القناة 23 صحافة

انفجار بيروت: عن القتلة المأجورين والذكور العراة والعناق الأخير!...القضاء أخطأ 3 مرات

- Agencies

نشر بتاريخ




حجم الخط

كتَبَتْ هنادي دياب في موقع mtv

 

 

أعيش غربةً في وطني. لا شعور يتفوّق ألماً على شعور الغربة في الوطن. لبنان الذي لم يرتقِ يوماً الى مرتبة "وطن"، سقط كل توصيف نبيل بحقه. لا يستحق هذا اللبنان عناءً ولا كفاحاً ولا نضالاً من أجله.

لستُ انهزامية ولا مستسلِمة. ولكنني خسرتُ الحرب في وطني. وهل من أحد يحارب في وطنه؟

لبنان هَزَم كراماتنا، آمالنا، طموحاتنا وأحلامنا. نكّل بها. سلبها منا. نفّذ فينا أشنع عملية سطو مسلّح على ربيع عمرنا. وخسرنا الحرب فيه.

إغتِيْلَت بيروت هذه المرة بلا عودة. لم تَعُدْ شهيدةً حية كما اعتادت ان تكون سابقاً. نفسي حزينة... نفسي حزينة حتى الموت!

القلب مكسور. وجعي على مدينتي الأولى والأخيرة وعلى ناسها وجرحاها وضحاياها ومشرّديها أبلغ من أي كلمة. وما من عبارة تصف الألم. فقط النظرة هي التي تفعل. التنهيدة. الدموع. الغصة. الحرقة.

بيروت هي القلب. بيروت هي الطفولة. بيروت هي الذكريات الثمينة. بيروت الأمل. بيروت الحب. بيروت العشق. بيروت الحياة. بيروت الفسحة. بيروت المدى. بيروت الصوت. بيروت الموسيقى. بيروت الحرية. بيروت الأمّ. بيروت الحلم... واليوم، بيروت هي الخيبة. بيروت هي الوحدة. بيروت الوجع. بيروت الألم. بيروت الجرح الذي لن أشفى منه. آااااااه يا بيروت...

يحكمونكِ عراة من الأخلاق. عراة من القيم. عراة من الشرف. مستشرسون على الشر. مفترسون للخير. يحكمونكِ ذكورٌ لا رجال. خونة لا أوفياء. عبيد مأمورون لا أحرار. قتلة مأجورون.

يا عبدة الشر، الحقارة خجلَتْ منكم وبكم. والعهر أكثر شرفاً منكم.

ما زلتُ عاجزة عن تصديق الكابوس الذي حصل. ما زلت عاجزة عن استيعاب ما حلّ ببيروت وبناسها الأبرياء.

لحظة وقوع الإنفجار يوم الثلاثاء المشؤوم، ثلاثاء العار، كنتُ وشقيقتي في المنزل بمفردنا. نظرنا إلى بعضنا البعض، في غضون ثوانٍ، نظرة الوداع. قلتُ لها من دون أن أخرج بكلمة واحدة: "سأظلّ أحبّكِ حتى بعد موتي". وبادلتني هي الجملة نفسها بعينيها العسليتين الجميلتين... من دون أن تنطق بحرفٍ واحد. لم يكن أمامنا سوى مشهد الموت. ظننّا أننا لن ننجو. فكان قلبنا على والدينا. وكانت نظرة الوداع بيننا.

وكم من شقيقتين وشقيقين ووالدين وصديقين وقريبين عاشا تفاصيل اللحظة نفسها من دون نجاة؟!

الصدمة لن تفنى. الجرح لن يلتئم. الحزن لن ينطفئ ولن يخْفُت. هو سيختمر يوماً بعد يوم. سيستوطن في الروح وفي الزمن. وسينكّل في القلوب كلما عتق العمر.

