القناة 23 صحافة

يومٌ غير مجيد في تاريخ لبنان

- mtv

نشر بتاريخ




حجم الخط

دخل لبنان، منذ أواخر العام ٢٠١٩، أزمة اقتصادية حادّة طالت قطاعاته، وكان لها، وقعاً إجتماعياً في غاية الخطورة طال الشرائح الإجتماعيّة كافّةً.

 

بعد تسجيل أوّل عجز في ميزان المدفوعات في العام ٢٠١٢، وبعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب في شهر آب من العام ٢٠١٧ (القانونين ٤٥ و٤٦/٢٠١٧)، وبعد تسجيل عجز قياسي في المالية العامة مع نهاية العام ٢٠١٨، وبعد أن تأكّد عجز السلطة التنفيذية عن السير في إصلاحات فعلية لتقويم الوضع ولتغيير المنحى الإنزلاقي المتسارع نحو الهاوية، وبعد أن اندلعت ثورة ١٧ تشرين الأول من العام ٢٠١٩، قررت الحكومة اللبنانية، التي تشكلت مع نهاية كانون الثاني ٢٠٢٠، التخلف عن دفع السندات الخارجية والتي استحقت في ٩ آذار ٢٠٢٠.
 

اعتبر الكثير من اللبنانيين أن إعلان الحكومة التخلف عن سداد الدين الخارجي إنجازٌ كبير لها يكاد يكون الوحيد منذ صدور مراسيم تشكيلها وحتى يومنا هذا وصنفوا هذه القرار بخطوة إصلاحية لم تجرؤ الحكومات السابقة على المضي بها بفعل افتقادها الى خبراء "تكنوقراط" وبفعل تخبطها في المشاكل السياسية القائمة بين المكونات السياسية والحزبية المشاركة فيها. والغريب أيضاً أنّ شخصيّات مثل الوزير السابق كميل أبو سليمان كانت تؤيّد خيار عدم التسديد.
 

لا يا سادة، إنّ التخلف عن سداد الدين لم يكن يوماً مجيداً كما صوّرتموه، بل يوماً حزيناً كما عرفه اللبنانيون وعرفوا انعكاساته الإجتماعية منذ ٩ آذار وحتى اليوم. فالإختيار بين الدفع أو التخلف عنه لا يجب أن يقرّر حصراً بناء على سلبيات الدفع إن حصل، بل أيضاً على تلك المتعلقة بالتخلف عنه. وإذا تغاضى البعض عن الغوص بسلبيات التخلف عن سداد الدين الخارجي بالطريقة التي حصلت بحجة عدم استنزاف ما تبقى من الاحتياطي الالزامي في مصرف لبنان، لا يسعنا إلا أن نسرد بعضاً منها لمقاربة حجم الأزمة التي نعيش حالياً:
 

أولاً: إن التخلف عن سداد الدين له مؤشرات علمية يمكن استشعارها استباقيا والتحضر لمقاربتها بأفضل طريقة ممكنة. هنا لا بد من التذكير بالخلل الذي أصاب ميزان المدفوعات منذ ثماني سنوات إضافة الى الزيادة الكبيرة في عجز الموازنة العامة الذي سجل في نهاية ٢٠١٨، إضافة الى اصدار سندات بقيمة ١١ ألف مليار ليرة في آذار ٢٠١٩ من دون التمكن من بيعها بسبب غياب شهية المستثمرين إضافة الى الزيادة الكبيرة على نسب الفوائد لضمان عدم تحويل الودائع الى العملات الأجنبية وبالتالي رفع نسبة دولرتها، كما تسجيل زيادة ملحوظة على فوائد سندات الخزينة لتتمكن الدولة من بيعها في الأسواق في ظل تخفيض مستمر لتصنيف لبنان الائتماني. كلها مؤشرات تم استشعارها ومع ذلك لم نفعل شيئا ولم نناقش ونقر خطة اقتصادية للإصلاح الفعلي لنتمكن فيما بعد من مواجهة تداعيات التخلف عن سداد الدين.
 

