القناة 23 محليات

الغارة الفرنسية – السعودية... من ميقاتي إلى "حزب الله"

- lebanon debate

نشر بتاريخ




حجم الخط

"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح

إرتسمت لدى النخب السياسية في الداخل خشيةٌ من عبارات محدّدة تضمّنتها "مقرّرات جدّة" التي تلت لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. و تتموضع تلك الخشية في خلاصة بالغة مفادها العودة إلى الإهتمام بالقرارات الدولية 1559، 1701 و 1680. ويتضمن هذا الإقتباس، دعوةً صريحة لتنفيذ تلك القرارات، وما كان موضع اهتمام أكبر في مكان، أن تلك الدعوة جاءت بشكلٍ أحادي ومن خارج الإهتمامات الدولية الحالية، ما دفع إلى تكهّنات حول "فوز سعودي" وتوجيهٍ قضى بإعادة العمل بهذا المقتضى التوجيهي لقاء فوز باريس بصفقة خليجية تُقدّر بمليارات الدولارات.

من الواضح أن طرح القضية من هذا المنظور يحتاج إلى تدقيق في الرغبات والخلفيات السعودية، ومن الواضح هنا أكثر أن الرياض تعتبر نفسها "جهة منتصرة" من وراء الأزمة التي افتعلتها مع لبنان، بسبب تصريحات أدلى بها وزير الإعلام "المستقيل" جورج قرداحي قبل تعيينه، إلى حدودٍ تجعلها تفرض شروطاً للعودة في العلاقات مع لبنان تدريجياً إلى سابق عهدها. تصرفات السعودية وإعلامها يوحيان بذلك. الأخير نشط خلال الزيارة وبعدها بضخّ السلبيات المرتبطة بالزيارة وبثّ أجواء توحي بهزيمة لبنانية إلى درجة ذهب هذا الإعلام الموجّه، إلى التقليل من أهمية الإستقالة والزيارة في آن.

ترافق ذلك مع جو صحفي فرنسي مساند. كذلك فعل جانبٌ لبناني مرموق انعكست "هبّة الصحراء" عليه. ذهب نحو التماهي المطلق مع "البلاط السعودي" وسخّف الإستقالة وقلّل من نتائج الزيارة رغم أنه كان المبادر طوال فترة "أزمة القرداحي" على استجداء الإستقالة لتقديمها كشهادة حسن سلوك لبنانية إلى المملكة.

وعلى نحوٍ أكثر وضوحاً أيضاً، استبطنت الدعوة الفرنسية – السعودية عودة في الزمن إلى الوراء ودعوة صريحة لاستنهاض النزاع السياسي وفق أدبيات مرحلة 2005، وربما أبعد من ذلك نحو خلق ظروف مؤاتية لعملٍ ميداني ما تحت عنوان: "تطبيق القرارات الدولية". وسريعاً تلقّفت عناصر سياسية في الداخل تنشط تحت عنوان "السيادة والإستقلال وحفظ العلاقات العربية المميزة وحياد لبنان" الدعوة، وبدأت العمل على تقطيرها.

ويُحكى في هذا الإطار عن تحضيرات تقوم بها شخصية سياسية فاعلة في مجال الإعتراض على "حزب الله"، للدعوة إلى "لقاء وطني جامع ومدعوم دينياً" على شكل مؤتمرٍ تشارك فيه "منتديات سياسية" مصبوغة بمنطق الإعتراض على الحزب لإطلاق ورقة سياسية واحدة، تشكّل امتداداً لما طُرح سابقاً حول موقع لبنان من الصراع في المنطقة وحياده وتشكّل تقاطعاً مع الورقة السعودية.

وهكذا، مضت الرياض إلى هدفها وذهب بعض اللبنانيين نحو بلورة الترجمات المطلوبة لاستنهاض حالة الإعتراض بوجه الحزب، وتصويب البوصلة السياسية قبل الإنتخابات للدلالة إلى مصدر الأزمة ومضمونها، وانشغلت باريس في تقديم "محاكاة سياسية" لما جرى في جدة عبر تنشيط "المفرزة السياسية الفرنسية" لبنانياً في كافة الإتجاهات، لخلق نوعٍ من أنواع التوازن بين ما جرى تقديمه في جدّة وما يجب أن يحصل في بيروت. وكما يظهر من النشاط الفرنسي، حرصت باريس على التهدئة وتقديم روايتها لناحية تضمن البيان القرارات الدولية ووجهة النظر السعودية، وكان من بين المستهدفين بالتطمينات الفرنسية، قيادة "حزب الله" ونخب سياسية فاعلة.

