القناة 23 صحافة

جنود العدو يستذكرون كوابيس لبنان.. يوم بكينا وجلسنا بالجحر مثل الأرانب

- الأخبار

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

إلى اليوم، لا تعتبر إسرائيل المرحلة التي امتدّت بين غزوها لبنان عام 1982، وصولاً إلى انسحابها المُذِّل منه عام 2000، حرباً رسميّة لها اسم ويوم يخلّد ذكراها. قبل يومين، انقضى 20 عاماً على تلك اللحظة التي أغلق فيها رئيس هيئة الأركان سابقاً ووزير الأمن الإسرائيلي حالياً، بيني غانتس، البوابة خلفه. خرج جنود العدو من لبنان ولكن هذا الأخير لم يخرج منهم أبداً، ظلّ كابوساً مُلحّاً يتردّد في ليالٍ تطول إلى ما لا نهاية كما يقول معظمهم.

تعالت مطالبات «المحاربين القدامى» بإعطاء هذه المرحلة اسماً، وتخليدها كمناسبة في يومٍ رسمي. لكن الحرب ظلت بلا اسم. ومنذ أكثر من شهرين، ومع وصول وباء «كورونا» إلى إسرائيل، وفرض ما يشبه «الإجازة المؤقتة» على جميع الإسرائيليين، ومن بينهم هؤلاء الجنود، قرر عدد منهم إنشاء مجموعة مغلقة في موقع «فيسبوك» تحت اسم «قصص من لبنان: ما جرى في المواقع»؛ سرعان ما قفز عدد الأعضاء فيها إلى 35 ألفاً، وبدأوا بنشر قصصهم، بمعدل 400 منشور يومياً! الدخول إلى هذه المجموعة لم يكن بالأمر السهل، إذ يُطلب من الراغب في المشاركة إثبات كونه جندياً سابقاً في لبنان، أو أحد ذوي الجنود القتلى، أو على الأقل إعطاء سبب مقنع للقائمين على الصفحة يفسر رغبته في المشاركة. ولكن دائماً ثمة «طرق وعرة والتفافية للدخول» ومن خلالها عبرت «الأخبار» إلى المجموعة، فجمعت الكثير من القصص والصور، ننشر بعضاً منها:

خدمت في لواء (الناحال) في كتيبة 931. انضممت إلى سلاح المشاة في نهاية المسار التدريبي تحت إشراف قائد الوحدة، آفي دهان. تمركزنا في موقع كركوم على خط زرعيت، وكان ينضمّ إلينا كل بضعة أيام جنود آخرون من وحدات مختلفة. القصة التي اخترت روايتها حصلت بالذات في نهاية عام 1999. في ذلك اليوم، أمرني قائد الموقع، يِسرا: خذ جنديين اثنين معك من أجل مرافقة شاحنة أسلحة (من البوابة إلى داخل الموقع) وكان مفترض أن تصل بعد قليل. لسوء حظ كل من يوني وإلعاد (جنديين إسرائيليين) أنهما وصلا إلى موقعنا فقط منذ أيام قليلة ولا يعرفان بعد ما الذي تعنيه مرافقة شاحنة أسلحة. انتظرنا خارجاً، كان يوماً صافياً وأكثر من عادي حيث لا إجراءات جهوزية معيّنة. وصلت شاحنة الأسلحة وبداخلها جنديان اثنان من جيش لبنان الجنوبي. الشاحنة كانت مليئة بالعتاد العسكري من رصاص وذخائر وقذائف وأطنان من المواد المتفجرّة. تبادلنا التحايا والأحاديث مع الجنديين، قبل فتح البوابة لإدخال الشاحنة إلى داخل الموقع. فجأة، ومن دون سابق إنذار، (كما كان يحصل دوماً) وحتى من دون أدنى استعداد، سقطت قذيفة بالقرب منا. دبّ الرعب لثوانٍ قبل أن تسقط الثانية. كنت الأول الذي أدرك ما الذي يجري. قلت لهم (طيروا) إلى قلب الجحر (عسكرياً، تعني حفرة إفرادية) وهكذا قفزنا أنا ويوني وإلعاد والجنديين من جيش لحد إلى داخل الجحر بالقرب من البوابة. بالفعل كان كما لو أنه جحر أرنب، قلت لنفسي.

 

بوم بوم! القذائف لا تزال تتساقط، لم يكن الأمر عادياً. فجأة بدأت تتساقط صواريخ كاتيوشا، وبدأنا ندرك أن مقاتلي حزب الله عرفوا بأمر الشاحنة التي كانت في طريقها إلينا ويحاولون قتل الجنود الذين في الخارج. مهلاً! نحن هم الجنود الموجودون في الخارج! مهلاً مرّة أخرى! الشاحنة! الشاحنة الملعونة في الخارج وهي محمّلة بالأسلحة وبأطنان من المواد المتفجرة، وهي تقف فقط على بعد متر واحد من (الجحر) الذي نحن بداخله، وفي حال إصابتها بقذيفة واحدة، لن يتبقى شيء من أجسادنا يمكن إرساله للأهل الذين ينتظروننا في البلاد (في إسرائيل).

