القناة 23 إقتصاد

رسالة نصرالله بالبريد المصرفي.. بالأرقام

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

تحت عنوان: "رسالة نصرالله بالبريد المصرفي.. بالأرقام"، كتب حسين أيوب في موقع "180post": تتفق مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أو تختلف معه. توَدهُ أو تكرههُ. لكن لا يمكنك إلا أن تلتقي مع معظم مقاربته للملف المصرفي اللبناني، في خطابه الأخير. قدّم زعيم أكبر حزب لبناني مطالعة، أدخلته إلى معظم بيوت اللبنانيين، بتركيزه على مسألة حماية صغار المودعين، بإعتبارها واجباً إنسانياً وأخلاقياً، وليست قضية سياسية أو إقتصادية أو مالية، تخص فئةً أو طائفةً أو منطقةً أو حزباً.

عملياً، يحاذر السيد حسن نصرالله الجلوس في مقاعد النادي السياسي اللبناني التقليدي. تسنت له فرصة التعرف إلى أعضاء هذا النادي، إما مباشرة، أو بصورة غير مباشرة. سمحت له تجربة الحوار الوطني، ما قبل تموز 2006، بأن يلتقي "رموز" النادي. علاقته وثيقة بمعظم السياسيين المنتمين إلى جناح الثامن من آذار وحتى ببعض المنتظرين، إما على مقاعد وسطية أو رمادية.

في السياسة، لم يعد حزب الله طارئاً. صار شريكاً، بكل مواصفات الشراكة، لا بل هو متهم بأن أمينه العام هو الرئيس الفعلي للجمهورية، والرئيس الفعلي أيضاً للحكومة. ولكل من يشتهي أن يعظّم أو يقلّل من مكانة الحزب أن يعترف في النهاية أن المشروعية ـ الشراكة، مستمدة في السياسة، زيادة أو نقصاناً، من مطارح مختلفة: ولاية الفقيه (إيران)، الدور الإقليمي، سلاح الحزب، ولكن ذلك كله وغيره، لا ينفي حقيقة أن الحزب، وعدا كتلته النيابية، يمتلك قاعدة شعبية عريضة في بيئته المذهبية، وقابلية عبور وتمدد نحو بيئات أخرى، لكن وفق خط بياني، سياسي وطائفي، تبقى مؤشراته عرضة للصعود والنزول، وتجعل من الحزب إشكالياً، بكل معنى الكلمة.

إقتضى الخوض في الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله، بعض المقدمات، ومنها أيضاً، أن السيد نصرالله، وعدا متابعاته الإقليمية، يحاول أن يُلم بكل شاردة وواردة محلية. برغم ذلك، لا يريد أن يصنّف في خانة حاملي بطاقة العضوية الكاملة في النادي السياسي اللبناني. السبب بسيط. هو، وكثيرون، مثله، في قيادة حزبه، لا تبارحهم نظرة دونية ما لمعظم الطبقة السياسية. توحي لهم هذه الطبقة بالكثير من المفردات السلبية التي تتناقض وثقافة حزبية ـ دينية متراكمة ومتعددة المشارب.
 
بالطبع، لا يبرىء ذلك حزب الله، ولا ينبغي أن يبرئه أو يجعله في موقع القداسة، كما يحلو للغيارى عليه عاطفياً أن يضعوه فيه دائماً. في أصل خوضه للسياسة، وإقترابه، لا بل إلتصاقه بمنظوماتها، يصبح مبرراً إرتفاع منسوب الخوف من الحزب وعليه، ومن هنا، أيضاً، يصبح مفهوماً كيف أن تنظيماً حديدياً مركزياً مثل حزب الله، قرر في الشهور الأخيرة، أن يفرز قيادياً كبيراً لمهمة حساسة تتعلق بالتحقُق من أية شبهة فساد في الصفوف الحزبية، وتحديدا لمن هم أكثر إحتكاكا من غيرهم، بالبيئة الحكومية (وزارات خدماتية ومؤسسات وإدارات عامة ومؤسسات أمنية وجمركية إلخ)، أو ببيئة القطاع الخاص، بكل مغرياتها.. فهذه كلها، وغيرها، تتنافى و"التربية الجهادية" التي يفترض أن تكون نواة الحزب الصلبة قد حصّلتها على مدى سنوات هذه التجربة، بدءاً من الجيل الأول (المؤسس) إلى الجيل الأخير (على عتبة العقد الثاني من عمره). منظومة فكرية دينية تجعل كل حضور للحزب في الإدارة أو السرايا محكوماً بأن يكون في خدمة الهدف الأم، ولا بأس أن يحاول كل واحد أن يحزر ما هو هذا الهدف.

