القناة 23 صحافة

السُنّة في لبنان يبحثون عن "أرطغرل" حقيقي

بقلم صفاء درويش - lebanon debate

نشر بتاريخ



إشترك الآن في مجموعة الوتساب

لتصلك الأخبار

لحظة بلحظة على هاتفك


حجم الخط

لم تكن نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة تشبه أي انتخابات أخرى بعد الطائف، لا سيما على الساحة السنية. أدخل القانون النسبي، الأكثر عدلًا من القوانين الأكثرية رغم شوائبه العديدة، الصوت السني المعارض إلى المجلس النيابي، ومن خلاله إلى السلطة التنفيذية. كسرت انتخابات 2018 حينها احتكار الحريرية السياسية لتمثيل أحد أكبر الشوارع السياسية في لبنان، والتي يمتد من العريضة شمالًا إلى شبعا ومروحين جنوبًا والفاكهة وعرسال بقاعًا. تبدّلت الوجوه والنتيجة واحدة، السنّي غير راضٍ وما زال في طور البحث عن زعامة تمثّل طموحاته.

دراسات عديدة أجريت بعد الإنتخابات، تبدّلت بها بعض المؤشرات صعودًا ونزولًا بناءً على معطيات متغيرة عديدة، حيث كان لثلاث محطات سياسية أساسية الدور الأكبر في الدفع نحو استصراح الشارع السني عن وجهته وموقفه مما يحصل. المحطة الأولى كانت مع بدء الحراك المدني في 17 تشرين، وارتكازه هو على ساحتين أساسيتين من ساحاته هما صيدا وطرابلس، التي ألمحتا منذ ذلك الوقت إلى أنّ أمرًا تغيّر فعلًا في توجّه أبناء المدينتين السنيتين.

ولأن صيدا انقسمت في الإنتخابات الأخيرة بين تيار المستقبل والنائب أسامة سعد، هو المتمايز عن مختلف أحزاب 8 و14 آذار، كان لطرابلس وقعها المزلزل، كون نتائجها أفرزت انقسامًا شعبيًا بين المستقبل وتيار نجيب ميقاتي مع حفظ حيثية آل كرامي مسجلة ارتفاعًا ملحوظًا في صفوف الأحباش. ليل 17 تشرين نسف هذه النتائج وضرب ركائز التيارات السياسية التي كانت تعتقد أنّ خسارتها لعدد من المقاعد هو ذروة تراجعها على الأرض.

أمّا بيروت، وهي عاصمة الوجهات السياسية وبوصلة أيّ تغيّر، ترجمت تراجع الحريرية عام 2018، وقسمت مع نسبة التصويت البسيطة الولاء السني على جبهات عدة. الأحباش والمستقبل والمخزومي والصمت. في بيروت خسر الحريري ثلث مقاعدها السنية وجنى المخزومي ثمرة 20 عامًا من الخدمات، فيما عاد الأحباش إلى ساحة النجمة من بوابة مؤسساتهم وتنظيمهم دافعين ثمن حيادهم السياسي غير المبرر أحيانًا، على اعتبار أن حجمهم في بيروت قد يفوق في حال أرادوا اتخاذ موقف سياسي حقيقي.

حزب الصمت في بيروت كان الأكبر. يعيد خبير إحصائي هذا الصمت عام 2018 إلى سببين أساسيين: غياب المال السياسي وفتور موجة التحريض المذهبي، أمّا غياب المشروع الفعلي وعدم نجاح سعد الحريري في ارتداء عباءة الزعامة التي خلّفها له والده، إضافة إلى عدم وجود بديل حقيقي يلبّي آمال البيارتة، كان خلف اتساع شعبية حزب الصمت.