لم أحلم يوماً بهذا اللبنان. خذلَني ولن أشفى من هذه الخيبة... إلى الرمق الأخير. واليوم، أعانقُ بيروت عناقاً أخيراً وأقبّل بحرَها وبيوتها من بعيد. وغداً أرحلُ عنها وأحتفظ بها في خانات الذكريات، وفي قلبي سلامٌ أبديّ لها...

كتب عمر الراسي في "أخبار اليوم":

لولا الاستخفاف بالتعاطي مع التقارير التي تصل الى الجهات التي تتولى السلطات التنفيذية، لما كان الانفجار قد دمر مرفأ بيروت وجزءا كبيرا من العاصمة؟
 

اما وقد حصل ما حصل، فان اللبنانيين الذين يستفيقون يوما بعد الآخر على الحجم الكبير للكارثة البشرية، اضافة الى الاضرار المادية التي لا تحصى ولا تعد، ينتظرون التحقيق والخلاصات والاحكام التي سينتهي اليها، وفي طريق بحثهم عن الحقيقة يطرحون الكثير من الاسئلة...

التخصص والخبرة

وفي هذا الاطار، يشرح  مصدر قضائي ان القضاء - الذي لا يتحمل وحده المسؤولية- وقع في ثلاثة اخطاء بدءا من العام 2014 وصولا الى الامس القريب، الامر الذي يطرح السؤال عن اهمية تخصص القضاة وان لم يكن لديهم هذا الاختصاص فيجب الاستعانة بخبراء، من اجل اتخاذ قرارات تتلاءم مع الواقع.

اولا: الحكم الصادر عن قاضي الامور المستعجلة وقتذاك القاضي جاد معلوف، اذ كان يفترض به الا يأخذ قرارا بتفريغ هذه البضائع وهي كناية عن نيترات الامونيوم وهو لا يعلم ما هي محتوياتها، على الرغم من انه التزم بالنص والقانون، اذ كان يفترض ان يستعين بخبراء لتحديد ما هي البضائع والكشف عليها الى جانب مراسلة المحكمة العسكرية او مدعي عام التمييز.

حين تبلغت هيئة القضايا في وزارة العدل بالملف، نازعها القاضي معلوف، بقضية الصلاحيات، بمعنى انه تلهى بالشكليات دون ان يتخذ قرارا له علاقة بالخطر الداهم على الناس.

والخطأ نفسه وقع فيه فيما بعد القاضي نديم زوين في التعاطي مع الموضوع اذ به لم يخاطر مدعي عام التمييز، بوجود مواد متفجرة حين وصل اليه الملف.

ثانيا: اعيد فتح الملف منذ اربعة اشهر من قبل امن الدولة الذي خاطب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس، الذي بدلا من تكليف الجيش، اعطى اشارة انه طالما هناك قرارا قضائيا سابقا فلا يستطيع وضع يده على الملف، مع العلم انه من صلاحيات المحكمة العسكرية كون المواد متفجرة ومشتعلة. وهنا لم يقتنع امن الدولة وطلب اعادة الاتصال بمفوض الحكومة .

فاذا لم تكن من صلحية المحكمة العسكرية فمن سيتولى الموضوع، مع الاشارة الى ان قانون القضاء العسكري وقانون الاسلحة والذخائر يولي الصلاحية الى مفوض الحكومة لدى هذه المحكمة، التي تصدر الاشارة القانونية اللازمة كي يتحرك الجيش.

ثالثا: اما مدعي عام التمييز غسان عويدات، وبناء ايضا على مخاطبة جهاز امن الدولة منذ نحو اربعة اشهر، استجوب رئيس المرفأ حسن قريطم وعددا من الموظفين وختم المحضر وتركهم احرارا، بدلا من تحويل الملف الى مفوض الحكومة كون اي مواد قابلة للتفجير هي من اختصاص القضاء العسكري...

