداعيات التطورات، وأكثر من يعبر عن هذه الحالة هي جماعات الباعة للمواد الخفيفة التي لا تحتاج إلى رساميل رغم قلة مردودها.

بالنسبة للباعة، المهم ادخار بعض أرباح تتيح لهم ولعائلاتهم استمرار الحصول على ربطة الخبز، والحد الأدنى مما يمكن تناوله كطعام يومي، حتى ولو في وقعة واحدة.

ونظراً إلى تأمين العربات الصغيرة والخفيفة بعض مردود كيفما اتفق، فقد انتشر الباعة في كل مكان، وازدهرت حركتهم بالترافق مع تفاقم الأزمة، خصوصاً منذ تفجرها في السابع عشر من تشرين الأول المنصرم.

أبرز العربات، وأكثرها عدداً باعة القهوة بالمصبات، حيث باتت "شفة" من القهوة في فنجان بلاستيك صغير مذاقاً رخيصاً، ومجالًا لديوان وبسعر ٢٥٠ ليرة، متفق عليه دون اتفاق، لكن الكل ملتزم به لأن أحداً لا يريد الدخول بمضاربة في سوق باتت مستقرة على هذه التسعيرة، وبما أن سوقه مضمون حتى ولو لبضع آلاف من الليرات لا تتعدى العشرة في اليوم في أحسن الأحوال، لكنه في أسوأ الأحوال، مدخول مضمون، يغني عن مجاعة.

بعد القهوة، تأتي البليلة، فالذرة المسلوقة، والفشار أو الأبو شار أي الذرة المتفرقعة، والفستق السوداني، والكعك -الحاف أو بالجبنة، وبعض العصائر الموسمية، وإلى ما هنالك من مواد لا تستدعي وفر أموال. وبذلك، صارت العربات الجوالة الصغيرة هي السوق الأوسع طرابلسياً، منها ما سبق تفجر الأحداث، ومنها ما توالد في تطوراتها، أما المتشردون الذين قد ينامون بأمعاء خاوية، فهم الذين لم يعد لهم مدخول، ولا عمل، ولم يلجأوا بعد إلى العربة، الملاذ الأخير لمجابهة المجاعة الداهمة، يفاقمها التصاعد غير المنضبط للدولار.

من الباعة، علاء الكبي الذي يبيع الفستق. هو من الأكثر تحملا لعبء الشراء، وقلة المردود، فالكيلوغرام من الفستق يعلو سعره فوق الخمسة عشر ألف ليرة، والكيس يباع بألف، ولا يمكن بيع أكثر من ٢٠-٢٥ كيساً في اليوم، مما يعني أن الربح لا يتعدى الخمسة آلاف حتى السبعة يوميا.

ويشكو علاء من تراجع المبيعات، وقد بدأ عمله قبل تفجر الأزمة بسنة أو أكثر قليلاً، مثل كثيرين غيره حيث بدأ بائعو الفستق بالظهور بوفرة خلافاً للسابق عندما لم يكن في المدينة إلا بائع واحد أو بائعان فقط، والسبب أن عدة تحميص الفستق هي خاصة، مصنوعة من النحاس، وسعرها غالٍ، بينما بدأ اعتماد الباعة على عدة مصنوعة من ألواح الزنك المطواع بسعر أرخص بكثير من عدة النحاس، مما مكن كثيرين لاعتماد بسطة تحميص الفستق كسلعة للبيع.

يسكن علاء مع عائلته من خمسة أشخاص في أبي سمراء، ويفيد أن المدخول تراجع كثيرا، ولم يعد العمل يكفي إلا لسد بعض رمق.

رياض عكاري، ٣٥ سنة، عنده خمسة أولاد، يعيشون في الأسواق الداخلية للميناء، يبيع القهوة على كورنيش الميناء بعد أن يطغى العتم، وتتراجع دوريات البلدية المانعة للباعة من التحرك بحرية.

يؤثر رياض أن يطلق لقباً على نفسه وهو "أبو الديون"، ذلك أنه لم يعد يستطيع دفع إيجار البيت البالغ 150 دولارا شهريا، ولا تسكير ديونه عند باعة السمانة.

ويقول: "ما أعمله هو تأمين بعض قوت لعائلتي، أما الديون فلا أستطيع أن أفيها، ولذلك يضغط علي صاحب البيت، ويهددني بإخراجي من المنزل، غير آبه بوجود أولاد حتى لو رماهم في الشارع. والأسوأ ان البلدية لا تسمح لنا بالعمل طوال النهار، لذلك أستغل غياب الدوريات، وأركن عربتي على الرصيف، ورغم رياح البحر القوية، والأمطار، أصمد لأنه لا مجال لمدخول آخر أسد به بعض حاجة العائلة".

بين الفينة والفينة، يمر شابان قرب عربة رياض، يوقفان السيارة، ويتناولان منه فنجانين من القهوة، يعطيانه ورقة ألف ليرة، فيرد خمسمئة، أو قد يمرّ أحد المشاة عائداً إلى منزله، فيأخذ فنجانا بـ250 ليرة، حتى إذا تقدم الليل، وقد جمع رياض عشرة آلاف في أحسن الأحول، عاد إلى البيت حاملا بعض حاجاته.

وعصام، بائع الفشار منذ يفاعته، تراجعت مبيعاته كثيرا منذ اندلاع الأزمة، كما قال، وعند بدء الثورة في ساحة النور، قصدت الساحة، واستعدت بعضاً من حركة البيع التي فقدت في مكان توقفي في الميناء، لكن بعد أسبوعين، ازدحمت الساحة بالباعة، وكذلك بالجمهور، فوجدت نفسي في فوضى ولم أعد أستطيع بيع إلا القليل، فعدت إلى موقفي السابق.

يبيع عصام الفشار، ومعه الترمس، والطلب الأساس على الفشار. يقضي عصام الليل، غير آبه بالأنواء، والأمطار، يتخذ من عربته حماية له من البرد، ويمسك مظلة يستخدمها عند اشتداد المطر.


  • الكلمات المفتاحية :