القناة 23 مجتمع

يوميات أمٍّ خائفة على ابنها الموجود في فرنسا: "لبست الكمامة؟ أوعا يا ماما"

- النهار

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

ككلّ صباح، تجلس نهلا الصايغ في غرفة الاستقبال ترتشف قهوتها. لا تفاجَأ حين يتّصل بها ابنها محمّد (24 سنة)، آخر العنقود الذي أنجبته بعد أربع بنات. تسمع الرّنّة، تنظر إلى شاشة الهاتف الّتي تغلفها صورة وحيدها. ابتسامة عريضة تنفرج عن شفتيها.

قبل أن تبدأ صبحيّتها الافتراضية، تقول السيدة نهلا إنها تفتقد لابنها "أحاول إخفاء دموعي. فيسألني لماذا أبعدتِ الشّاشة عن وجهك؟ لكن لا أريده أن يرى حزني".

إنه طقس بداية اليوم، تلجأ إليه نهلا مذ سافر محمد إلى فرنسا منذ ثلاث سنوات ليتابع الدكتوراه في هندسة البترول. مؤخّرًا، باتت دردشة الفيديو عبر الواتساب النافذة الوحيدة الّتي تبدد الشوق عن قلبيهما، تطمئنهما، يطلقان منها التّوصيات: الأمّ تسأله إن خرج من البيت، وهل ينوي الخروج: "وضعتَ الكفوف والكمامة؟" ومحمّد يحاول طمأنة الأمّ ثم يوصيها: "لا تدعي والدي يفتح المحلّ. الوضع في لبنان غير مطمئن".

ولكن الوضع في فرنسا غير مطمئن على الإطلاق. فمن حيث عدد المصابين بكورونا الذي تخطى، حسب أرقام جريدة Libération، الـ11 ألف ضحية، تعدّ فرنسا واحدة من الدول الأوروبية الثلاث الأكثر تضررًا من الوباء إلى جانب إيطاليا وإسبانيا.

لأزمة كورونا مغبّتان، جماعيّة وفرديّة. الحجر يمنع محمّد من مغادرة سكنه في تولوز، ويمنعه من رؤية والدته الّتي لا يقوى على فراقها طويلاً، بعد أن عاد من زيارته الأخيرة في شهر كانون الثاني.

تشرح الوالدة: "علاقتي بابني استثنائية. حين سافر أول مرة، لم يستطع أن يبتعد أكثر من ثلاثة شهور. باغتني مع رفاقه. فتحت الباب لهم، نتبادل الحديث، وإذا به يظهر فجأة من بينهم، يسألني: كيفك ماما؟ كم بكيت يومها وكم احتضنته". وتتابع نهلا الصايغ بأنها طلبت منه ألا يعيد الكرّة: "أنا مريضة سكّري وضغط وكوليسترول. المفاجأة أتت بوقع شديد عليّ لشدّة الفرح".

في تلك السّنة أيضاً، حرص محمّد على أن تزوره أمّه، فأمضيا 11 يوماً حافلاً بالذكريات الجميلة، "جهّز لي برنامجاً كاملاً وتعاون مع رفاقه بالطبخ لاستقبالي". ثم تفتح هاتفها وتقلّب بين الصّور، حيث تفيض العاطفة بين ذراعهم المتعانقة وأعينهم النابضة بالفرح. وتتابع: "في عيدي، احتفل بي مع أخوته في جونية. كانت تلك ليلة سفره". وتحكي الأم أيضاً عن أثمان المسافة الّتي جعلت الأبن يتلوّى حزناً وقلقاً على والدته حين أجرت عمليّة حرجة في قلبها "ألحّ جدّاً لرؤيتي على الهاتف لكن الزيارات كانت ممنوعة. إلى أن سربت له شقيقته صورة من العناية الفائقة".

اليوم، تقول نهلا: "طبعاً، أتمنّى لو كان هنا لنعيّد سويّة. لكن لا مطار بيروت ولا مطاراتهم مفتوحة".

وبالرغم من أجواء وصفتها بـ"القيامة" عن لسان ابنها الذي نقل بأنّ الناس في تولوز "جانّة" وبأنّ الخبز وأوراق المحارم الى نفاد، لكن العناية الصّحيّة في المستشفيات الفرنسية تبقى أفضل من وضعها في لبنان "الدولة هنا تتكفل بطبابتنا. تعوّض للشركات. مهما حصل خوفي عليكم أنتم في لبنان". كلمات معزّية، بقدر ما تقلق الأمهات لسلامة الأبناء أكثر مما يهتممن بسلامتهن.

في عيد الأمهات وفي أي وقت كان، الغربة مريرة وليست حلوة. الغربة ليست ترفاً. تستدرك نهلا الصائغ "لو أمّن هذا البلد (لبنان) أشغال لهؤلاء الشباب، لما غرّبت أم ابنها. زملاء ابني لم يجدوا أيضاً عملاً، فاضطروا الى السفر. أليس قاسٍ ألا يجد أبناؤنا مستقبلاً في وطنهم؟".

بانتظار انحسار الحجر، وعناق قلوب ترفرف بالحب وبفرح "النجاة" من محنة كورونا، تتعاطف السيدة نهلا مع غصة كل أمّ تشتاق لولدها "أتمنى أن يكون لكلّ أم ولد حنون مثل محمّد". ثم تمطره بتمائم الحفظ وتنهيدة رضا "الله يرضى عليك".


  • الكلمات المفتاحية :