القناة 23 صحافة

حكومة "الشيزوفرانيا" تخاطب الأشباح

- لبنان 24

نشر بتاريخ




حجم الخط

قد لا يحفل التاريخ بنماذج مماثلة لتلك المشهدية الحكومية المنفصمة المنفصلة عن الواقع، إلى حدّ "الشيزوفرانيا" بحالاتها القصوى. واللافت أنّ العدوى الفيروسية وكأنّها أصابت عددًا لا بأس به من أركان الحكومة، بمن فيهم جنسها اللطيف. فباتوا وكأنّهم هبطوا للتو من كوكبهم، إلى حيث نحن البشر العاديين، وقد حملوا معهم حقائب مملوءة بهدايا ثمينة، يسمّونها بلغتهم الأكاديمية "إنجازات".

 أحضروا الكثير منها، بعضها اتخذ شكل تأليف لجان، وبعضها الآخر اتخذ شكل التوقّف عن سداد الديون، وبعض الهدايا تجسّد على هيئة مشروع قانون. فضلًا عن هدايا أخرى، عبارة عن سيرٍ ذاتية لمكوّنات وزارية، وقد تكلّلت بشهادات عليا. أمّا هدية السّلة الغذائية فيبدو أنّها ضلّت طريقها. إلّا أنّ الهديّة الأدسم فاتخذت شكلَ حجرٍ صحي، وقد نالها كلُّ لبناني محتاج. راحوا يوزّعون هداياهم على المساكين من قاطني الكوكب اللبناني، وما أحوج هؤلاء. ولكنّ المتلقّين، ولشدّة بساطتهم، لم يفقهوا أنّ لتلك الهدايا قيمة تتخطّى حدود إدراكهم، وتتجاوز تفاصيل يومياتهم وحاجاتهم العديمة الشأن، فأهملوها، إلى أن ضاعت تلك المكافآت والعطاءات والإنجازات، وكأنّها لم تكن.

اغفروا لهم يا أهل العلم والإختصاص والشهادات، لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون، وأيّ كنوز يهملون. وبالفعل تحلّى "الإختصاصيّون" بفضائل المغفرة، ومضوا يشقّون دروب الخلاص من واقع مأساوي موحش. لم يشاركوا بصنعه، بل فعلها من أتوا بهم إلى كوكبنا المظلم. وهم تطوعوا للمهمة الأصعب، والثقة بالنفس محصّنة بالإعتزاز، صفة لازمة ملازمة لهؤلاء المنقذين. في هذا الوقت بالتحديد بدأ المساكين يتضوّرون جوعًا، وكأنّهم لا يدركون نعمة الصبر، وباتوا يتذمّرون من العتمة وأسعار المواد الغذائية وتحليق الدولار، فسارعوا إلى المحال لشراء الشموع، متجاهلين نصيحة وزير نورهم  الداعي إل عدم التهافت على تلك السلعة السخيفة، ولم يتوانوا عن اقتحام السوبر ماركات لشراء ما تيسّر من المواد الغذائية بالليرات المتبقية في جيوبهم، متناسين أنّ وزير الـ "نعمة" دعم سلّتهم الغذائية، وأبتكر حلًّا لرغيفهم، ومنهم من قصد السوق السوداء لشراء دولار مجنون، يا لهم من متآمرين! 

إلى أن وجدها رئيس حكومتهم في مجلس الوزراء "يعطّلون فتح الإعتمادات للفيول والمازوت والدواء والطحين، ليقطعوا الكهرباء عن اللبنانيين ويُجوّعوهم ويتركوهم يموتون من دون أدوية". يا للهول! من هم هؤلاء الأشباح الشياطين المتآمرين يا دولة الرئيس؟ سمّهم كي نعاونك في دحرهم؟ من يملك مفتاح الإعتمادات في الدولة اللبنانية يا دولة الرئيس؟ لماذا تجهّلون المفتعل المقترف المتآمر؟ إذا كنتم عاجزين من موقعكم على رأس السلطة التنفيذية عن فتح الإعتمادات للطحين والدواء، ماذا أنتم فاعلون إذًا؟ من يمنعكم من تحقيق إصلاح في  أكثر الملفات شهرة لدى المرجعيات الدولية، ملف الكهرباء وفساده الأعظم؟ هل ستواصلون معزوفة المؤامرات التي تحاك لإسقاطكم؟ ألم تسقطون أنفسكم بعدما عجزتم عن وقف عجلات الإنهيار، ولجم ارتفاع سعر الدولار، وإبعاد شبح الجوع والعوز؟ ماذا بعد؟ هل ستواصلون مخاطبة الأشباح فوق عذاباتنا؟ 
أيّها المنقذون الإختصاصيون الأبطال تحلّوا بالشجاعة والجرأة، إقدموا في محاولة أخيرة لإنقاذنا وإنقاذ أنفسكم، اعتزلوا الإطلالات والسجالات والتغريدات، وانصرفوا إلى العمل والإصلاح، لنسجّل إنجازاتكم الحقيقية لا الوهمية في تواريخ حاضرنا ومستقبل أولادنا، وإلّا، إرحلوا إلى كوكبكم وعالمكم من جديد، قبل أن تلاحقكم لعنات مآسينا وكوابيس لحظاتنا.