هذه اللعنة لا تتوقف... فيما نحن جالسون في الجحر تماماً مثل الأرانب ولا نعرف ما الذي يحصل خارجاً. أُمسك الجهاز (اللاسلكي) وأبلغهم بأننا بداخل الجحر وحتى الآن ما زلنا بخير. يطلبون منّا البقاء وأن لا نتحرك حتى يأتينا الأمر. طوال الوقت، ظلّ المطر الناري يهطل فوق رؤوسنا وحولنا من دون توقف. في هذه اللحظات بكينا، وتقريباً تبوّلنا على أنفسنا. واحد من الجنديين اللبنانيين (جيش العميل لحد) بالذات قرر أخد الأمور بروح طيبة واستغل الفرصة ليكشف لنا عن الندوب التي خلّفتها شظايا انفجار ما بجسده. أما صديقه الآخر، وكان خبيراً في المنطقة وكما أعتقد كان في عمر الأربعينيات، فقرر أنه يجب تمرير الوقت عبر إشعال سيجارة (من كل عقلك؟ أطفئها حالاً ! صرخت به!).

أشعرتني كثافة النيران والقذائف بأن حزب الله يمهّد لاحتلال الموقع. وتساءلت إن كان ثمة احتمال بأن يكون مقاتلون من حزب الله موجودين بالقرب منّا؟ وفجأة، سمعنا صوتاً وكأنما هو خطوات فوق الحصى (الحجارة)، أو ما يبدو وكأنه زحف... أو مجرد قطة أو قنفذ خرج من جحره للتأكد من أن الفوضى انتهت. هذا ما قاله أحد الجنود اللبنانيين. صه! قلت له؛ إذ إن صوت الزحف عاد مرّة أخرى. حاولت إخراج رأسي لمعرفة مصدر الضجة الآتية من خارج الجحر. هنا بدأنا نرتعد بالفعل. هل هناك مخربون في الخارج؟ وهذا يعني أننا قد نسمع فجأة تدحرج قنبلة يدوية باتجاهنا أو أنهم قد يأخذوننا أسرى.

رفاقنا في داخل الموقع فتحوا جهاز الإرسال. قائد وحدة المراقبة أيال فايس تحدث معي عبر اللاسلكي، وقال إنهم لا يجدون أي شيء. ولكننا سمعنا شيئاً ما ولا يمكنني شرح ذلك. شيء ما حصل هناك. حتى اليوم ما زلت متأكداً من أن مقاتلاً أو أكثر من حزب الله كان يزحف هناك بالقرب منّا. بعد قرابة نصف ساعة من الانتظار، جدد حزب الله قصف الموقع، وهذا الأمر عزز شكوكي وأكد لي أن أحداً من المقاتلين كان يزحف بالقرب منا، قبل أن يختفي. انتظرنا مزيداً من الوقت، إلى أن هدأ القصف. تحدث يسرا عبر اللاسلكي قائلاً: افتحوا البوابة، وادخلوا الشاحنة إلى الداخل واركضوا بسرعة رجوعاً الى الموقع.

قررت أن لا أبقى لحظة أخرى بالقرب من الشاحنة الملعونة هذه. توجهت إلى الجنديين اللبنانيين وقلت لهما: اصعدا إلى الشاحنة فوراً واهربا من هنا. أما العاد ويوني فقلت لهما: ثلاثتنا سنركض الى داخل الموقع من دون أن ننظر نظرة واحدة الى الخلف. ركضنا بسرعة رهيبة بين المكعبات الاسمنتية. وأخيراً وصلنا إلى الموقع الآمن.

على الرغم من أنه كانت هناك شكوك استخبارية، لم ينجح رفاقنا في الموقع على الإطلاق في اكتشاف إن كان ثمة مقاتلون من حزب الله أو لا. أو إن كان هؤلاء قد استغلوا الفرصة لزرع عبوات ناسفة حول الموقع أم ماذا؟ وهذه الشكوك هي نفسها صوت الزحف الذي كنّا نسمعه ونحن بداخل الجحر. وبسبب هذه المخاوف أُغلقت بوابة الموقع وطلب منّا عدم الخروج نهائياً. بقينا هناك لأكثر من شهر. وبعد أيام من مغادرتنا الموقع؛ إذ كانت قوة عسكرية من «جفعاتي» جاءت لتحل محلنا، انفجرت عبوة ناسفة بأفراد هذه القوة. وكما أذكر سقط قتيل على الأقل، وأكثر من سبعة جرحى.

إلى اليوم، لا يمكنني الانفصال عن فكرة أنني والعاد ويوني كان يمكن أن نموت هناك، ويكون مصيرنا مثل مصير هذه القوة. بعد 21 عاماً تقريباً على الحادثة لا تزال فكرة أننا كنا نسمع صوت زحف المقاتلين بالقرب منّا وأنهم ربما كانوا يزرعون العبوات وأننا لم نفعل شيئاً لمنعهم من ذلك... تلاحقني.