ثانياً: إن الأزمة التي يمر بها لبنان قل مثيلها، فغالبية الدول التي تخلفت عن سداد دينها كانت تعاني من تدهور قيمة عملتها تزامنا مع إنفاق عام تخطى المستويات المطلوبة (نسبة الدين من الناتج المحلي تخطت ١٥٠٪) أما في لبنان فالأزمة طالت أيضا القطاع المصرفي وهددت استمراريته ووجوده وما زالت تعصف وتطيح بما تبقى من استثمارات خاصة في كافة القطاعات الانتاجية والخدماتية. فالخروج من الأزمات يتطلب إصلاحات مالية حقيقية في ميزانية الدول ويستند الى القطاع المصرفي الذي يعتبر العامود الفقري الذي من خلاله تتم عملية تمويل التعافي تدريجيا للوصول الى بر الأمان.
 

ثالثاً: إن لبنان دولة تتكل على استيراد استهلاكها بنسبة عالية (أكثر من ٨٥٪) وتسجل عجزا ضخما في ميزانها التجاري (١٧ مليار دولار سنويا) وقد تمكنت من الاستمرار بتأمين استيراد السلع والخدمات عبر السنوات مستفيدة من تدفق الأموال من الخارج. فإن التخلف عن سداد الديون سيؤدي حكماً الى وقف دخول التحويلات وسيهدّد الأمن الإجتماعي والغذائي للبنانيين وسيضع نهاية لأي إمكانية لإصدار سندات خزينة لمصلحة الدولة التي ستضطر الى تأمين توازن في موازنتها العامة وهو أمر لا يمكن القيام به من دون إصلاحات حقيقية ومن دون اعتماد سياسات مالية تقشفية حادة لن يكون سهلاًاعتمادها إذا ما أخذنا وقعها على موارد الدولة البشرية.
 

رابعاً: إن تدهور سعر الصرف الحاصل منذ تاريخ التخلف عن سداد الدين والذي تخطى مستوى ١٠ آلاف ليرة للدولار الواحد إضافة الى انعكاساته السلبية على أسعار السلع والخدمات هو التهديد الحقيقي الذي يطال الأمن الغذائي والحياتي للمواطنين. فالغذاء لم يعد متوفراًلشريحة كبيرة من اللبنانيين ليس بفعل انقطاعه من الأسواق، بل بفعل تهاوي قدرات الناس الشرائية بفعل فقدان الدولار وتسعير الأسواق بناء على سعر تداوله فيها. 
 

خامساً: إنّ التخبّط في اقتراح سياسة نقدية جديدة هو مؤشر واضح الى عدم جهوزيتنا لإعلان ٩ آذار. فالخيار النقدي هو قرار اقتصادي علمي وليس قراراً سياسياً. فقد شهدنا تغييراً في سياسة سعر الصرف المقترحة في خطة الحكومة لأكثر من مرة قبل إقرارها من دون ان تنعكس على تغيير جذري في مقاربتها وأرقامها. واليوم تكثر النظريات مِمَّن يدّعون الخبرة الاقتصادية وهذا التخبط أمر مستغرب جدا لم نشهد له مثيل إذ أنّ الفرق شاسع بين سعر صرف ثابت وسياسة ربط الزحف وسياسة التعويم المدار وسياسة مجلس النقد وسياسة التعويم الحر.
 

سادساً: ليس صحيحاً ما يدّعيه البعض ان صندوق النقد اشترط التخلف عن سداد الدين وليس صحيحا أنه أيّد سياسة شطب كافة الديون الخارجية والداخلية كشرط أساسي لتقديم مساعدات مالية للبنان. إن من يريد أن يفهم كيف يعمل الصندوق عليه أن يراجع تقاريره السنوية التي كانت تصدر عن لبنان بحسب فصله الرابع، وتكفي قراءة تقريره الأخير الذي نشر بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ لمعرفة خارطة الطريق المطلوبة والاصلاحات المرافقة لها. إن صندوق النقد يسعى الى حثّ الدول على تنفيذ الإصلاحات ليضمن سدادها للدين الذي يعتزم تقديمه لها. فلننتهِ من فرضية شطب كافة الديون ولننتقل الى إصلاحات حقيقية في الموازنة العامة من خلال مكافحة الفساد المالي والإداري لتخفيض عجزها بما يتلاءم مع متطلبات الصندوق.
 

سابعاً: إنّ التخلّف عن سداد الدين للحفاظ على ما تبقى من احتياطي المصرف المركزي يتعارض مع مبدأ مطالبته بالتدخل في السوق عبر ضخ الدولار لزيادة العرض،فلماذا تسرعتم بقراركم بالتخلف عن سداد الدين قبل دراسة انعكاساته على سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار؟


  • الكلمات المفتاحية :