القناة 23 صحافة

عذراً... داليا أحمد

- نداء الوطن

نشر بتاريخ




حجم الخط

 ولا بد من الاعتراف بالتعدد والاختلاف والقبول به لا على مضضٍ بل كشرط لرؤية وحياة حضارية ووطنية متكاملة.. السيد هاني فحص

هل يحق لجمهور «حزب الله» ما لا يحقُ لغيره، في ميدان النقد السياسي اليومي لمواقف الآخرين التي لا تروق لهم؟ بحيث يستعملون الالفاظ القاسية والنابية، فضلاً عن التهديد والتخوين، بحق كلّ مختلف عنهم ومعهم، فيمنع على باقي اللبنانيين حتى مجرد توجيه التساؤل، أو اللوم لأداء حزبهم أو زعيمهم. ومتى سيدرك ذلك الجمهور أن البنيان الاجتماعي في لبنان تعددي الطابع، يصعب ضبطه، أو توجيهه في أي اتجاه؟ حتى ولو بالعنف العاري.

فقد تجلت العنصرية بأبهى صورها من خلال التعليقات والتوصيفات بحق الإعلامية داليا احمد، بعد عرض برنامجها «فشة خلق» الذي تضمن صوراً لكل زعماء لبنان السياسيين، ومن ضمنهم امين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله لا بصفته الدينية بل السياسية، الذي ما انفك هو نفسه يطبع صورته بها. فلم يكرسْ احدٌ زعيمَ «حزب الله» فاعلاً سياسياً، كما فعل نصرالله نفسه. فقلما نجد قضيةً سياسيةً في لبنان، إلا وقد تناولها، رافضاً أو متبنياً، مفنداً أو موجهاً. هو خصمٌ يوميٌ لكثيرٍ من القوى السياسية، وقائدٌ في حلفٍ سياسيٍ، له ما له، وعليه ما عليه.

مع أن تلك الصورة قد تضمنت غالبية الزعماء السياسيين في لبنان، إلا أنها قد بدت عبارة «التماسيح» قاسيةً على جمهورٍ يقوده لاوعيه الى حدود تقديس القائد، واخراجه اعتباطياً من الحقل السياسي البشري الى الحقل الديني المقدس، باعتباره فوق كل مساءلة. فهناك من يريد تكريسه على انه كائن «جلجامشي» نصفه لاهوت والآخر ناسوت، وهذا ما لا يستقيم مع زعيم حزب سياسي حاضر بقوة في السياسة اللبنانية بكل تفاصيلها وعناوينها؟ استطراداً، من يستطيع إقناع اهالي شهداء جريمة المرفأ، بأن زعيم «حزب الله» لم يحاول التأثير سياسياً في التحقيق الذي يجريه المحقق العدلي، باعتباره شخصية سياسية تقود حزباً سياسياً وازناً ومقرراً في البلد، يقيس كل شيء بميزان المصالح لا المبادئ. أو أين يكمن البعد الديني في «اتفاق مار مخايل»، وأين يكمن البعد السياسي فيه؟

وعود الى عبارة «التماسيح» فهي كلمة مألوفة في ميدان السياسة ولها دلالاتها التي تشيرُ الى أن السياسة لا تعترف الا بالقوة والمصالح، والاخلاق لا وجود لها الا بما يشبه دموع التماسيح، التي ثبت علمياً أنها لا تبكي بدافع العاطفة، بل لأسباب بيولوجية، فهي تذرف الدموع لحظة التهامها فريستها، لكونها تحرك فكيها بقوة اثناء المضغ. وقرب تلك العبارة من الواقع، أعطاها قوة الاستمرار والاستعمال اليومي. فتناقض اقوال السياسيين مع افعالهم، ورفعهم شعارات كمحاربة الفساد، والدفاع عن مصالح الشعب، تؤكد أنهم يذرفون دموع التماسيح على مصائبنا وهمومنا التي لا تعنيهم الا اذا خدمت اهدافهم الخاصة والآنية.

إن تلك الردود الحثيثة التي تضمنت توصيفاتٍ حادةً وكلاماً الغائياً، تكشف حالة مرضية خطرة، تمثلت بخطابِ كراهيةٍ أخذ يتوسع صوب عنصرية قاتلة، ليطالَ شخص، سمعة، لون، وجنسية الإعلامية داليا احمد التي تعمل في محطة تلفزيونية، تحملت الكثير الكثير دفاعاً عن «حزب الله» وامينه العام، وهي لا تزال تُحسب على خط الممانعة، إنما من ضمن خصوصيتها الفكرية والسياسية التي لا يمكن أن تتطابق معهم في كل المواضيع وفي كل الأوقات. فقناة «الجديد» لم تُعرّفْ عن نفسها يوماً على أنها من الاداوت الإعلامية غبّ الطلب لذلك الحزب المتعالي، أو ملك يمينه.

حتماً تلك الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليست مجهولة المصدر، بل هي تدل على نفسها بنفسها، ولا تستحي من قول ما هو عنصري وجارح، قد تخطى المعقول، وهو ما نرفضه من الناحية الأخلاقية. فقد رفعوا سقف الردود، لتصل الى حدود «هدر الدم» من خلال لغة عنفية مستهجنة، عبرت بانفعال مستغرب عن حاجة نفسية لقمع كل سجال قد يؤسس لاحتمال كسر «التابوهات» التي يُعمل على فرضها لخنق حرية التعبير، باعتبارها وسيلة محاسبة واجبة وملحة ديمقراطياً، وتعبر عن موقف مشروع ضد السلطة واحزابها.

ففي الدول الديمقراطية يُعتبر التطلب الديمقراطي من الثقافة السياسية الفعلية، أي ثقافة المشاركة لا ثقافة الخضوع، والفرق بينهما يتمثل في أن الناخب يقتنع بأن من واجب السلطة خدمة شعبها، وانها لو بَنَتْ الدولة، وعمرتها بالياقوت والمرمر يبقى للشعب حق المطالبة بالمزيد، كذلك يُعتبر من البديهي أن تكون نزاهة السياسي متحققة، فهي ليست منة ولا ميزة خاصة، المنطق يقول إن سمعة السياسي ملكه، ولا ينبغي لها أن تكون شعاراً سياسياً أو إنجازاً من الإنجازات.

ليس من باب الصدفة إظهار كلّ تلك النزعة العدوانية تجاه الإعلامية والمحطة التي تعمل فيها، فقد حوكما سريعاً بالمعيار المعتاد: إنه التخوين، الذي يشمل كل من يوجه النقد لذلك الحزب وقيادته، باعتبارهما فوق النقد. ومضامين ذلك هي تعيين حدود المسموح وغير المسموح، بالعنف الكلامي، لكل من تسول له نفسه وضعهم في الحقل البشري. بيد أنه قد فاتهم تقبلهم لكلام أشد قساوة يصدر من بعض العونيين، من دون أن ينبس ذلك الجمهور ببنت شفة!.

فهل نحن أمام معايير مزدوجة، تارةً تبرر الخداع، وطوراً تبرر العنف؟

عذراّ داليا أحمد..


  • الكلمات المفتاحية :