القناة 23 مجتمع

طبيب لبناني يروي تجربة "كورونا" المرعبة في إيطاليا.. كأنها الحرب!

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

"وصلت إلى مستشفى سانت آنا لأجد خيمة كبيرة معزولة داخل الحرم. وعلى الرغم من درامية الوضع نتيجة وجودي في العمل معظم الوقت هذه الأيام، لم يخطر في بالي المشهد الذي كنت على وشك رؤيته. توابيت مكدسة مليئة بالجثث. توابيت حُفر عليها أسماء الموتى. مرّ شريط الحرب الأهلية اللبنانية البغيضة بأكمله أمام عينّي أثناء وقوفي أمام توابيت ضحايا فيروس كورونا".

بهذه الشهادة، يستهل البروفسور الإيطالي اللبناني الأصل فؤاد قانصو توثيق تجربته في مكافحة فيروس كورونا المستجدّ، بُحكم موقعه كأحد أبرز المسؤولين عن مكافحة الوباء هذه الأيام في إقليم لومبارديا، شمال إيطاليا، إحدى بؤر كورونا الأكثر انتشاراً عالمياً.

في التاسع العشرين من ديسمبر (كانون الثاني) الفائت، سمع الأطباء في شمال إيطاليا بوجود سائحَين صينيَين اثنين أتيا من ووهان إلى روما، وتم إدخالهما العزل في مستشفى سبالانساني في العاصمة للاشتباه بإصابتهما بفيروس كورونا المستجدّ.

"لم نكن في إيطاليا على إدراك مسبق بخطورة الفيروس وسرعة انتشاره، خصوصاً أن بيانات منظمة الصحة العالمية آنذاك لم تكن تدعو إلى القلق"، يكشف قانصو في حديث خاص لـ"إندبندنت".

كورونا أسرع انتشاراً من سارس

"سمعنا للمرة الأولى بشأن كورونا مطلع ديسمبر (كانون الثاني) 2019. مرّ شهران، أي مع نهاية ديسمبر من العام الحالي، قبل أن نعلم عبر وسائل الإعلام أن السلطات الصينية تتعامل مع الفيروس على أنه أسرع انتشاراً من سارس، وأنه بات ينتقل من إنسان إلى آخر"، يحكي الطبيب اللبناني الأصل الذي يعيش في إيطاليا منذ أكثر من 25 عاماً.

"في الوقت الذي كان السائحان الصينيان يُعالجان في مستشفى روما في نهاية ديسمبر، بلغنا أن باحثاً إيطالياً عاد من رحلة إلى الصين وتبدو عليه عوارض كورونا، إضافة إلى شاب يبلغ من العمر 18 سنة"، يقول قانصو، أستاذ أمراض الدم في جامعة سان رافييلي في ميلانو، وأستاذ الأمراض السريرية في جامعة بريشيا.

لكن هذه الإصابات، الصينيان والإيطاليان، تعافت بسرعة، ومن دون أن تترك لدى أطباء إيطاليا أي إنطباع بوجود خطر وشيك.

مع بداية فبراير (شباط)، أطلقت منظمة الصحة الاسم العلمي على الفيروس "كوفيد-19"، وأعلنت حالة الطوارئ وأن الفيروس في طور التحول إلى وباء.

قررت إيطاليا عندها وقف جميع الرحلات إلى الصين.

يوضح قانصو، أن إيطاليا هي "الدولة الوحيدة في أوروبا التي اتخذت هذا الإجراء" باكراً، على عكس كثير من الدول الأوروبية التي تأخرت في إجراءاتها، وهي تمرّ اليوم بما تمرّ به إيطاليا، ملمحاً إلى أن العديد من الدول الأوروبية "تعمدت إخفاء إصابات كورونا في مجتمعاتها، على عكس الحكومة الإيطالية التي كانت شفافة مع شعبها".

استنفار

حتى 20 فبراير، "كنا نتعامل، أطباء ودولة، مع الفيروس على أنه آت من الصين. حتى صُدمنا في 21 فبراير بتفشّي أعراض الفيروس نفسه في ثلاث بلدات صغيرة في منطقة لودي في إقليم لومبارديا، يتابع قانصو.

على الفور، فرضت السلطات الإيطالية عزلاً كاملاً على هذه المنطقة، ومُنع الناس من الخروج منها أو الدخول إليها.

مع بداية مارس (آذار)، تم استنفار الجسم الطبي كاملاً في شمال إيطاليا، ومن بينهم البروفسور قانصو الذي كُلفّ مهمات أساسية في إدارة عملية احتواء الفيروس في لومبارديا وتنسيق الجهود الطبية.

"الأسبوع الأول من شهر مارس كان الأسبوع الحاسم بالنسبة إلينا. إذ انتشر الوباء في الإقليم كله. كما بدأ يتسع إلى مناطق أخرى".

في الرابع من الشهر الحالي، سجل فريق الدكتور قانصو وحده 2700 حالة إصابة بكورونا. بعد أربعة أيام، اتخذت السلطات قراراً بعزل كامل إقليم لومبارديا وأربع عشرة مقاطعة أخرى، نتيجة البيانات التي تجمعت لديها من أكثر من مركز إدارة للأزمة.

وبعد يوم واحد، أعلن رئيس الوزراء الإيطالي ليلاً إخضاع الأراضي الإيطالية كلها لإجراءات الحجر والعزل.

"لم أرَ ضوء الشمس إلا في الأسبوع الثالث من مارس الحالي"، حين سمحت السلطات له بأخذ قسطٍ من الراحة خارج المستشفى. لكن تلك الاستراحة لم تتح له بطبيعة الحال رؤية أسرته أو الاقتراب منها.

الأسبوعان المقبلان حاسمان

يمتنع الطبيب، الذي بات نجماً على شبكات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيونات العربية، أن يشارك الجمهور أياً من تجاربه مع المرضى "لدواعٍ مهنية وأخلاقية"، لكن مقاطع الفيديو المنتشرة له تعكس بوضوح حسّه الإنساني وتفاعله مع التجارب المباشرة التي يخوضها في مكافحة الوباء.

ويرفض قانصو التحدّث عن أسباب عدم تعاون الدول الأوروبية مع إيطاليا في أزمتها، مشيراً إلى أن الصين هي الدولة الوحيدة التي سارعت إلى مد يد العون.

في الوقت الراهن، يلحظ فريق البروفسور قانصو تراجعاً بطيئاً في عدد الإصابات بالفيروس. "الأسبوعان المقبلان سيكونان حاسمين"، يقول البروفسور الذي يدعو الجمهور إلى عدم نسيان أن ارتفاع عدد الإصابات والوفيات بالوباء في إيطاليا يعود بشكل رئيسي إلى ارتفاع معدل الأعمار في هذه الدولة التي تمتلك واحداً من أهم الأنظمة الصحية في العالم، على حد تعبيره.

وعن الجدل القائم على شبكات التواصل وفي وسائل الإعلام في شأن طبيعة الفيروس ومنشأه الحقيقي، يجيب قانصو "أنا رجل علم. لا أؤمن بالمؤامرات، وإثبات أي دليل في قضية بهذا الحجم قد يحتاج إلى سنوات طويلة. ولكنني أعلم أننا في حرب وسننتصر فيها".

"اندبندنت عربية" - علي شهاب


  • الكلمات المفتاحية :