لا يبرىء ذلك لا وزراء الحزب ولا نوابه ولا قادته. لا بد من "الغطس". النأي بالنفس عن الدولة وأهلها كان له زمانه (لكم هونغ كونغ ولنا هانوي). إنتهى ذلك عملياً لحظة الخروج السوري من لبنان. صار الحزب هو ضمانة نفسه أولاً، وكل نفخٍ لحليف أو صديق “ضامن”، لن يكون مُضراً طالما أنه يفيد التوازنات الطائفية والمذهبية أولاً، لا التوازنات الوطنية أساساً.

كبُر الحزب وتمدد خارج حدود لبنان. الأدق أن "الدور" تمدد، وصار لزاماً على السيد نصرالله أن يقرر أية كلفة يجب أن يدفعها وأي مردود سيجنيه، عندما يكون جزءاً من أولئك اللاعبين على خطوط تماس الأمم. هو يواجه "الشيطان الأكبر" في ميادين سوريا والعراق واليمن. يواجه لاعبين إقليميين آخرين، والأهم أنه يحسب حساب مواجهة حتمية لا بد آتية مع إسرائيل.

هل كان مفاجئاً لحزب الله أن تتدحرج كرة العقوبات والحصار المالي، بالتزامن مع تدحرج حضوره أو دوره في الإقليم؟ حتماً، كان يجب أن يعد العدة لذلك، مثلما وضع في حسبانه في العام 2000 أنه سيدفع ثمن حضوره المركزي في تجربة تحرير أول أرض عربية من الإحتلال، بالقوة ومن دون قيد أو شرط أو إذلال.

كان بمقدور حزب الله أن "يبلع" العقوبات الأميركية لو أنها بقيت محصورة وضيّقة، لكن عندما مسّت مصالح بيئته كلها، بإغترابها ورجال أعمالها ومصارفها ورموزها الإقتصادية والمالية، قرر أن يرفع الصوت.. أن يواجه ويصارح ويهدّد ويضرب يده على الطاولة. الخلاصة التي إستقاها، شاء أن يفضي بها أم لم يشأ، هي أن النظام المصرفي اللبناني، لعب ويلعب دوراً سلبياً، وعنده الكثير من الوقائع التي تدعم قناعته الراسخة هذه، وربما يعطي أسباباً تبريرية، طالما أن الولايات المتحدة هي التي تطبع الدولار وتراقبه وتدير من خلال حركته كل النظام المصرفي العالمي.

كان بمقدور حزب الله أن يسحب الذرائع. أن يغادر منطق الصمت والسكوت عن واقع الفساد المستشري، القديم منه أو الحديث. كان مُنتظراً أن يؤول تراكم الفساد وإزدياد العجز والمديونية إلى إهتزاز الإستقرار، الذي لطالما إدعى الحزب أولوية حمايته، بما أوتي له من إمكانات.

وبرغم ذلك، كان لا بد من تقبل الأثمان و"بلع الموس" بأعذار مختلفة، إلى أن جاء زمن ما بعد السابع عشر من تشرين الأوّل. تغيرت الصورة كلياً. إكتشف الجميع هولَ ما صنعت أيديهم. منظومة سياسية تصرف بطريقة زبائنية، وثمة مصرف مركزي يمولها على مدى عقود من الزمن، بأموال المودعين. جاءت الإنتفاضة وإنكشفت معها أمور عديدة. الأفدح هو أداء القطاع المصرفي في لبنان. إرباك. إفتقاد للمبادرة. جشع مبالغ به. تنمر إزاء الجمهور. تحايلات مكشوفة. ماذا كانت النتيجة؟

القطاع المصرفي صار تحت الأرض. وحتى ينهض مجدداً، يحتاج إلى سنوات ضوئية، وهيهات أن ينهض وأن يستعيد ثقة هي أغلى من كل ما راكم ويراكم من أرباح. ثقة مودعين خسروا جنى عمرهم لا بل أعمارهم، في بلد مثل لبنان، لطالما كان حمّال مفاجآت وحافل بالأزمات والحروب والويلات.
 
