القناة 23 صحافة

هكذا مرّت "طائرة الفاخوري" فوق الرؤوس!

بقلم ملاك عقيل - lebanon debate

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

يفترض أن يُبقي مقتل العميل السابق في "جيش أنطوان لحد" أنطوان الحايك في بلدته المية ومية ملف عامر الفاخوري مفتوحًا، ربطًا بـ "اللينك" المحسوم بين القضيتين، بحيث أعقبت الجريمة مغادرة العميل الفاخوري لبنان على متن طوافةٍ عسكرية أميركية.

يأتي ذلك في ظل تسليم جهاتٍ مطّلعة بأن هناك أكثر من سيناريو محتمل لهذا الحادث، لكن الأكثر ترجيحًا هو وجودُ طرفٍ ثالثٍ استغل توقيت إسدال الستارة عن ملف الفاخوري "لتنفيذِ عمليةٍ ستنقلب ضد حزب الله، وتصوّره كطرفٍ طالب للثأر".

بدا الأمر بالنسبة الى هذه الجهات كـ "تغطيسٍ لحزب الله الذي تعاطى منذ العام 2000 مع ملف العملاء، ثم بعد توقيعه وثيقة التفاهم مع التيار الوطني الحر، بكثيرٍ من الدراية والاستيعاب بالنظر لحساسيتهِ الى حين وصول الفاخوري الى لبنان في أيلول الفائت".

وحتى الآن لا تزال علامات الاستفهام ترتسم حول العديد من القطب المخفية في ملف الفاخوري منذ لحظة وصوله الى مطار بيروت حتى مغادرته على متن طوافة عسكرية من السفارة الاميركية في عوكر، وما رافق ذلك من وضع الجيش في مرمى الاستهداف خصوصًا مع انتقال الملف الى المحكمة العسكرية ثم نقل الفاخوري الى السفارة.

الحديث عن الضغوط الاميركية في هذا الملف بات ممجوجًا، لكن ما لا يزال عرضة للتأويل والتحريف هو الدور اللوجستي و"السياسي" للجيش في هذا الملف.

فمنذ صدور الحكم بكفّ التعقبات بحق الفاخوري وتبلّغ المحامين بالحكم بات عامر "جزار الخيام" بمثابة مواطن أميركي حرّ. حتى هذه اللحظة كان لا يزال العميل السابق بحماية وحراسة الشرطة العسكرية بوصفه موقوفًا لصالح النيابة العامة، كما في باقي الحالات المماثلة.

وفيما كان لافتًا قول أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير "ماذا كان مطلوبًا من حزب الله أن نُرسِل الشباب ويقوموا بنصب كمينٍ لقافلةٍ ‏للجيش أو القوى الأمنية، لا أعرف من متعهّد بحمايته، ونصطدم معهم وهم يقومون بنقله من المستشفى الى السفارة الأميركية ‏وأن نقتل ضباطًا وجنودًا من أجل أن نعتقل عامر الفاخوري؟"، فإن المعطيات تؤكد أن من اللحظة التي وصلت فيها عناصر السفارة الى المستشفى لنقل الفاخوري انتهى دور الجيش هنا، وقد تأّمّنت المواكبة بسياراتٍ دبلوماسيةٍ عائدة لسفارة عوكر من دون أي مرافقةٍ أمنيةٍ من جانب الجيش.

وما بات مؤكّدًا، أن الملفّ برمّته لم ينتقل بأي لحظةٍ الى مديرية المخابرات كما تجري العادة في ملفات تحقّق فيها أجهزة أمنية ثم تحال الى المخابرات بإشارة النيابة العامة. فمن من الأمن العام الذي تولى توقيفه الى مفوض الحكومة العسكرية بيتر جرمانوس الذي أحال الملفّ على معاونته القاضية منى حنقير (الادعاء) ثم القاضية نجاة أبو شقرا التي أصدرت القرار الظني من دون الإستعانة بأي جهازٍ أمنيٍّ لإجراء التحقيق، بل تولّت الامر بنفسها وطلبت استنابات عدّة من الاجهزة وتمّ تزويدها بها. وفي هذه المرحلة كان الفاخوري يبيت أحيانًا بسجن المحكمة العسكرية والشرطة العسكرية في الريحانية، الى أن استجدت مسألة مرضه، وصار "سجين" المستشفيات.

