القناة 23 صحافة

الدولة لم تسقط لأنها في الأساس غير موجودة..

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

 حاول الرئيس الراحل فؤاد شهاب جاهدا بناء دولة المؤسسات، وفي عهده تأسست أهم إدارات الدولة، لكنه إصطدم بدور الطبقة السياسية، وهذه الطبقة السياسية شبيهة بالطبقة السياسية الحالية لأنها إستمرار لذهنية شعب وتقاليد   موروثة وكلها منبثقة من الطوائف التي تمثل مجتمعة الواقع اللبناني. لقد ثبت لدى اللواء فؤاد شهاب قناعة راسخة أن الدولة مهما عملت على بناء المؤسسات ستبقى مغيبة لأنه لا يوجد ثقافة  إنتماء للوطن بل إنتماء للمذهب والطائفة،   وعلى سبيل المثال لا الحصر لم يستطع فرض هيبة الدولة من خلال الجيش في بعلبك – الهرمل بسبب وجود عقلية العشائر والقبائل في تلك المنطقة الجغرافية.

  يتم الحديث كثيرا عن الطبقة السياسية ومسؤوليتها في الوصول إلى هذه الأزمة، صحيح أن الهدر والفساد راسخان في البنية اللبنانية منذ عهد الإستقلال ولكن إنكشافهم بهذا الشكل المريب والفاضح جرى في أيامنا هذه، لكن لا بد     من العودة الى الأسباب الكامنة وراء ذلك.

  إن الطبقة السياسية هي المحمية من مذاهبها وطوائفها وهذا أخطر من الحماية التي تؤمنها الطبقة السياسية للموظفين الفاسدين في إدارات الدولة اللبنانية. وعندما نتحدث عن الطوائف والمذاهب فيشمل ذلك كل مكوناتها من رجال دين  ورجال سياسة وإقتصاد ومهن حرة وإلى كافة أبنائها بإستثناء مجموعات صغيرة تخطى تفكيرها قيود المذاهب والأدبان.

 من هنا فإن أي كلام عن أداء ونهج رئيس الجمهورية أو قائد الجيش أو حاكم مصرف لبنان، بغض النظر عن أسمائهم ولكن بفترة توليهم المسؤولية كان وما يزال يعتبر مسا بالموارنة، وحرصهم على إمتيازاتهم التي كانت موجودة   قبل الطائف كانت من أسباب إندلاع الحرب بسبب عدم تطوير النظام اللبناني، وتوقيعهم على ميثاق 1943 مع الطائفة السنية من خلال إتفاق بشارة الخوري – رياض الصلح، وضع السنة في خانة الشريك الأساسي بالشكل وليس   بالمضمون في حكم لبنان، أما الدروز فقد شعروا أنه خذلوا كونهم حكموا جبل لبنان مع الموارنة ولكن مع إنشاء دولة لبنان الكبير ضعف عددهم وصغر تمثيلهم في الحكم مع أنهم كانوا رأس الحربة في الحفاظ على وجود جبل لبنان. وتحول الشيعة من طائفة المحرومين إلى طائفة القابضين على مفاصل الدولة، فيعد إنتصار ثورة الخميني في إيران ورفع شعار تصدير الثورة إلى الخارج، أصبح للشيعة ملاذ ودعم غير مسبوق في تقوية نفوذهم في لبنان    وفي هذا السياق لم يعد هنالك من إنتماء إلى الوطن بل إلى المذهب والطائفة، وحتى مسؤولي الأحزاب أصبحوا في دائرة الحماية الطائفية، فعلى سبيل المثال لا يمكن إنتقاد أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله لأنه رجل دين مع عمامة سوداء، مع العلم أن دوره دور سياسي بإمتياز، حتى أن المعتدلين الشيعة أحيانا يعتبرون إنتقاده خط أحمر، ومهما كانت الأخطاء التي قام بها الرئيس سعد الحريري إبان توليه المسؤولية فإنتقاده يعتبر مسا بالطائفة السنية، وبذلك فإن المشكلة لا تكمن فقط بالطبقة السياسية التي تتولى الحكم أو تشارك فيه أو تعارضه، بل المشكلة الأساس تكمن في البعد المذهبي والطائفي الذي تكرس في لبنان حيث هنالك خطوط حمر لا تسمح بإسقاط هذا المسؤول عن كرسيه أوإنتقاد ذاك السياسي عن أدائه.

وعلى ضوء هذا الواقع أصبح التعاطي مع موارد الدولة اللبنانية وتعييناتها الإدارية كقطعة الجبن لأن كل فريق يريد موردا ليستطيع تأمين حاجيات بيئته وكل ذلك على حساب دور وهيبة الدولة ووجودها.    وفي ظل هذه الذهنية السائدة فإن بناء الدولة أصبح كالحلم، لأن ما عجز عنه الرئيس فؤاد شهاب صاحب الموقف الشجاع والكف النظيف والعقل الراجح، لن يستطيع تحقيقه من تلطخت أيديهم بالصفقات والسمسرات وبناء الثروات الطائلة.   وفي النتيجة هذه ثقافة شعب لم يحسن قراءة التاريخ ليستخلص العبر ويتطلع نحو مستقبل أفضل.

بقلم : رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية وسام القاضي


  • الكلمات المفتاحية :