ووفق معلومات "ليبانون ديبايت" تحرّكت "المفرزة" عبر القنوات المعروفة تجاه الضاحية وكانت حريصة على ترطيب الأجواء وتنقيتها من أية رواسب وإبقاء خطوط التشاور مفتوحة معه، مع التشديد أن ما من رغبة فرنسية في "التسخين" لبنانياً وإنما من خلال المشاركة في رسم بيانات الحكومة. أظهرت باريس مرونةً واضحة ورغبةً في سلوك درب الإصلاحات بالتعاون بين جميع اللبنانيين وهذه النظرة لم تتغير.

في المقابل، كان الحزب مرناً وواضحاً في تفهّم "المكاشفة الفرنسية" بالتوازي مع حرصه على تقديم نصيحة بالهدوء والتواضع، لكون الجانب السعودي وضع "دفتر شروط" يعلم هو وغيره أنه يصعب تحقيقه، وهو ما أدركه الجميع منذ زمن فزاحوا عنه، فلماذا يعود السعوديون إليه؟ التعمّق في المضمون يوحي بـ"عبثية سعودية" و سطحية في التعاطي مع القضية اللبنانية، ونظرة لا تخرج من إطار خلق أجواء سلبية داخلياً.

من جهة أخرى، كانت باريس قد حرصت على إنهاء الإلتباس مع القصر الجمهوري والذي نشأ في أعقاب مبادرة الرئيس ماكرون بإجراء اتصال ثلاثي جمعه ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. واعتمدت باريس في هذا المجال نقل الرسائل المباشرة إلى قصر بعبدا عبر خدمات السفيرة آن غريو. وفي قراءة المشهد، قدّمت السفيرة الفرنسية وجبةً كاملة من المعلومات المستقاة من اللقاء، وحرصت بناءًعلى رغبة الرئيس الفرنسي وتوجيهاته، في وضع الرئيس اللبناني بكافة التفاصيل.

وتقصّدت باريس عبر السفيرة، إظهار مدى الحرص على موقع رئيس الجمهورية، ما خالف الإعتبارات التي نشرت في الصحف على كونها لا تقيم وزناً سياسياً له. وأبلغ الجانب الفرنسي من يعنيهم الأمر أن السفيرة آن غريو، كُلّفت رسمياً من جانب الرئيس الفرنسي، إبلاغ رئيس الجمهورية اللبنانية بمقتضى الإجتماع على شكل مبعوث. الخطوة الديبلوماسية تلك، أظهرت موقع رئاسة الجمهورية بالنسبة إلى باريس وتعاملت معه من موقع الحليف الذي تكفل المعاهدات بين الدول، إطلاعه على كافة التفاصيل.

بالنسبة إلى الخطوة الفرنسية تجاه الرئيس ميقاتي، فهذه تأتي قراءتها منعزلة عمّا طُرح اعلامياً. صحيح أن الجانب السياسي اللبناني أظهرها كخطوة "تمرّد وتجاوز" لموقع الرئاسة، لكن الصحيح أيضاً أنها جاءت وفق مراسيم محددة، سعى خلالها الرئيس الفرنسي لإعادة الحرارة بين المملكة العربية السعودية وموقع رئاسة الحكومة الذي يمثّله السُنة في لبنان، أي عملياً إعادة وصل ما انقطع بين الجانبين وفتح الباب من جديد أمام الرئيس "السنّي" وتجاوز مرحلة 2017 واعتقال رئيس مجلس الوزراء السابق سعد الحريري. تلك المحاولة توحي أن ثمة من وجّه الرئيس الفرنسي من فريقه المكلّف إدارة الملف اللبناني تجاه هذه الخطوة، لعلمه بمدى تأثير "القطيعة السعودية" على الوضعية السنّية بين لبنان.

من جانب آخر، أراد القائمون على الطرح تجاوز ترسّبات "مرحلة الحريري" ووضع حدّ للقطيعة السعودية، وهو ما تعامل معه ميقاتي إلى حدود أن أطلق ماكينته السياسية تجاه ضخّ التفاؤل لدى الأوساط الشعبية من أنه نجح في نقل العلاقة السنّية – السعودية من حالة الركود والجمود إلى حالةٍ من التحرك النسبي القابل للتحسّن تدريجياً في حال أُديرت المرحلة بشكل صحيح. لذلك، سيكون هدف ميقاتي في المرحلة المقبلة إعادة الهدوء على الخط السنّي – السعودي.


  • الكلمات المفتاحية :