القناة 23 محليات

بولا يعقوبيان

نشر بتاريخ




حجم الخط

قبل بضع سنوات كان النقاش يحتدم في أكثر من وسط نضاليّ عن كيفية تحقيق اختراق ما في الجدار المصفح المحيط بالحياة السياسية. في تلك النقاشات كان هناك دائماً متحمسون يعتقدون أن ذلك سهل للغاية يقابلهم أصحاب تجربة يدركون حجم "سماكة" ذلك الجدار المصفح بالمذهبية والأمن والمال والخدمات والاعلام. فالسياسة هي النظام، والنظام تركيبة استثنائية تتداخل بها الطوائف بالمقاولين بالأجهزة الأمنية والقضائية والوزارات والخدمات وعقود الإعلانات مع وسائل الاعلام وغيره وغيره إلى ما لا نهاية.

بعد عامين على تلك النقاشات أتت الانتخابات النيابية؛ حاولت مجموعات جديدة وكثيرة أن تخترق الجدار عبر صناديق الاقتراع. أتت النتيجة مشجعة في عاليه والشوف، مقبولة في بيروت الأولى وأكثر من مخيبة في المتن وطرابلس وبيروت الثانية وعكار. مع العلم أن المتحصنين خلف الجدار حاولوا إيهام الرأي العام بنواياهم التغييرية عبر تطعيم لوائحهم بوجوه جديدة كان شرط تبنيها ثابت وواحد عند الجميع: خلع كل تمايز عن المجموعة عند الباب، والدخول إلى مكتب رئيس الحزب، زحفاً من تحت الباب المقفل. فما كادت تمر بضعة شهور حتى بدت الوجوه الجديدة أكثر قدماً بكثير من الوجوه القديمة. ألا تترحمون على عاطف مجدلاني حين ترون نزيه نجم مثلاً، أو جيلبرت زوين وروجيه عازار، أو نواب المستقبل السنة في عكار الحاليين والسابقين وهم الستة يصعب تذكر أسمائهم.

ثم (...) دوى انفجار 17 تشرين. حُكي الكثير عن عدم انتظام ما سُمي بمجموعات الحراك بعيد تلك الفرصة التاريخية ليتقدموا خطوة إلى الأمام، لكن عملياً لا هؤلاء فعلوا شيئاً، ولا النظام بجميع مكوناته فعل أي شيء غير تقليدي ليتقدم خطوة إلى الأمام. لم يشعر أي حزب من الأحزاب الرئيسية الستة أن عليه تغيير أي شيء بأدائه. ولا شيء يتضح المشهد أكثر من الأشرفية التي يتمثل فيها كل من حزب الطشناق بنائبين، التيار الوطني الحر نائبين، القوات اللبنانية نائب، الكتائب نائب. هل عدل أي من هؤلاء الستة سطراً واحداً في بياناتهم المملة؟ هل قدموا أي سلوك مختلف، ولو بشكل مسرحيّ؟ هل أجروا تعديلاً ولو طفيفاً على أدائهم النيابي ليوهموا الرأي العام أن لديهم همّ رقابي أو تشريعي؟ لم يجد أي من هؤلاء بكل الأفكار التي تدفقت في 17 تشرين فكرة واحدة يمكن تحويلها إلى نواة مشروع جديد في المنطقة. هل حاول واحد منهم تطعيم فريق عمله بمجموعة جديدة من الشباب الذين يمكن أن يفيدوه بحماستهم؟ لا، لا، لا. لا ثقيلة. لا خمولة. لا نعسة. لا هرمة. تذكروا أن هذا النظام السياسيّ يحتفل بمئويته الأولى؛ صار عمره بأفكاره وطوائفه وأمنه وقضائه وإعلامه وخدماته ومصارفه مئة عام.

ثم (...) دوى انفجار 4 آب. دعكم من السياسة والقضاء والأمن ولنبقى في الأشرفية: النواب الستة في كف وزميلتهم المنتفضة عليهم بولا يعقوبيان في الكف الآخر. ماذا فعلوا هم بكل أذرعهم الخدماتية الرسمية وغير الرسمية مقارنة بما فعلته ذراع يعقوبيان الخدماتية الاجتماعية المتمثلة بجمعية "دفا". حين تقارنون بين آليات متعهدي النظام ومجالسه وهيئاته وصناديقه وبلدياته و"vespa"  دفا من جهة، وماذا فعل كل من الاثنين لن تصابوا بالذهول فقط إنما ستفهمون حجم "التنبلة" التي يُغرق النظام نفسه فيها. ومن الذراع الاجتماعي – الخدماتي إلى الإعلام؛ ها هي بولا ترد كل الصاعات المتراكمة صاعين وأكثر، مكرسة مبدأ العين بالعين والبادئ أظلم، فيما لا يجرؤ أي من نواب النظام الستة على الاطلالة معها في حلقة. ومن هناك إلى السياسة ها هم الستة يتلهون ببعضهم بعضاً فيما هي ترص صفوف المجموعات، محولة نفسها بنفسها إلى صلة الوصل الرئيسية بين الجميع.

من سيسارع إلى القول إن بولا تملك المال فيما هو لا، ينافق بكل بساطة. الجميع يأتيه المال؛ البعض ينفقه حيث يجب والبعض لا. من يقول إن الإعلام يقف مع بولا ضده أشبه بمن يعيب على خصمه امتلاكه سلاحاً قوياً. فالاعلام بمتناول الجميع، الذنب ذنب من لا يحصن نفسه إعلامياً وليس ذنب خصومه إذا كانوا يتقنون اللعبة الإعلامية بكل وسخها أحياناً. علماً أن خصوم يعقوبيان يشكون من انتقادهم هنا وهناك أما هي فتبحث في السراج والفتيل عن أصغر انتقاد لتحصد بموجبه أكبر تعاطف.

حتى 4 آب كانت بولا أشبه بضباط النظام السوري الذي أفنوا عمرهم في خدمة النظام الذي أفنى عمره بدوره بخدمتهم، ثم قرروا الانشقاق عنه. كانت مجرد وجه آخر من وجوه هذا النظام الكثيرة. لكن الأيام القليلة الماضية أظهرت ما راكمته النائبة المستقيلة سواء في السياسة عبر المجموعات المشتتة أو مع المتطوعين والمتطوعات عبر مظلة "دفا" أو في الإعلام. لم تعد مجرد لاعبة إعلامية ذكية. المنطقة المنكوبة في الأشرفية هي واحدة من أبرز مناطق نفوذ حزب الطشناق؛ إذهبوا لتقارنوا بين ماكينة الطشناق على الأرض اليوم وماكينة يعقوبيان ستفهمون أكثر ماهية الموضوع. قارنوا بين عدد من هرعوا للتطوع في جميعة "دفا" وعدد من تطوعوا في خيم الأحزاب المنتشرة في الأشرفية. كان اختراق الجدار المصفح المحيط بالحياة السياسية مستحيل لا شبه مستحيل، لكنه اخترق فعلاً. قادت يعقوبيان عملية الاقتحام، وحققت الخرق. ثمة فجوة كبيرة في الجدار المصفح السميك.

الحالة السياسية القديمة موجودة؛ عمرها مئة عام وهي بالتالي متجذرة وحاضرة في كل مكان؛ ثمة حالة سياسية جديدة لم تكن موجودة سابقاً. في انتخابات 2018 كانت الفكرة موجودة لكنها لم تترجم على الأرض. في 17 تشرين كانت معالمها مبهمة، أما اليوم فهي واضحة المعالم ولديها إسم: بولا يعقوبيان.


  • الكلمات المفتاحية :