عندما داهمنا كورونا، تبدى للوهلة الأولى، أن إرادة إلهية قررت أن تنتصر أيضاً لأصحاب الرساميل. كل التقديرات كانت تشي بأن البنوك ستتوقف عن الدفع بالعملة الأجنبية في موعد أقصاه نهاية آذار. بدا الفيروس القاتل مثل “الشحمة عالفطيرة” بالنسبة للمصارف. أقفلوا أبوابهم وقدموا ذرائع مختلفة، آخرها أن نقل الدولارات الطازجة من أميركا إلى كل أنحاء العالم "بات متعذراً"!

ظلّوا يراكمون حتى في عز الأزمة الوطنية (نموذج بيع اليوروبوند للمصارف الأجنبية). رساميلهم في المصارف المراسلة أخفوها. معظم ودائع كبار المصرفيين (المصارف العشرة الأولى) تم تهريبها خارج لبنان. كل أهل القرار يعرفون بالأسماء كيف حوّلت مليارات الدولارات، وكيف أعفيت هذه التحويلات من الضرائب، حتى لا ينكشف أمرها نهائياً. تصوّروا مثلاً أن كل المودعين من دولار واحد إلى مئة ألف دولار يقدرون بنحو 92% من المودعين (2.529.157 من أصل 2.774.014)، وهؤلاء تصل قيمة ودائعهم بالعملة الصعبة لنحو 12 مليار دولار، وبينهم 900 ألف مودع تحت الثلاثة آلاف دولار ولا تتجاوز قيمة ودائعهم بالعملة الصعبة الـ 344 مليون دولار (أنظر الجدول ـ الصورة أعلاه مع الموضوع).

بالأرقام أيضاً، يمثّل أصحاب الودائع التي تتخطّى قيمتها المليون دولار نحو 1% فقط من أصحاب الودائع (21 ألف مودع)، لكنّ قيمة ودائع هؤلاء توازي حوالي 46% (85 مليار دولار). وفي المقلب الآخر، لا يملك الـ 99% من أصحاب الحسابات المصرفيّة، التي تقل قيمتها عن مليون دولار، سوى 54% من إجمالي الودائع الموجودة في المصارف بالعملتين الوطنية والصعبة.

هذه الأرقام لا تدعو سوى للأسف. الأسف على تلك الصورة المذلة التي إرتضاها لنفسه رئيس الحكومة حسان دياب عندما قبل تبرعاً من جمعية المصارف بقيمة ستة ملايين دولار، لدعم معركة الشعب اللبناني في مواجهة فيروس يهدّد كل بيت في لبنان والعالم، وهو الذي كان قد تعهد منذ اليوم الأول لنيل حكومته الثقة، بحماية حقوق 90 في المئة من صغار المودعين. وهذا أمر يُسجل له، لكن هل هذه الصورة ـ الإهانة هي جزء من خارطة الطريق الحكومية لحماية صغار المودعين؟

للحكومة أن تبادر، والبداية أولاً، من تيسير أمور صغار المودعين، كما قال السيد نصرالله، وهؤلاء لا يحتاجون إعانات مدمغة بختم جمعية المصارف، بل يحتاجون بعض مالهم علّه يقيهم عوز بطالة ويحميهم من غدر كورونا، ونحن نتحدث هنا عن 344 مليون دولار لكل أصحاب الودائع تحت سقف 3 آلاف دولار أميركي.

ثانياً، تسهيل التحويلات للطلاب الموجودين في الخارج، وخاصة في بعض البلدان التي تواجه كارثة حقيقية في هذه الأيام. هذه التحويلات لا تتجاوز بأقصى حدودها سقف الـ 250 مليون دولار سنوياً، وتكون محكومة بقيود (مصاريف الطلاب وأجرة سكنهم وكلفة تسجيلهم إلخ). إيجابية هذه القضية أنها تخفف الضغط على الدولار في السوق السوداء، إذ أن أهالي هؤلاء وعندما توصد الأبواب بوجههم، يلجأون إلى مدخراتهم بالعملة اللبنانية، ويحوّلون حاجة أولادهم بالخارج إلى العملة الصعبة.

ثالثاً، تسهيل أمور بعض القطاعات التي هي على تماس مع حالة الطوارىء الإجتماعية. هناك تجار وصناعيون يحتاجون إلى مبالغ بالعملة الصعبة لتأمين حاجيات أساسية للسوق.

