القناة 23 محليات

التحقيق الجنائي آخر كذبة

بقلم اندريه قصاص - لبنان 24

نشر بتاريخ




حجم الخط

قد يكون المواطن اللبناني الذي يتلقى مع كل إشراقة شمس ضربة على رأسه أكثر المستفيدين في حال صدقت نوايا السياسيين في السعي الجدّي في موضوع التحقيق الجنائي.

 

ولكن، ولكي تُقال الأشياء كما هي، وعلى علاتّها، وإن كانت مخيبّة للآمال، لا بدّ من المجاهرة بالقول إن من سرق الدولة وخزينتها على مدى أعوام لن تكون لديه الجرأة الأدبية لمحاسبة نفسه بنفسه. وأسارع إلى القول بعدم التلميح إلى أي جهة سياسية أو إلى أي مسؤول  بالتحديد، بل تتوجه الأنظار إلى جميع الذين كانت لهم مساهمات في إيصال البلاد والعباد إلى ما وصلوا إليه من حالة إهتراء.

 

فالتحقيق الجنائي لا يمكن إلا أن يؤيده كل من "طارت" أمواله وتبخرّت بين ليلة وضحاها. ويطالب به كل من تضررّ من السياسات المالية التي رسمتها الدولة التي رهنت مصير ناسها بمخططات كرتونية سرعان ما إنهارت مع أول عاصفة. 

 

وحده "جحا" يصدّق أن هذا التحقيق الجنائي سيصل إلى نتيجة مرضية، وإلى كشف المستور، وإلى إسترداد المودعين لودائعهم. فـ"جحا" الذي أطلق هذه الكذبة سرعان ما صدّقها.

 

نحاول بصدق أن نصدّق الذين وافقوا على قانون رفع السرية المصرفية، وعلى قانون السير بالتحقيق الجنائي، ولكن تاريخ بعض هؤلاء يشهد أنهم هم من كانوا السبب في إفقار الناس والبلد حتى الإفلاس، وهم الذين كانوا في وقت من الأوقات، إن لم نقل كل الأوقات، "حاميها حراميها"، فتمّ تهريب الأموال المسروقة من جيوب الناس وتهريبها إلى الخارج في ليلة ما فيها ضوء قمر، بالتكافل والتضامن بين المتورطين، خصوصًا أن لدى بعض المراجع المشهود لها أنها لم تلوث يديها بـ"مال حرام" إثباتات عن تورّط من لا يخطر على بال أحد.

 

لن يصدّق الشعب الذي ينفخ على اللبن لكثرة إكتوائه بالحليب أن من كان السبب في تعتيره سيكون المنقذ، ولن يثق بأن على ايدي هذه المنظومة الحاكمة والمتحكّمة بالرقاب سيكون الإنقاذ، فيما هي غير قادرة على تشكيل حكومة، يجمع الداخل والخارج على أنها الأمل الوحيد المتبقي للخروج من "جهنم".


 
 

فإذا كان أهل غير قادرين على التفاهم على ما يجاهرون به بأنه مفيد، فكيف سيتوافقون على تعليق مشانقهم بأيديهم، إلا إذا كان الجميع هم على مثال أولياء الله وقديسيه متجردين ومتعففين ونحن لا ندري؟


 
 

لن ندخل في عملية الإتهام والإتهام المضاد والمباشر، لأنه من المفروض أن يكون الجميع تحت القانون وخاضعين لأحكامه، وأن يكون للقضاء اللبناني الكلمة الفصل وتحديد السارق والفاسد وتبرئة المتهمّ ظلمًا.

 

وهنا يجوز لنا ما لا يجوز لغيرنا في مجال تصنيف البريء الذي يبقى متهمًا حتى إثبات براءته، وهكذا تطمئن النفوس ويأخذ العدل مجراه الطبيعي، وتتكشف الحقائق أمام الرأي العام، وإن كنا ميالين إلى التشاؤم في ما خصّ الذهاب بهذا التحقيق إلى أبعد ما تحدثه القنابل الدخانية، التي تحجب الرؤية إلى حين لتعود المشهدية إلى حقيقتها من دون أي مساحيق تجميلية.


 
 

نعتقد جازمين، مرّة بعد مرّة، أنه لم نرَ في تاريخ البشرية أن حاكم السارق نفسه بنفسه. صار بدّا ثورة حقيقية. 


  • الكلمات المفتاحية :