القناة 23 صحافة

يستطيع جبران باسيل الصراخ… لكن العقوبات قائمة

نشر بتاريخ




حجم الخط

خلال أيام قليلة قال جبران باسيل الكثير في سياق الدفاع عن نفسه. نفى تهمة الفساد، من دون أن يشرح مصير عشرات المليارات من الدولارات التي ضاعت خلال سيطرته المباشرة أو عبر فريق مستشاريه، على وزارة الطاقة.
“لا العقوبات أخافتني، ولا الوعود أغرتني”. كتب جبران باسيل عبر حسابه على “تويتر”، وأضاف: “لا أنقلب على أي لبناني، ولا أُنقذ نفسي ليَهلك لبنان”. بعد أيام قال في مقابلة عبر قناة “الحدث”، “أنا محتاط لاحتمال نشر محاضر اللقاءات وبيني وبين الأميركيين، وكلما كنت أتكلم كنت أفكر بويكيليكس”. ثم أضاف: “أنا أترك الحياة السياسية إذا ثبتت عليّ أي تهمة فساد”.
خلال أيام قليلة قال جبران باسيل الكثير في سياق الدفاع عن نفسه. نفى تهمة الفساد، من دون أن يشرح مصير عشرات المليارات من الدولارات التي ضاعت خلال سيطرته المباشرة أو عبر فريق مستشاريه، على وزارة الطاقة. 

عمّه، رئيس الجمهورية ميشال عون، طالب الأميركيين بكشف ما لديهم من معلومات عن ملفات الفساد، وتقديمها للقضاء اللبناني. لم يوضح عون، سبب مطالبته هذه، خصوصاً أنه لم يقدم على إحالة الكثير من ملفات الفساد للمقربين منه إلى القضاء، الذي يسيطر مناصرون له على عدد من مناصبه الأساسيّة. سبق أن كشف “درج” الكثير من هذه الملفات. الزميل رياض قبيسي بدوره كشف ملفات تطاول الوزيرين السابقين سليم جريصاتي والياس بوصعب، المستشارين المقربين من عون، ولم يحرك الأمر شيئاً في وجدان المقيم في بعبدا أو سياسته. بدري ضاهر، مدير الجمارك اللبنانية، لا يزال يتمتع بحماية عون بعد جريمة المرفأ. 


كثيرة هي الأمثلة التي تجعل من طلب عون بالحصول على المستندات التي تدين صهره، أشبه بنكتة سمجة. لا يعدو الأمر عن كونه جزءاً من المناكفات اللبنانية. لكنها مناكفات لا تغيّر واقعاً: جبران باسيل هو أول سياسي لبناني يُدرج على لائحة عقوبات قانون ماغنتسكي. يمكنه أن يفتخر. ها هو يستمر بتحطيم الأرقام القياسية، وقد سبق له أن حطّم الكثير منه. قدامى “التيّار الوطني الحر”، المستقيلون أو الذين أقيلوا يملكون الكثير من القصص، لكن أكثرها تشويقاً هو كيف استطاع باسيل أن “يصبح أكثر شخصية مكروهة في لبنان في أقصر وقت”.

أقر قانون ماغنتسكي عام 2012 في ظلّ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. أقر القانون خصيصاً لمعاقبة الشخصيات الروسية المسؤولة عن وفاة المحاسب الروسي سيرغي ماغنيتسكي في سجنه في موسكو عام 2009، بعد تحقيق أجراه وتوصل فيه إلى أن محاسبي الضرائب سرقوا ملايين الدولارات من خزينة الدولة لكن الحكومة الروسيّة اتهمته بالاحتيال وسرقة الأموال وتم احتجازه حيث توفي في السجن بعد الاعتداء عليه. وحينها صوّت 365 من أعضاء من مجلس النواب الأميركي، من الحزبين “الديموقراطي” و”الجمهوري”، لمصلحة القانون، وفي مجلس الشيوخ صوت 92 سيناتوراً لمصلحته. وعام 2016 تم توسيع صلاحيات القانون وأقر بنسبة تصويت عالية في مجلس الشيوخ والنواب ضمن قانون موازنة الدفاع الأميركية، وعام 2017 أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب القرار التنفيذي الذي على أساسه أدرج باسيل. 

وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2020 أدرجت وزارة الخزانة الأميركية 107 شخصية (أزيلت شخصيتان لاحقاً)، ومع باسيل يرتفع العدد إلى 108. ومن أبرز المدرجين: 17 مسؤولاً سعودياً لمسؤوليتهم عن قتل الصحافي جمال خاشقجي، النائب الأول لرئيس جنوب السودان تعبان دينغ غاي، و6 مسؤولين صينيين لمسؤوليتهم عن معسكرات الاعتقال بحق الإيغور في الصين وزينب سوما زوجة الرئيس الغامبي السابق يحيى جامع، إضافة إلى آخرين.

أدرج باسيل على لائحة العقوبات استناداً إلى هذا القانون، وليس إلى قوانين متعلقة بمكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال، كما هي الحال مع الكثير من مسؤولي “حزب الله” في لبنان والخارج، أو الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، ولهذا الأمر أهمية كبرى في سياق سعي باسيل لإزالة اسمه من اللائحة أو الإيحاء بأن الأمر قرار سياسي صرف. 