رابعاً، التعامل بإيجابية مع حالات فردية قاهرة وإستثنائية وبـ"شحطة قلم" من مدير فرع لا رئيس مجلس إدارة مصرف، والأمثلة كثيرة.

للمرة الأولى، يلوّح السيد نصرالله بعصا الأرقام: "أنتم وعلى مدى 28 سنة، جمعتم ثروات تقدر بعشرات مليارات الدولارات، وكنتم تستثمرون بأموال الشعب اللبناني، فكيف نستثير إنسانيتكم".
 
 
ما لم يقله أن رساميل هذه المصارف لم تكن تتعدى الـ 300 مليون دولار في العام 1993.. أما رساميلها اليوم، فتقدر بنحو 22 مليار دولار. كان كل حجم الودائع في العام 1992 لا يتجاوز الملياري دولار. في العام 2020 وبرغم الأزمات، لا يقل حجم الودائع عن 164 مليار دولار. أرباح المصارف السنوية، في العام 1992، وحسب أرقام جمعية المصارف، كانت بحدود 63 مليون دولار سنوياً. أما أرباحهم السنوية في السنوات العشر الأخيرة، فقد تجاوزت العشرة مليارات دولار، أي بمعدل سنوي يزيد عن ملياري دولار، ولا تشمل هذه الأرقام الهندسات المالية التي درّت على المصارف أكثر من عشرين مليار دولار، ولكنها لم تسجل ضمن أرباحها السنوية بل تم جعلها جزءاً من المؤونات على عدة سنوات، بالتفاهم مع المصرف المركزي.

تكفي مقارنة حصة ربح المصارف من الناتج المحلي (4%). إذا عقدنا هذه المقارنة، يتبين لنا أن ارباح القطاع المصرفي في لبنان تتجاوز بمرة ونصف ما تربحه المصارف في الولايات المتحدة وبمرتين ما تربحه المصارف في السعودية وبثلاث مرات ما تربحه مصارف فرنسا. ثم، وهذا سؤال إعتراضي، هل توزعت هذه الارباح ام بقيت ضمن المصارف؟

المعالجة تحتاج إلى قرار سياسي كبير أولاً. الخطوات التالية تكون إقتصادية ـ مالية ـ إجتماعية. ليست مسألة قيود وحسابات. يستطيع الجميع التحايل في القيود. المطلوب أن تتولى المهمة جهات دولية. لا يجب أن يقتصر الأمر على قيود مصرف لبنان، بل يجب أن يشمل قيود المصارف ووزارة المال. الهدف هو الوصول إلى أرقام موحدة.

ما يجري اليوم من تبادل إتهامات يفيد كل من لا يرغب بتحمل المسؤولية وهؤلاء كثر. الحكومات المتعاقبة و"أرواحها" موجودة في الحكومة الحالية. حاكم المصرف المركزي. المصارف. لذلك، ثمة بداية بالسياسة، وترجمتها الأولى مجموعة كفاءات تستكمل المجلس المركزي لمصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف وهيئة الأسواق المالية. المواجهة تكون بكفاءات، ثم بإطلاق ورشة تدقيق في الأرقام والحسابات المالية. الفجوة كبيرة في هذه الحسابات، ولو أدرك اللبنانيون تلك الأرقام التي تمتلكها بعض شركات التدقيق العالمية، لإستشعروا أن هناك من يهمس في آذان الجميع: ودائعكم طارت نهائيا.

لا تقصد هذه الكلمات أية إساءة إلى القطاع المصرفي وتحديدا العمال والموظفين فيه. كلنا نعلم أن هذا القطاع هو من أكبر قطاعات التوظيف في لبنان من بعد القطاع العام. حتى أن الكثير من موارد الدولة تتأتى من الضرائب على أرباح المصارف. هل المطلوب تدميره؟ حتماً لا. نعم، المطلوب ترشيقه وإعادة هيكلته والأهم إعادة الثقة إليه. البداية تكون من عند حماية صغار المودعين، في إنتظار أن يأتي الوقت الذي  يفتح فيه ملف كل من ساهم في تمويل دولة مفلسة ومنظومة أكثر إفلاساً… ولم تكن المصارف سوى أداة، وكان هناك وسطاء.. وصامتون، وهؤلاء كلهم يتحملون المسؤولية.

المصدر: حسين أيوب - 180post
 

Doc-P-689325-637213477464203932.jpg


  • الكلمات المفتاحية :