هذا الصمت لم يكن كذلك في الإنتخابات البلدية التي سبقت النيابية، فجمهور هذا الحزب رفع صوته وكسر صمته وهزّ العصا لتيار المستقبل ومنح المجتمع المدني ممثلًا ببيروت مدينتي نسبة مقبولة يُبنى عليها، رغم الشكوك بنجاح بعض أعضاء اللائحة بعد تأخر صدور النتائج لأيّام. هذا الأمر لم يستغل في الإنتخابات النيابية. اليوم، يبدو أن الأمور عادت لتغلي كما في حينه.

المحطة الثانية لاختبار التغيّر كانت لدى استقالة الرئيس سعد الحريري وحكومته، وهنا لم تجر الرياح بما تشتهي السفن الزرقاء، فلم يخرج الشارع السني مطالبًا بسعد الحريري، فالناس تريد التغيير. المحطة الثالثة كانت تسمية حسان دياب وتشكيله الحكومة. حوالي 43% من الجمهور السني في حينه أراد إعطاء دياب الفرصة، اليوم النسبة تراجعت لأقل من النصف نتيجة ضعف الأداء الحكومي، وليس بسبب استعادة الحريري لشعبيته المفقودة. ولكن ماذا عن واقع الشارع بعيدًا عن الحكومة؟

هذا الفراغ الذي ولّده 17 تشرين يعيده البعض إلى تراجع السطوة السعودية على تيار المستقبل، من خلال الدعم المادي أو حتى الغطاء الإقليمي، لتدخل تركيا على الخط. كان لافتًا قبل اسبوعين تحرّك مسيرة في طرابلس تضم أكثر من 15000 شخصًا على أثر تصريحات الإعلامي نيشان، رافعين أعلام تركيا وصور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

هذا التبدّل الطارئ على المشهد يصب في الركيزة الأولى: السني يبحث عن زعامة يفتقدها. فتراجع الأداء السياسي للرئيس سعد الحريري وسلسلة الهزائم المعنوية التي مني بها منذ سنوات وحتى اليوم من اعتقاله في المملكة وصولًا إلى انتخابه الرئيس عون وعلاقته الجيدة بحزب الله ولّدت لدى شارعه تململًا كبيرًا يعتقد من خلاله أن ضعف الحريري يلزمه على مواقف لا تشبه جمهوره، فجنح الجمهور بلاوعيه للبحث عن بديل قوي، واردوغان اليوم هو رمز القوة السنية في المنطقة بحسب ما يقول الشارع.

تعاظم النفوذ التركي على الأرض يفسّر سبب تراجع التوتر السني الشيعي، حيث يعيده البعض إلى أن علاقات تركيا بإيران هي علاقات صداقة وتحالف وتقارب.

تؤكّد المعطيات، أنّ الأرقام ما زالت على حالها في بيروت فيما بات لشحص بهاء الحريري حيثية ما، لا يمكن القول أنّها تخطت 10% من حيثية شقيقه سعد، ولكن تصاعدها هو بوتيرة ملحوظة. أمّا صيدا فتراجعت شعبية المستقبل فيها عدة نقاط خصوصًا بعد عدم نيل موظفي سعودي أوجيه وتلفزيون المستقبل لحقوقهم، كما ارتفعت نسبة تأييد النائب أسامة سعد نتيجة مواقفه الرافضة للسلطة السياسية والتي تتماهى تمامًا مع مختلف شوارع الحراك المدني.

يمكن الجزم أن طرابلس ستكون مفاجأة الإنتخابات المقبلة، فالنفس السني تبدّل كثيرًا دون اتضاح وجهته الحقيقية، فيما يدل تصاعد النفوذ التركي على احتمال ركوب شخصية سنية ذات نفوذ الموجة التركية ليغرف على الأقل نصف الشارع، فهل ستكون هذه الشخصية هي نجيب ميقاتي أم أشرف ريفي أم بهاء الحريري، أم أن سعد نفسه والذي يملك أفضل العلاقات مع تركيا وقطر سيقطع كل آماله من عودة المياه مع السعودية إلى مجاريها فيرتدي عباءة أرطغرل ويمضي؟

السنة في لبنان، يبحثون عن أرطغرل حقيقي.


  • الكلمات المفتاحية :