لا اجراءات احترازية

وكل هذه القرارات القضائية لم تأخذ بالاعتبار الاجراءات الاحترازية، في التعاطي مع الوضع القائم، حيث مما لا شك فيه ان لا خبرة للقضاة الذين تعاقبوا على الملف، وبالتالي من كان قيما على التشكيلات القضائية وقتذاك اتى بقضاة بلا خبرة واختصاص... وهكذا كانت النتيجة: "خطأ في ممارسة المهنة"، حيث لم يتخذ اي قاض من الذين مر تحت يدهم الملف قرارا بتعيين خبير متفجرات للكشف على المواد وما اذا كانت موضبة بشكل آمن، لان من اسباب الانفجار انها غير موضبة بشكل آمن، ما ادى الى تخثرها وتخمرها، فانتجت غازات قابلة للاحتراق والانفجار ... وهذا ما حصل.

اذ ان كل ما فعله المدعي العام اعطاء اشارة باقفال المخزن ووضع حراسة، فبعد شهرين من هذا القرار، بدأت عملية اصلاح العنابر في مرفأ بيروت وليس فقط العنبر رقم 12، والامر لم يكن تنفيذا لاشارة القضاء .


 

هذه هي تقارير امن الدولة

وفي هذا السياق، لا بد من الاشارة الى ان مكتب بارودي للمحاماة الذي توكل عن طاقم الباخرة روسوس في العام 2013، كان قد حذّر من هذه المواد الموجودة على متنها على انها شديدة الخطورة، مذكرا بكارثة إنفجار سفينة محملة بـ2600 طنا متريا من هذه المادة في ميناء تكساس سنة 1947.

امنيا، فقد اوضح مرجع امني رفيع المستوى ان جهاز امن الدولة، ومنذ ان استحدث مركزا له في حرم المرفأ في العام 2018، كشف على العنبر 12، حيث كان متوجسا من الخطر، انطلاقا من احتمالين: خطر الانفجار، كونها موضبة بطريقة غير آمنة وفي مكان لا يصلح حتى لتخزين الرمل، او استعمالها في تفجيرات ارهابية في الداخل.

وكان امن الدولة في كافة التقارير يحذّر من وجود هذه الكميات بهذا الشكل، في وقت يتعاطى فيه القضاء باسلوب القرون الوسطى، صحيح ان على القاضي الالتزام بالنصوص امامه، لكن هذا لا ينفي الاستعانة بالخبراء لا سيما في ضوء ما لديه من تقارير تحذّر من الخطر.

للاسف هذا ما نسمعه لغاية اليوم!

في السياق نفسه، اسف المرجع الى اننا ما زلنا حتى اليوم - ورغم الانفجار- نجلس الى طاولة الاجتماع، ونسمع كلاما ان هذه المواد هي اسمدة كيماوية وليست متفجرات، في حين ان امن الدولة كان استعان بخبراء من معهد البحوث الصناعية الذين ابلغوه ان هذه المواد خطيرة جدا تصل نسبة الازوت فيها الى 34,7% وهي من اعلى النسب في العالم لهذه المواد.

وردا على سؤال، اوضح المرجع ان مديرية امن الدولة كسلطة امنية تخضع لسلطة المجلس الاعلى للدفاع، وامام موضوع بهذا الحجم، ارسلت تقريرا خطيا مفصلا عبر البريد الى رئاسة الحكومة والى رئاسة الجمهورية، قائلا: الاخيرة ليست سلطة تنفيذية، اما رئاسة الحكومة قامت بالاجراءات ووجهت انذارات الى وزير الاشغال وايضا خاطبوا عددا من المعنيين لكنهم تقاعسوا ... والتقصير اوصلنا الى هنا...

هل اخذنا العبرة

واخيرا، وبعد كل الدمار والمأساة، وخسائر الارواح التي لا تعوض، ستتجه الدولة الى اعادة الاعمار، فلا بد من بناء مرفأ على اسس جديدة ورؤية متطورة، مع اخذ كافة الاحتياطات لمنع وضع اي مواد في غير مكانها!... فهل اخذنا العبرة!!!!


  • الكلمات المفتاحية :