وفيما كانت الضغوط الاميركية تتزايد مع انتقال ملف الفاخوري من مرحلة الى أخرى وصولًا الى المحكمة العسكرية تركّزت الانظار على دور قائد الجيش الذي سمع بدوره، تمامًا كما كبار المسؤولين في الدولة، هواجس واشنطن من بقاء الفاخوري موقوفًا وضرورة إطلاق سراحه فورًا "NOW".

لكن في المحطات كافة التي وجد فيها العماد جوزاف عون نفسه أمام أسئلةٍ من هذا النوع كان الجواب واضحًا: القانون يحكم، والقرار للمحكمة العسكرية. حتّى حين فاتحه رئيسها العميد حسين عبدالله بإحتمال تنحيه كان الجواب أيضًا: طبّق القانون، مع تشديد عون أمام سائليه بأن لا أمرة لقيادة الجيش على المحكمة العسكرية التابعة إداريًا لوزير الدفاع.

ومع ركون كافة أعضاء المحكمة العسكرية الى القانون النافذ في حكمهم، توجّهت الأنظار الى "الإخراج" الاميركي لفيلم المغادرة المثير... و"الدولة تتفرّج".

في المعلومات، لا رادار جوّي يملكه الجيش اللبناني. الرادار المدني الوحيد مركزه مطار بيروت، إضافة الى رادارات بحرية غير محدّثةٍ ولا تفي بالمطلوب. عمليًا الدولة "العميقة" لم تعرف من أين انطلقت الطوافة الاميركية ولا وجهتها بعد مغادرة سفارة عوكر، ولا حتى علّقت أو أصدرت بيانًا تنقذ من خلاله ماء وجهها.

وفق المتعارف عليه، وإستنادًا الى اتفاقية عائدة الى الثمانينات (بمنح ترخيصٍ سنويٍّ يجدّد تلقائيًا للطائرات الاميركية بدخول الأجواء اللبنانية) تقوم الطائرات العسكرية بطلب الإذن بدخول الأجواء اللبنانية قبل 48 ساعة مع ذكر نوعية الطائرة وخط سيرها وعدد ركابها وإتاحة الهبوط في مطار بيروت أو عوكر أو حامات أو قاعدة رياق، ومن ثم تزويد مطار بيروت بكل هذه المعلومات على اعتبار أنّ خط سير هذه الطائرات هو خارج خط الملاحة الجوية المدنية. مع العلم أنّ هناك قرارًا قد صدر سابقًا عن مجلس الوزراء بتكليف الجيس تولي أمر الطائرات العسكرية.

لكن في حالة "طائرة الفاخوري" لم يُطلب هذا الإذن، بل مع دخول الطائرة الأجواء اللبنانية نادت مركز القيادة في مطار بيروت طالبة الـ Refueling، فيما أبلغ المطار بدوره قيادة الجيش بذلك. بدا الأمر كتمويهٍ أميركيٍّ مكشوف لتأمين خط سير آمن باتجاه السفارة الاميركية كون وفق النظم الجوية العالمية أي طائرة تطلق هذا النداء يسمح لها بالهبوط في مدرج الدولة المعنية.

قصة الفاخوري من ألفها الى يائها، وبألغامها كلّها، يصعب جدًا فصلها عن مسارٍ طويلٍ بدأ بعيد وقتٍ قليلٍ من تعيين قائد الجيش وتحوّل الى منصةٍ للهجوم المباشر على قيادة الجيش وقد بلغ ذروته مع انطلاق التظاهرات الشعبية في تشرين الاول الفائت واستمر في المنحى نفسه مع قضية الفاخوري ثم من خلال النقاش الدائر اليوم حول احتمال إعلان حالة الطوارئ العامة.

وللمفارقة، شارك في تأمين المقوّمات اللوجستية لهذا الهجوم إما من يفترض أنه من الفريق السياسي الداعم لجوزاف عون، أو من تسلّح بأحكامٍ سلبيةٍ مسبقة بحق المؤسسة العسكرية يُغلّب فيها منطق الروايات البوليسية الخيالية على المعلومة والواقع.


  • الكلمات المفتاحية :