قدامى “التيّار الوطني الحر”، المستقيلون أو الذين أقيلوا يملكون الكثير من القصص، لكن أكثرها تشويقاً هو كيف استطاع باسيل أن “يصبح أكثر شخصية مكروهة في لبنان في أقصر وقت”

لا يمكن إنكار أن هناك عاملاً سياسياً في قرار كهذا، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بوضوح، عندما قال في مؤتمر صحافي إن “العقوبات على رئيس ​التيار الوطني الحر​، ​جبران باسيل،​ ملائمة. وستأتي بنفع على ​الشعب اللبناني​، كما في كل البلدان التي نعاقب مسؤوليها على فسادهم”، مشدداً على أن “باسيل كان مرتبطاً بعمق مع ​”حزب الله​”، والشعب لا يريد ذلك، بل يريد دولة ذات سيادة واستقلال، ويريدون الحرية والازدهار وفرص العمل”. لكن ما لا يمكن نكرانه أيضاً هو أن الفساد في لبنان بلغ مستويات عالية، وهذا هو الأمر الذي استند إليه الجانب الأميركي، كما قال وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوتشين، خلال إعلانه عن إدراج باسيل، إذ أعلن أن “الفساد الممنهج في النظام السياسي اللبناني، المتمثل في باسيل، قد ساعد على تآكل الأساس لحكومة فعالة تخدم الشعب اللبناني”. يضاف إلى ذلك حديث مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر عن أن باسيل ليس الفاسد الوحيد في لبنان، لكن فساده فاضح جداً.

الأمر الآخر الذي تجدر الإشارة إليه هنا، هو أن هذا القانون، هو من قوانين العقوبات النادرة التي تدعمها منظمات حقوقية دولية، لما له من دور في التصدي للفساد والجرائم المتعلقة بحقوق الإنسان. فمنظمة هيومن رايتس ووتش، تشير في مقال على موقعها إلى أن القانون خطوة مهمة في سياق “المساءلة الدولية”. وعلى رغم أن وزارة الخزانة الأميركية تدرك بأن الأفراد المدرجين على لوائح العقوبات يملكون الحق بمساءلة الإدراج أمام المحاكم الأميركية، فإنها لا تقوم بإدراجات لا تستند إلى معطيات قانونية. وللإشارة هنا، فإن جهات إنفاذ القانون ووزارة الخزانة، لاحقت الكثير من الأفراد والجماعات الذين يشتبه بتمويلهم الإرهاب، وبقضايا تبييض أموال، بسبب اقتصار الأدلة على هذا الجانب دون غيره.

رهان باسيل الآخر هو على حدوث تحوّل سياسي مع إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن، يؤدي إلى رفع اسمه عن لائحة العقوبات، التي تنص على مصادرة أملاكه في الولايات المتحدة ومنعه من دخول البلاد أو اللقاء بديبلوماسيين أميركيين. تكثر التحليلات في وسائل الإعلام الأميركي حول السياسة التي قد يتبناها بايدن تجاه إيران، لكنها تكاد تنعدم في سياق نقاش الوضع اللبناني، ويعود جزء من هذا الأمر، إلى قلة الاهتمام بالملف اللبناني أميركياً، والإجماع بين الحزبين على الموقف من حزب الله وتصنيفه كمنظمة إرهابية (لا بد من الإشارة هنا، إلى أن عهد أوباما شهد إقرار أكثر القوانين الأميركية تشدداً بحق “حزب الله”)، والأهم، أن النقاش في ما يخص إيران لا يطاول الجانب اللبناني. ومن الأخطاء الشائعة في هذا السياق، قناعة البعض بأن بايدن سيلغي العقوبات على إيران في حال توصل إلى تسوية ما معها، لكن الأدق هو أن بايدن قد يخفف هذه العقوبات ولا يلغيها. وقد رفض متحدث باسم فريق بايدن الانتقالي في حديث مع “وول ستريت جورنال” التعليق على السياسة التي يعتمدها بايدن مع العقوبات التي أدرجت أخيراً على إيران. اللافت في المقال عينه، وهو مقال مطول عن بايدن والعقوبات التي فرضها ترامب، والتي وصلت إلى 3577 إدراجاً، هو أن لبنان ورد مرة واحدة في سياق الإشارة إلى “حزب الله”.

بإمكان جبران باسيل أن يقول الكثير على حسابه على “تويتر” وفي الإعلام. لكن الثابت هنا، أن اسمه بات مرتبطاً بملفات الفساد. وأي شركة دولية تقدم خدمات للمستثمرين ورجال الأعمال والمصارف الدولية الراغبين في التعامل مع الشرق الأوسط، سوف تشير في تقاريرها إلى هذا الأمر، وهو ما يضع أي شخص يتعامل مع باسيل في مرمى العقوبات الأميركية لاحقاً. أكثر ما يمكن باسيل القيام به، هو ما قاله لقناة “الحدث”، عندما أشار إلى موضوع اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في سياق الدفاع عن نفسه إذ قال: “أرخص شيء هو العقوبات إذا كان السبب رفض التوطين والمطالبة بعودة النازحين”. اللعب على وتر العواطف والخطاب الشعبوي هو ما تبقى لباسيل وعون، بعدما ذهب لبنان، وعهد عون، إلى جهنم، بحسب كلمات المقيم في بعبدا.

"درج":  ثائر غندور - صحافي لبناني


  • الكلمات المفتاحية :